منتدي الطريق الي الجنة علي منهج السلف الصالح يرحب بكم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 صفحات منسية (متجدد).

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: صفحات منسية (متجدد).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:39

السلام عليكم و رحمه الله و بركاته

اخوني في الله اخواتي في الله حياكم الله جميعا
بسم الله و الصلاة و السلام علي رسول الله
اما بعد اخواني و اخواتي الكرام فإني قد وجد
ان التاريخ تجاهل كثيرا من الأحداث المهمه التي
يجب ان تأخذ حقها رغم عظمها فأحببت ان
اكتب عنها في موضوع خاص
و جزاكم الله كل خير

_________________


عدل سابقا من قبل ابو بكر السكندري في السبت 06 سبتمبر 2008, 18:07 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(يوسف بن تاشفين).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:42

يعتبر يوسف بن تاشفين بحق واحداً من عظماء المسلمين الذين جدّدوا للأمة أمر دينها ولم يأخذ حقه من الاهتمام التاريخي إلا قليلاً.
وشخصية يوسف بن تاشفين شخصية إسلامية متميزة استجمعت من خصائل الخير
وجوامع الفضيلة ما ندر أن يوجد مثلها في شخص مثله. فيوسف بن تاشفين «أبو
يعقوب» لا يقل عظمة عن يوسف بن أيوب الملقب بصلاح الدين الأيوبي، وإذا كان
الأخير قد ذاع صيته في المشرق الإسلامي وهو يقارع الصليبيين ويوحد
المسلمين، فإن الأول قد انتشر أمره في المغرب الإسلامي وهو يقارع الإسبان
والمارقين من الدين وملوك الطوائف ويوحد المسلمين في زمن كان المسلمون فيه
أحوج ما يكونون إلى أمثاله.

نشأ يوسف بن تاشفين في جنوب بلاد المغرب (موريتانيا حالياً) نشأة إيمانية
جهادية، وأصله من قبائل «سنهاجه اللثام» ويقال بأنه حميري عربي وفي روايات
أخرى بربري.
كانت الظروف السياسية السائدة في زمنه غاية في التعقيد وغلب عليها تعدد
الولاءات وانقسام العالم الإسلامي وسيطرة قوى متناقضة على شعوبه. ففي
بغداد كانت الخلافة العباسية من الضعف بمكان بحيث لا تسيطر على معظم
ولاياتها، وفي مصر ساد الحكم الفاطمي الفاسد، وفي بلاد الشام بدأت بواكير
الحملات الصليبية بالنزول في سواحل الشام، وفي الأندلس استعرت الخصومة
والخيانة وعم الفساد بين ملوك طوائفها، وأما في بلاد المغرب الإسلامي حيث
نشأ وترعرع فكانت قبائل مارقة من الدين تسيطر على الشمال المغربي، وتحصن
مواقعها في ا لمدن الساحلية كسبتة وطنجة ومليلة، وهي من آثار الدولة
العبيدية الفاطمية التي تركت آثاراً عقيدية منحرفة تمثلت في جزء منها
بإمارة تسمى الإمارة البرغواطية سيطرت على شمال المغرب وبنت أسطولاً قوياً
لها وحصنت قواتها البحرية المطلة على مضيق جبل طارق.
وفي عام 445هـ أسّس عبد اللـه بن ياسين حركة المرابطية (الرباط في سبيل
اللـه)، وبعد عشر سنوات تسلم قيادة الحركة يوسف بن تاشفين، فبدأ بتعمير
البلاد وحكمها بالعدل، وكان يختار رجالاً من أهل الفقه والقضاء لتطبيق
الإسلام على الناس، واهتم ببناء المساجد باعتبارها مراكز دعوة وانطلاق
وتوحيد للمسلمين تحت إمارته، ثم بدأ يتوسع شرقاً وجنوباً وشمالاً فكانت
المواجهة بينه وبين الإمارة البرغواطية الضالة أمراً لا مفر منه.
إستعان ابن تاشفين في البداية بالمعتمد بن عباد - وهو أحد أمراء الأندلس
الصالحين - لمحاربة البرغواطيين، فأمدّه المعتمد بقوة بحرية ساعدته في
القضاء على الإمارة الضالة، وهكذا استطاع أن يوحد كل المغرب حتى مدينة
الجزائر شرقاً، وحتى غانة جنوباً، وكان ذلك عام 476هـ. وبعد أن قوي ساعده
واستقرت دولته وتوسعت، لجأ إليه مسلمو الأندلس طالبين الغوث والنجدة، حيث
كانت أحوال الأندلس تسوء يوماً بعد يوم، فملوك الطوائف لقبوا أنفسهم
بالخلفاء، وخطبوا لأنفسهم على المنابر، وضربوا النقود بأسمائهم، وصار كل
واحدٍ منهم يسعى للاستيلاء على ممتلكات صاحبه، لا يضره الاستعانة بالإسبان
النصارى أعداء المسلمين لتحقيق أهدافه، واستنابوا الفساق، واستنجدوا
بالنصارى وتنازلوا لهم عن مداخل البلاد ومخارجها. وأدرك النصارى حقيقة
ضعفهم فطلبوا منهم المزيد.
ولقد استجاب ابن تاشفين لطلب المسلمين المستضعفين، وفي ذلك يقول الفقيه
ابن العربي: «فلبّاهم أمير المسلمين ومنحه اللـه النصر، وألجم الكفار
السيف، واستولى على من قدر عليه من الرؤساء من البلاد والمعاقل، وبقيت
طائفة من رؤساء الثغر الشرقي للأندلس تحالفوا مع النصارى، فدعاهم أمير
المسلمين إلى الجهاد والدخول في بيعة الجمهور، فقالوا: لا جهاد إلا مع
إمام من قريش ولستَ به، أو مع نائبه وما أنت ذلك، فقال: أنا خادم الإمام
العباسي، فقالوا له: أظهر لنا تقديمه إليك، فقال: أو ليست الخطبة في جميع
بلادي له؟ فقالوا: ذلك احتيال، ومردوا على النفاق».

وحتى يكون ابن تاشفين أميراً شرعياً أرسل إلى الخليفة العباسي يطلب منه
توليته. ويقول السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء: «وفي سنة تسع وسبعين أرسل
يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه وأن يقلده ما
بيده من البلاد فبعث إليه الـخُلَعَ والأَعلام والتقليدَ ولقّبه بأمير
المسلمين، ففرح بذلك وسُر به فقهاء المغرب».
وبعد أن زاد ضغط النصارى الإسبان القادمين من الشمال استنجد بابن تاشفين
المعتمد بن عباد، ونُقِلَ عنه في كتاب دراسات في الدولة العربية في المغرب
والأندلس أنه قال: «رعي الـجِمال عندي خير من رعي الخنازير» وذلك كناية عن
تفضيله للسيادة الإسلامية، ودخل المعتمد مع ابن تاشفين الأندلس شمالاً
وقاد ابن تاشفين الجيوش الإسلامية وقاتل النصارى قتالاً شديداً وكانت
موقعة الزلاّقة من أكبر المعارك التي انتصر فيها المسلمون انتصاراً كبيراً
على الإسبان، وهُزم ملكهم الفونسو السادس هزيمة منكرة.

وعلى أثر هذه الموقعة خَلَعَ ابنُ تاشفين جميعَ ملوك الطوائف من مناصبهم
ووحّد الأندلس مع المغرب في ولاية واحدة لتصبح: أكبر ولاية إسلامية في
دولة الخلافة.
يقول صاحب الـحُلَل الـمَوْشِيّة: (ولما ضخمت مملكة يوسف بن تاشفين واتسعت
عمالته، اجتمعت إليه أشياع قبيلته، وأعيان دولته، وقالت له: أنت خليفة
اللـه في أرضه، وحقك أكبر من أن تدعى بالأمير، بل ندعوك بأمير المؤمنين.
فقال لهم: حاشا للـه أن نتسمى بهذا الاسم، إنما يتسمى به خلفاء بني العباس
لكونهم من تلك السلالة الكريمة، ولأنهم ملوك الحرمين مكة والمدينة، وأنا
راجلهم والقائم بدعوتهم، فقالوا له: لا بد من اسم تمتاز به، فأجاب إلى
«أمير المسلمين وناصر الدين» وخطب لهم بذلك في المنابر وخوطب به من
العُدْوَتَيْن - أي المغرب والأندلس -).

يقول السلامي الناصري في الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى: «إنما احتاج
أمير المسلمين إلى التقليد من الخليفة العباسي مع أنه كان بعيداً عنه،
وأقوى شوكة منه، لتكون ولايته مستندة إلى الشرع... وإنما تسمى بأمير
المسلمين دون أمير المؤمنين أدباً مع الخليفة حتى لا يشاركه في لقبه، لأن
لقب أمير المؤمنين خاص بالخليفة، والخليفة من قريش».
ومن علامات التقوى والتمسك بأهداب الدين تمسك الأمراء والحكام بالنقد
الشرعي، وفي ذلك يقول ابن الخطيب في كتابه الإحاطة: (كان درهمه فضة،
وديناره تبراً محضاً، في إحدى صفحتيه «لا إله إلا اللـه محمد رسول اللـه»،
وتحت ذلك «أمير المسلمين يوسف بن تاشفين»، وفي الدائر ومن يبتغ غير
الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، وفي الصفحة
الأخرى «الإمام عبد اللـه أمير المؤمنين» وفي الدائرة «تاريخ ضربه وموضع
سكه»). وعبد اللـه اصطلاحاً هو كنية يصلح لاسم كل خليفة عباسي. واتخذ يوسف
السواد شعاراً للمرابطين، وهو نفس شعار الدولة العباسية، ورفع شعار السواد
يدل على التمسك بالسنة والتمسك بالوحدة وعدم شق جماعة المسلمين، إضافة إلى
أن راية رسول اللـه صلى الله عليه وسلم كانت سوداء.

لقد ذاع صيت ابن تاشفين بين العلماء والقضاة بشكل خاص وبين الناس بشكل عام
فتناقلوا أخباره وصفاته، وتواتر عنهم نقل صفات الجهاد والعدل والزهد
والإخلاص والتمسك بالإسلام وبدولة المسلمين الشرعية، حتى أثنى عليه معظم
العلماء والفقهاء.
جاء في الخطاب المطول الذي رفعه الفقيه المعروف بابن العربي واسمه عبد
اللـه بن عمر: «... الأمير أبو يعقوب يوسف بن تاشفين المتحرك بالجهاد،
المتجهز إلى المسلمين باستئصال فئة العناد، ولمة الفساد، قام بدعوة
الإمامة العباسية والناس أشياع، وقد غلب عليهم قوم دعوا إلى أنفسهم ليسوا
من الرهط الكريم ولا من شعبه الطاهر الصميم، فنبّه جميع من كان في أفق
قيامه بالدعوة الإمامية العباسية، وقاتل من توقف عنها منذ أربعين عاماً
إلى أن صار جميع من في جهة المغارب على سعتها وامتدادها له طاعة، واجتمعت
بحمد اللـه على دعوته الموفقة الجماعة، فيخطب الآن للخلافة، بسط اللـه
أنوارها، وأعلى منارها على أكثر من ألفي منبر وخمسمائة منبر، فإن طاعته
ضاعفها اللـه من أول بلاد اللـه الإفرنج، استأصل اللـه شأفتهم، ودمّر
جملتهم إلى آخر بلاد السوس مما يلي غانة، وهي بلاد معادن الذهب، والحافة
بين الحدين المذكورين مسيرة خمسة أشهر، وله وقائع في جميع أصناف الشرك من
الإفرنج وغيرهم،
قد فللت غربهم، وقللت حزبهم، وألفت مجموعة حربهم، وهو مستمر على مجاهدتهم
ومضايقتهم في كل أفق، وعلى كل الطرق، ولقد وصل إلى ديار المشرق في هذا
العام قاضٍ من قضاة المغرب يعرف بابن القاسم، ذكر من حال هذا الأمير ما
يؤكد ما ذكرته، ويؤيد ما شرحته، وقد خصّه اللـه بفضائل، منها الدين
المتين، والعدل المستبين، وطاعة الإمام، وابتداء جهاده بالمحاربة على
إظهار دعوته، وجمع المسلمين على طاعته، والارتباط بحماية الثغور، وهو ممن
يقسم بالسوية، ويعدل في الرعية، وواللـه ما في طاعته مع سعتها دانٍ منه،
ولا ناءٍ عنه من البلاد ما يجري فيه على أحد من المسلمين رسم مَكْسٍ، وسبل
المسلمين آمنة، ونقوده من الذهب والفضة سليمة من الشرب، مطرزة باسم
الخلافة ضاعف اللـه تعظيمها وجلالها. هذه حقيقة حاله واللـه يعلم أني ما
أسهبت ولا لغوت بل لعلي أغفلت أو قصرت».
وجاء رد الخليفة بخط يده وبمداد ممسك: «... إن ذلك الولي الذي أضحى بحبل
الإخلاص معتصماً، ولشرطه ملتزماً، وإلى أداء فروضه مسابقاً، وكل فعله فيما
هو بصدده للتوفيق مساوقاً، لا ريبة في اعتقاده، ولا شك في تقلده من
الولاء، طويل نجاده، إذا كان من غدا بالدين تمسكه، وفي الزيادة عنه مسلكه،
حقيقاً بأن يستتب صلاح النظام على يده، ويستشف من يومه حسن العقبى في غده،
وأفضل من نحاه، وعليه من الاجتهاد دار رحاه، جهاد من يليه من الكفار،
وإتيان ما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار، اتباعاً لقوله تعالى: ﴿قاتلوا
الذين يلونكم من الكفار﴾ فهذا هو الواجب اعتماده، الذي يقوم به الشرع
عماده».
وللغزالي قول فيه رد على طلب ابن العربي منه لفتوى بحقه نقتبس منه: «لقد
سمعت من لسانه -ابن العربي- وهو الموثوق به، الذي يستغنى مع شهادته عن
غيره، وعن طبقة من ثقاة المغرب الفقهاء وغيرهم من سيرة هذا الأمير أكثر
اللـه في الأمراء أمثاله، ما أوجب الدعاء لأمثاله، فلقد أصاب الحق في
إظهار الشعار الإمام المستظهري، وإذا نادى الملك المستولي بشعار الخلافة
العباسية وجب على كل الرعايا والرؤساء الإذعان والانقياد، ولزمهم السمع
والطاعة، وعليهم أن يعتقدوا أن طاعته هي طاعة الإمام، ومخالفته مخالفة
الإمام، وكل من تمرد واستعصى وسل يده عن الطاعة فحكمه حكم الباغي، وقد قال
اللـه تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت
إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تـفـيء إلى أمر اللـه﴾ والفيئـة
إلى أمـر اللـه الرجوع إلى السلطان العادل المتمسك بولاء الإمام الحق
المنتسب إلى الخلافة العباسية، فكل متمرد على الحق فإنه مردود بالسيف إلى
الحق، فيجب على الأمير وأشياعه قتال هؤلاء المتمردة عن طاعته لا سيما وقد
استنجدوا بالنصارى المشركين أوليائهم،
وهم أعداء اللـه في مقابلة المسلمين الذين هم أولياء اللـه، فمن أعظم
القربات قتالهم إلى أن يعودوا إلى طاعة الأمير العادل المتمسك بطاعة
الخلافة العباسية، ومهما تركوا المخالفة وجب الكف عنهم، وإذا قاتلوا لم
يجز أن يتبع مدبرهم، ولا أن (ينزف) على جريحهم.... وأما من يظفر به من
أموالهم فمردود عليهم أو على ورثتهم، وما يؤخذ من نسائهم وذراريهم في
القتال مهدرة لا ضمان فيها... ويجب على حضرة الخليفة التقليد فإن الإمام
الحق عاقلة أهل الإسلام، ولا يحل له أن يترك في أقطار الأرض فتنة ثائرة
إلا ويسعى في إطفائها بكل ممكن. قال عمر رضي اللـه عنه: «لو تركت جرباء
على ضفة الفرات لم تُطل بالهناء -القِطر- فأنا المسؤول عنها يوم القيامة».
فقال عمر بن عبد العزيز: «خصماؤك يا أمير المؤمنين»، يعني أنك مسؤول عن كل
واحد منهم إن ضيعت حق اللـه فيهم أو أقمته فلا رخصة في التوقف عن إطفاء
الفتنة في قرية تحوي عشرة فكيف في أقاليم». انتهى كلام الغزالي.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(مظفر الدين كوكبوري).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:44

ثاني الشخصيات التي تجاهلها التاريخ
شخصية عظيمة من شخصيات التاريخ
التي لم تأخذ حقها في الشهرة
اترككم مع جولة حول شخصية الامير
الشجاع و البطل الهمام مظفر الدين كوكبوري





مظفر الدين كُوكُبُوري.. أمير شجاع وحاكم إنسان

(في ذكرى مولده: 27 من المحرم سنة 549هـ)

أحمد تمام




سطعت شخصية "صلاح الدين الأيوبي" في سماء القرن السادس الهجري فخطفت
الأبصار، وجذبت إليها القلوب، واتجهت نحوها النفوس، واختفى بجوارها كثير
من أعلام عصرها من الحكام والسلاطين والأمراء والملوك؛ فعلى يديه ذاق
الصليبيون مرارة الهزيمة في "حطين"، وأجبرهم سيفه وشجاعته على تسليم بيت
المقدس بعد أن ظل يئن في أيديهم طويلاً، وبحكمته وفطنته تجمعت القوى
الإسلامية تحت لوائه ورايته.

ولم يكن بمقدور صلاح الدين أن يحقق كل هذا النجاح أو ينال كل ذلك التوفيق
بكفاءته ومهارته وحدهما، أو بعبقريته في السياسة والحرب معًا، وإنما حالفه
النجاح؛ لأنه استعان بالأكفاء وذوي الخبرة من الرجال، ولم ينفرد برأي
دونهم أو يسمع صوت عقله دون عقلهم، فأضاف إلى قوته قوتهم، وإلى ذكائه
مهاراتهم وفطنتهم، وكان "مظفر الدين كُوكُبُوري" من هؤلاء الرجال الأكفاء
الذين اتصلوا بصلاح الدين الأيوبي الذي اعتمد عليهم في حركته المظفرة حتى
حقق ما حقق من نجاح باهر.

وإذا كان "صلاح الدين" قد استأثر بالمجد والشهرة واهتمام المؤرخين، فإن من
حق رجاله الأبطال الذين التفوا حوله أن يلتفت إليهم التاريخ، ويسجل
بطولاتهم، ويشيد بإنجازاتهم، ويعطي صورة واضحة المعالم، مكتملة القسمات
والملامح.

في مدينة "إربل" كان مولد مظفر الدين كُوكُبُوري في (27 من المحرم 549هـ)،
وكلمة "كُوكُبُوري" تركية معناها "الذئب الأزرق"، وقد اشتهر بهذا اللقب
تقديرًا لشجاعته وإقدامه. و"إربل" مدينة كبيرة، تقع إلى الجنوب الشرقي من
مدينة "الموصل" العراقية، على بعد (80) كم منها.

نشأ "مظفر الدين" في كنف والده "زين الدين علي بن بكتكين" حاكم إربل، وعهد
به إلى من يقوم على تثقيفه وتربيته، وتعليمه الفروسية وفنون القتال، ثم
توفي أبوه سنة (563هـ= 1167م)، وكان "مظفر الدين" في الرابعة عشرة من
عمره، فخلف أباه في حكم إربل، ولكنه كان قاصرًا عن مباشرة شئون الحكم
والإدارة بنفسه لصغر سنه، فقام نائب الإمارة "مجاهد الدين قايماز" بتدبير
شئون الدولة وإدارة أمور الحكم، ولم يبق لمظفر الدين من الملك سوى مظاهره.


ولما اشتد عود "مظفر الدين" نشب خلاف بينه وبين الوصي على الحكم "مجاهد
الدين قايماز"، انتهى بخلع "مظفر الدين" من إمارة "إربل" سنة (569هـ=
1173م)، وإقامة أخيه "زين الدين يوسف" خلفًا لمظفر الدين على إربل.

اتصال بصلاح الدين

اتجه مظفر الدين نحو "الموصل"؛ لعله يجد من حاكمها "سيف الدين غازي
الثاني" معاونة صادقة تمكّنه من استرداد إمارته، لكن "سيف الدين" لم يحقق
له رغبته، وعوضه عن "إربل" بأن أدخله في حاشيته، وأقطعه مدينة "حران"،
فانتقل إليها المظفر وأقام بها تابعًا لسلطان الموصل، وظل يحكم حران منذ
سنة 569هـ حتى سنة 578هـ.

في أثناء ذلك ظهر "صلاح الدين الأيوبي" واستقل بمصر، وتطلع إلى قيام دولة
واحدة تضم مصر والشام للوقوف أمام الصليبيين وإخراجهم من الإمارات التي
أقاموها بالشام وبدأ يعد العدة لهذا الأمر، فانتهز الخلافات التي وقعت في
الشام واستولى على "دمشق"، وتطلع إلى غيرها من المدن؛ لتوحيد الصف
الإسلامي، غير أن بعض الأمراء كان يدخل في طاعة "صلاح الدين" دون حرب، ومن
هؤلاء كان "زين الدين يوسف" أمير إربل، وأخوه "مظفر الدين كُوكُبُوري"
أمير حران.

جهاد ضد الصليبيين

بعد أن انفصل "مظفر الدين" عن "الموصل" ودخل في طاعة صلاح الدين وحكمه
انفتح له مجال الجهاد ضد الصليبين، وأصبح من العاملين مع صلاح الدين الذي
أعجب به وبشجاعته، وثباته معه في ميادين الجهاد، وتحول الإعجاب إلى توثيق
للصلة بين الرجلين، فأقدم صلاح الدين على تزويج أخته "ربيعة خاتون" لمظفر
الدين.

وقد شارك "مظفر الدين" في معظم الحروب التي خاضها صلاح الدين ضد الصليبيين
بدءًا من فتح "حصن الكرك" سنة (580هـ = 1184م) وكان صاحب هذا الحصن
"أرناط" الصليبي كثيرًا ما يتعرض للقوافل التجارية بالسلب والنهب.

وفي معركة "حطين" (583هـ = 1187م) التي حشد لها صلاح الدين ثمانين ألفًا
من المجاهدين كان لمظفر الدين مهمة بارزة في تلك المعركة الخالدة؛ فقد
تولى قيادة جيوش الموصل والجزيرة، وأبلى في المعركة بلاءً حسنًا.

ويذكر له التاريخ أنه هو الذي أوحى بفكرة إحراق الحشائش التي كانت تحيط
بأرض المعركة حين وجد الريح في مواجهة الصليبيين تلفح وجوههم، فلما نفذت
الفكرة وأضرمت النار في الحشائش حملت الريح الدخان واللهب والحرارة إلى
وجوه الصليبيين فشلَّتْ حركتهم عن القتال، وحلت بهم الهزيمة المنكرة.

وكان انتصار المسلمين في هذه المعركة انتصارًا رائعًا فتح الطريق للمسلمين
إلى استرداد البلاد الساحلية، ففتحوا طبرية وعكا وقيسارية والناصرة وحيفا،
وهيأ لصلاح الدين فرصة تتويج جهاده المتصل باسترداد "بيت المقدس".

وظل مظفر يشارك صلاح الدين في جهاده حتى تم الصلح بينه وبين "ريتشارد" ملك إنجلترا في (شعبان 588 هـ = 1192م) فعاد إلى بلاده.

ولاية من جديد

تولى مظفر الدين ولاية "إربل" بعد وفاة أخيه "زين الدين يوسف" سنة (586هـ=
1190م)، وهنا يبرز دور آخر له لا يقل روعة وبهاء عن دوره في ميادين القتال
والجهاد؛ فهو رجل دولة وإدارة يُعنى بشئون إمارته؛ فيقيم لها المدارس
والمستشفيات، ويقوم على نشر العلم وتشجيع العلماء، وينهض بالزراعة
والتجارة، ويشارك أهل إمارته أفراحهم، ويحيا حياة بسيطة هي أقرب إلى الزهد
والتقشف من حياة التوسط والاكتفاء.

غير أن الذي يثير الإعجاب في نفوسنا هو إقدامه على إقامة مؤسسات اجتماعية
لفئات خاصة تحتاج إلى رعاية الدولة وعنايتها قبل أن يجود عليهم أفراد
المجتمع بعطفهم ومودتهم، وكان البعض يظن أن هذا من نتاج المدنية الحديثة،
فإذا الحقيقة تثبت سبق الدولة الإسلامية إلى هذا النوع من العمل الإنساني
منذ عهد "الوليد بن عبد الملك" الخليفة الأموي.

مؤسسات خدمية

أقام مظفر الدين لذوي العاهات دورًا خاصة بهم؛ خصصت فيها مساكن لهم، وقرر
لهم ما يحتاجون إليه كل يوم، وكان يأتي لزيارتهم بنفسه مرتين في الأسبوع؛
يتفقدهم واحدًا واحدًا، ويباسطهم ويمزح معهم، كما أقام دورًا لمن فقدوا
آباءهم وليس لهم عائل؛ حيث يجدون فيها كل ما يحتاجون، حتى اللقطاء بنى لهم
دارًا، وجعل فيها مرضعات يقمن برعايتهم، ومشرفات ينهضن بتربيتهم، وأنشأ
للزمنى وهم المرضى بالجذام دارًا يقيمون فيها، وزودها بكافة الوسائل التي
تعينهم على الحياة الكريمة من طعام وشراب وكساء وعلاج، وجعل لكل مريض
خادمًا خاصًا به يقوم على رعايته وخدمته.

وتعدى نشاط مظفر الدين إلى خدمة غير أهل بلاده؛ فبنى دارًا للضيافة في
إربل لمن يفِد إليها للتجارة أو لقضاء مصلحة، أو للمسافرين الذين يمرون بـ
"إربل"؛ حيث يقدم للضيف كل ما يحتاج إليه من طعام وشراب، كما زودت بغرف
للنوم، ولم يكتف مظفر الدين بذلك، وإنما كان يقدم للضيف الفقير نفقة تعينه
على تمام سفره.

وامتد بره إلى فقراء المسلمين في الحرمين الشريفين: مكة والمدينة؛ فكان
يرسل إلى فقرائهما كل سنة غذاء وكساءً ما قيمته ثلاثون ألف دينار توزع
عليهم، كما بنى بالمدينتين المقدستين خزانات لخزن ماء المطر، حتى يجد
سكانهما الماء طوال العام، وذلك بعد أن رأى احتياجهما إلى الماء وما
يجدونه من مشقة في الحصول عليه، خاصة في مواسم الحج.

ورأى المظفر أنه مسئول عن الأسرى الذين يقعون في أيدي الصليبيين؛ فلم
يتوان في شراء حريتهم، فكان يرسل نوابه إلى الصليبيين لفداء الأسرى. وقد
أُحصي الأسرى الذين خلصهم من الأسر مدة حكمه فبلغوا ستين ألفًا ما بين رجل
وامرأة.

ظل مظفر الدين يحكم مدينة إربل نصف قرن من الزمان حتى جاوز عمره الثمانين
عامًا، ثم وافاه الأجل في يوم الأربعاء (8 من رمضان 630هـ- 1232م) في
إربل، وكانت له وصية أن يدفن بمكة، فلما توجه الركب إليها بجثمان مظفر
الدين ليدفن بها حالت أمور دون وصولهم، فرجعوا من الطريق ودفنوه بالكوفة
بالقرب من مشهد الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.‏

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(عبد الرحمن الغافقي).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:46

ما كاد أمير المؤمنين ، عمر بن عبد العزيز ينفض يديه من تراب سلفه سليمان
بن عبد الملك ، حتى بـادر يعيد النظر في أمراء الأمصار ، ويعزِل ويولِّي .
وكان في طليعة من استعمله " السمح بن مالك الخولاني " ..
فلقد أسند إليه ولاية الأندلس وما جاورها من المدن المفتوحة من بلاد فرنسا .


* * *


ألقى الأمير الجديد رحاله في بلاد الأندلس ، وانطلق يبحث عن أعوان الصدق والخير ؛ فقال لمن حوله :
أَبَقِيَ في هذه الديار أحد من التابعين ؟
فقالوا : نعم أيها الأمير .
إنه ما يزال فينا التابعي الجليل عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي . .
ثم ذكروا له من علمه بكتاب الله ، وفَهمِِهِ لحديث رسول الله ، وبلائه في
ميادين الجهاد ، وتشوقه إلى الاستشهاد ، وزهده بعَرَضِ الدنيا الشيء
الكثير ..
ثم قالوا له :
إنه لقي الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن أبيه ، وأنه أخذ عنه ما شاء الله أن يأخذ ..
وتأسّى به أعظم التأسي .


* * *


دعا السمح بن مالك الخولاني عبد الرحمن الغافقي إلى لقائه ، فلما جاءه رحب
به أكرم الترحيب وأدنى مجلسه منه ، ثم قعد ساعة من نهار يسأله عن كل ما
عنَّ له ...
ويستشيره في كثير مما أشكل عليه ...
فإذا هو فوق ما اُخبِرَ عنه ، وأعظم مما ذُكر له ، فعرض عليه أن يوليه عملاً من كبير أعماله في الأندلس .
فقال له : أيها الأمير ، إنما أنا رجل من عامة الناس ...
ولقد وفدت إلى هذه الديار لأقف على ثغر من ثُغُور المسلمين ...
ونذرت نفسي لمرضاة الله عز وجل ...
وحملت سيفي لإعلاء كلمته في الأرض ...
وستجدني – إن شاء الله تعالى – ألزم لك من ظِلِّكَ ما لزمت الحق ...
وأطوع لك من بَنَانِكَ ما أطعت الله ورسوله ...
من غير ولاية ولا إمارة .


* * *


لم يمض غير قليل حتى عزم السمح بن مالك الخولاني على غزو فرنسا كُلها ، وضمها إلى عِقدِ دولة الإسلام العظمى .
وأن يتخذ من ديارها الرحبة طريقاً إلى دول البلقان ...
وأن يُفضي من دول البلقان إلى القسطنطينية ، تحقيقاً لبشارة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام .
وكانت الخطـوة الأولى لتحقيق هذا الهدف الكبيـر ، إنما تتوقف علـى احتلال مدينـة ( أربُونَةَ ) .
ذلك أن ( أربونة ) كانت من أكبر المدن الفرنسية التي تُجاور بلاد الأندلس .
وكان المسلمون كلما انحدروا من جبال ( البِرِنيهِ ) ، وجدوها تنتصب أمامهم كما ينتصب المارد الجبار .
وهي فوق ذلك مِفتاح فرنسا الكبرى ...
ومطمح الطامحين إليها ...


* * *


حاصر السمح بن مالك الخولاني مدينة ( أربونة ) ، ثم عرض على أهلها الإسلام أو الجزية ... فعز عليهم ذلك وأبوه .
فهبَّ يهاجمهم الهجمة تلو الأخرى ، ويقذفهم بالمنجنيقات حتى سقطت المدينة
العريقة الحصينة في أيدي المسلمين بعد أربعة أسابيع من الجهاد البطولي
الذي لم تشهد أوروبا نظيراً له من قبل .
ثم بادر القائد المظفر المنتصر ، فتوجه بجيشه الجرَّار إلى مدينة ( تُولُوز ) عاصمة مقاطعة ( أوكتانيَةَ ) .
فنصب حولها المنجنيقات من كل جهة .
وقذفها بآلة الحرب التي لم تعرف لها أوروبا نظيراً من قبل .
حتى أوشكت المدينة المنيعة الحصينة أن تخر بين يديه .
عند ذلك وقع ما لم يكن في حُسبَان أحد .
فلنترك الحديث للمستشرق الفرنسي ( رينو ) ليسوق لنا خبر تلك المعركة .
قال ( رينو ) :-
"لما أصبح النصر قاب قوسين من المسلمين أو أدنى ، هبَّ ( دوق أوكتانية ) يستنفر لحربهم البلاد والعباد .
وأرسل رسله فطافوا أوروبا من أقصاها إلى أقصاها .
وأنذروا مُلُوكها وأمراءها باحتلال ديارهم ، وسَبيْ نسائهم وَوِلدانهم .
فلم يبق شعب في أوروبا إلا أسهم معه بأشد مقاتليه بأساً ، وأكثرهم عدداً ...
وقد بلغ من وفرة الجيش ، وعنف حركته ، وثقل وطأته ، ما لم تعرف له الدنيا
نظيراً له من قبل . . . حتى أن الغبار المتطاير تحت أقدامه قد حجب عن
منطقة ( الرُّون [rhone:نهر في سويسرا وفرنسا 812 كم من أغزر أنهار فرنسا
، يروي جينيف ، وليون Lyon ، وفالنس ، وفاينيون ، وآرل Arles ويصب في
المتوسط غرب مرسيليا]) عين الشمس .
ولما تدانى الجمعان خُيل للناس أن الجبال تلاقي الجبال ، ثم دارت بين الفريقين رحى معركة ضروس لم يعرف التاريخ لها مثيلاً من قبل .
وكان السمح أو ( ذاما ) كما كنا نسميه ، يَظهر أمام جنودنا في كل مكان .
ويتواثب أمام عسكره في كل اتجاه .
وفيما هو كذلك أصابته رميةٌ من سهم ، فخر صريعاً عن جواده .
فلما رآه المسلمون مجندلاً فوق الثرى ، فتَّ الموقف في عضدهم ...
وبدأت صفوفهم تتداعى ...
وأصبح في وسع جيشنا الجرار أن يبيدهم عن بكرة أبيهم ...
لولا أن تتدراكتهم العناية الربانية بقائد عبقري عرفته أوروبا فيما بعد ، هو عبد الرحمن الغافقي .
فتولَّى أمر انسحابهم بأقل قدر من الخسائر ، وعاد بهم إلى أسبانيا .
لكنه عقد العزم على أن يعيد الكرَّة علينا من جديد ..."


* * *


وبعدُ ...
فهل رأيت الغيوم كيف تنقشع عن البدر في الليلة الظلماء .
فيستضيء بنوره التائهون ...
ويهتدي بسناه الحيارى ؟ .
هكـذا انقشعت معركة ( تُولُوزَ ) عن بطل الإسلام الفـذ عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي ...
وهل أبصرت العِطَاش المُوفِين على الهلاك في جوف الصحراء كيف يلوح لهم الماء .
فَيَمُدُون أيبديهم إليه .. ليغترفوا منه غرفة تَرُدُ إليهم الحياة ؟ .
هكذا مد جند المسلمين أيديهم إلى القائد العظيم ينشدون عنده النجاة ... ويبايعونه على السمع والطاعة ...
ولا غرو فقد كانت معركة ( تولوز ) أول جرح غائر أُصيب به المسلمون منذ وطئت أقدامهم أوروبا .
وكان عبد الرحمن الغافقي بَلْسَم هذا الجرح ...
واليد الحانية التي أحاطته بالعناية والرعاية ...
والقلب الكبير الذي أفاض عليه الحنان ...


* * *


أَرْمَضَت أنباء النكسة الكبرى التي مُنِيَ بها المسلمون في فرنسا فؤاد الخليفة في دمشق .
وأجَّج مصـرع البطل الكميِّ السمح بن مالك الخولاني في صدرها نارَ الحمية للأخذ بالثأر .
فأصدرَت أوامرها بإقرار الجند على مبايعتهم لعبد الرحمن الغافقي ..
وعهدَت إليه بإمارة الأندلس من أقصاها إلى أقصاها ..
وضمَّت إليه ما جاورها من الأراضي الفرنسية المفتوحة .
وأطلقت يده في العمل كيفما يشاء .
لا غرو فقد كان الغافقي حازماً صارماً ، تقياً نقياً .. حكيماً مقداماً ...


***


بادر عبد الرحمن الغافقي منذ أسندت إليه إمارة الأندلس ، يعمل على استعادة ثقة الجند بأنفسهم ...
واسترداد شعورهم بالعزة ، والقوة والغَلَبِ .
وتحقيق الهدف الكبير الذي طمح إليه قادة المسلمين في الأندلس .
ابتداء من موسى بن نصير [فاتح المغرب الأقصى والأندلس] ..
وانتهاءً بالسمح بن مالك الخولاني .
فلقد انعقدت همم هؤلاء الأبطال على الانطلاق من فرنسا إلى إيطاليا و ألمانيا .
والإفضاء منهما إلى القسطنطينية .
وجعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية ، وتسميته ببحر الشام ..
بدلاً من بحر الروم ...


* * *


لكنَّ عبد الرحمن الغافقي كان يوقن بأنَّ الإعداد للمعارك الكبرى إنما يبدأ بإصلاح النفوس .. وتزكيتها ....
ويعتقد أنه ما من أمةٍ تستطيع أن تحقق غاياتِها في النصر إذا كانت حُصُونُها مصدَّعة .. مهددة من الداخل ...
لذلك هبَّ يطوف بلاد الأندلس بلداً إثر بلد ، ويأمر المنادين أن ينادوا في الناس :-
من كانت له مظلمةٌ عند والٍ من الولاة .. أو قاضٍ من القضاة .. أو أحد من الناس فليرفعها إلى الأمير .
وأنَّه لا فرق في ذلك بين المسلمين وغيرِهم من المعاهدين .
ثمَّ طفق ينظر في المظالم مظلمةً مظلمةًَ .
فيقتص للضعيف من القويّ .... ويأخذ للمظلوم من الظالم .
ثم يجعل يحقق في أمر الكنائس المُغتَصَبَة ، والمستحدثة .
فَيَرُدُ ما قضت به العهود إلى أصحابه ...
ويَهدم ما بُنِيَ منها بالرِّشوة ...
ثم نظر في أمر عماله واحداً واحداً ....
فعَزَلَ من ثبتت لديه خيانتُهُ وانحرافُُهُ ...
وولّى مكانه من استوثق من حِكْمَتِهِ ، وحنكته وصلاحه .
وكان كلما أمَّ بلداً من البلدان دعا الناس إلى صلاة جامعة ، ثُم وقف فيهم خطيباً ، وانطلق يَحُضُّهم على الجهاد ...
ويُرَغِبهم في الاستشهاد ...
ويُمنيهم برضوان الله ، والفوز بثوابه .
وقد قرن عبد الرحمن القول بالفعل ، ودعَّم الآمال بالأعمال .
فطفق منذ اللحظة الأولى لولايته ، يعد العتاد ، ويستكمل السلاح .
ويُرمِّم المعاقل ، ويبني الحصون .
ويشيد الجسور ، ويُقيم القناطر ...
وكان من أعظم ما بناه قنطره ( قرطبة ) عاصمة الأندلس .
وقد شادها على نهر ( قرطبة ) العظيم ، ليعبر عليها الناس والجند ...
وتَقي البلاد ، وتصون العباد من شر الفيضان .
وتُعَدُّ هذه القنطرة من أعاجيب الدنيا .
فقد بلغ طولها ثمانِمِائة باع ...
وارتفاعها ستين باعاً ....
وعرضها عشرين ...
وبلغ عدد حناياها [أقواسها]ثماني عشرة حنيَّة ...
وعدد أبراجها تسعة عشر بُرجاً ...
وهي ما تزال قائمة تنعم بها إسبانيا حتى يومنا هذا ...


* * *


وقد دأب عبد الرحمن الغافقي على الاجتماع بقادة الجند ووجوه القوم في كل بلد يَحُلُّه .
وكان يُنصت بجوارحه إلى كل ما يقولون ...
ويُدون جميع ما يقترحون ...
ويتملَّى من سائر ما ينصحون .
وقد أخذ نفسه في هذه المجالس بأن يسمع كثيراً ، وأن يتكلم قليلاً .
وكما كان يلتقي الغافقي بأعيان المسلمين ...
فقد كان يجتمع مع كبار أهل الذمة من المعاهدين .
وكثيراً ما كان يُسائلهم عما خفِيَ عليه من أمور بلادهم ، وما يشغل باله من أحوال ملوكهم وقَوَّادِهِم ..


* * *


وفي ذات مرة استدعى أحد كبار المعاهدين من أبناء فرنسا ، وأدار معه حديثاً متشعباً ثم قال له :-
ما بال ملككم الأكبر "شارل" لا يتصدى لِحربنا ...
ولا ينصر ملوك المقاطعات علينا ؟!.
فقال : أيها الأمير ...
إنكم وفيتم لنا بما عاهدتمونا عليه ، فمن حقكم علينا أن نصدقُكُم القول فيما تسألوننا عنه ...
إن قائدكم الكبير موسى بن نصير قد أحكم قبضته على إسبانيا كلها ، ثم
طَمَحَت همّته لأن يجتاز جبال ( البِرنِيه ) التي تفصل بين ديار الأندلس
وبلادنا الجميلة .
فَجَفَلَ ملوك المقاطعات وقسسها إلى ملكنا الأعظم ، وقالوا له :
ما هذا الخزي الذي لصق بنا وبحفدتنا أبد الدهر أيُّها الملك ؟!.
فلقد كنا نسمع بالمسلمين سماعاً ...
ونخاف وثبتهم علينا من جهة مشرق الشمس ، وها هم أُولاء قد جاءُونا الآن من مغربها ...
فاستولوا على إسبانيا كلِّها ، وامتلكوا ما فيها من العُدَّة والعتاد ، واعتلوا قمم الجبال التي تفصل بيننا وبينهم .
مع أن عددهم قليل ...
وسلاحهم هزيل ...
وأكثرهم لا يمتلك دِرعاً تقيه ضربات السيوف ، أو جواداً يمتطيه إلى ساحات القتال .
فقال لهم الملك :
لقد فكرت فيما عنَّ على بالكم كثيراً ...
وأمعنت النظر فيه طويلاً .
فرأيت ألا نتعرض لهؤلاء القوم في وثبتهم هذه ، فإنهم الآن كالسيل الجارف
يقتلع كل ما يعترض طريقه ، ويحتمله معه ، ويُلقى به حيث يشاء .
ووجدت أنهم قوم لهم عقيدة ونية ، تُغنيان عن كثرة العدد ، ووفرة العُدَدِ ...
ولهم إيمان ، وصدق ، يقومان مقام الدروع ، والخيول ...
ولكن أمهلوهم حتى تمتلي أيديهم من الغنائم ..
ويتخذوا لأنفسهم الدُّور والقصور ...
ويستكثروا من الإماء والخدم ...
ويتنافسوا فيما بينهم على الرئاسة ...
فعند ذلك تتمكنون منهم بأيسر السبل ، وأقل الجهد .

فأطرق عبد الرحمن إطراقة حزينة ، وتنهَّد تنهَّداً عميقاً ، وفضَّ المجلس وقال :
حي على الصلاة ، فقد اقترب وقتها .


* * *


لبث عبد الرحمن الغافقي عامين كاملين يُعِدُ العُدةَ للغزو الكبير ...
فكتَّبَ الكتائب ، وعبَّأ الجنود ...
وشَحَذَ الهمم ، وعَمَّرَ القلوب ...
واستنجد بأمير إفريقية فأمدَّهُ بنخبة من الجند ، يتلظَّون شوقاً إلى الجهاد ...
ويتحرَّقون لهفةً على الاستشهاد ...
ثم أرسل إلى عثمان بن أبي نُسْعَةَ أمير الثغور بأن يُشاغِل الثغور بغاراته إلى أنْ يقْدَم عليه هو بجمهرة الجيش .
لكنَّ عثمان هذا كان ينضوي على ضغينة لكل أمير بعيد الهمَّة عظيم الطموح ،
يُقْدِمُ على عمل كبير يَرْفَع ذكره في الأنام ، ويُخمل غيره من الولاة
والعمَّال .
أضف إلى ذلك أنَّه قد ظفر في أحدى غاراته السابقة على فرنسا بابْنَة ( دوق أوكتانية ) وتدعى ( مينينَ ) .
وكانت ( مينينُ ) هذه فتاةً ريَّانة الشباب ، بارعة الجمال .
قد جمعت إلى فتنة الحُسْن عِزَّة الملك ...
ومَزجت بين رونق الصِّبا ودلال بنات القصور .
فشغفت فؤاده حُبْاً ، وهام بها وجداً ، وحَظيَتْ عنده كما لم تحظ زوجة .
وقد زينت له أن يُهادن أباها ، فعقد معه معاهدة .. أمَّنهُ فيها من غارات
المسلمين على مقاطعته التي كانت تُتَاخم الثغور الأندلسية .
فلما جاءه أمر عبد الرحمن الغافقي بالزحف على بلاد حَمِيهِ ( دوق أوكتانية ) سُقِطَ في يده ...
وبات حَيْران لا يدري ماذا يفعل ؟.
لكنَّه ما لبث فكتب إلى الأمير الغافقي يُراجعه فيما أمره به ، ويقول له :-
إنه لا يستطيع أن يَخْفِرَ عهد ( دوق أوكتانية ) قبل انقضاء أجله ...
فاستشاط عبد الرحمن الغافقي منه غضباً ...
وبعث إليه يقول :
إنَّ العهد الذي قطعته للفرنجة دون عهد أميرك لا يُلْزِمُهُ ، ولا يُلزم جيوش المسلمين بشيء .
وإن عليك أن تبادر إلى إنفاذ ما أمرتك به دون تردد أو تلكؤ .....
فلما يئس ابن أبي نُسْعَة من حمل الأمير على الإقلاع عن عزمه ، بعث إلى حميه رسولاً يُخْبِرَهُ بما جرى .
ويدعوه لأن يأخذ حِذره ....


* * *


لكنَّ عيون عبد الرحمن الغافقي كانت ترصد حركات ابن أبي نُسْعَة وسكناته .... فنقلت إلى الأمير أخبار اتصاله مع العدو .
فبادر الغافقي وجهّز كتيبة اختار رجالها من ذَوِي الشِّدَة والبأس ....
وعقد لوائها لمُجاهد من الكُمَاة المجرَّبين ..
وأمره بأن يأتي بعثمان بن أبي نُسْعَة حياً أو ميتاً .
باغتت الكتيبة ابن أبي نُسْعَة وأوشكت أن تظفر به لولا أنَّه نَذِرَ بها[وقف على أمرها وعلِمه] في آخر لحظة ..
ففرَّ إلى الجبال يصحبه عدَدٌ من رجاله ...
ومعه زوجته الحسناء ( مينين ) التي كان لا يفارقها أبداً ولا يرى الدنيا إلى بها .
فَمَضَت الكتيبة في إثره ، وأحاطت به وبمن معه .
فدافع عن نفسه وعن زوجته دِفاع الأسد عن شِبلهِ ...
وظلَّ يناضل دُونها حتَّى سَقَطَ قتيلاً ...
وفي جسمه ما لا يحصى من ضربات السيوف ، وطعنات الرِّماح .....
فاحتَزَّ الجنود رأسه ، وحملوه مع الأميرة الحسناء إلى عبد الرحمن الغافقي .
فلمَّا صارت بين يديه ورأى جمالها الباهر ، غَضَّ من طرْفِهِ ....
وأشاح عنها بوجهِهِ ...
ثم أرسلها هدية إلى دار الخلافة ...
فانتهت حياة الأميرة الفرنسية الحسناء في حرم الخليفة الأمويِّ في دمشق .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(المعتمد بن عباد).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:47

"المعتمد بن عباد" ملك أشبيلية، كانت فيه أخلاق الملوك وكان له سمت الملوك
وطريقتهم وهيبتهم. كان ممدحاً كريماً، وكان شاعراً حكيماً أديباً، وكان
ينتمي إلى أصل عربي عريق إذ كان من نسل المنذر بن ماء السماء؛ اسمه محمد
بن إسماعيل بن عباد، وجده عباد قاضي أشبيلية، ثم قوي نفوذه حتى صار ملكها.

ثم جاء بعده ابنه المعتضد وتلاه حفيد المعتضد الذي نحن بصدد سيرته، فكان
فارساً معلماً شجاعاً، وعالماً أديباً محسناً جواداً كبير الشأن وكان أفضل
ملوك بني عباد الذين حكموا أشبيلية. ذكره ابن خلقان فقال: كان أندى الملوك
راحة وأرحبهم ساحة. وكان بابه محط الرجال وكعبة الآمال. وله شعر غاية من
الحكمة والرصانة والجمال.

وقال عنه الشاعر ابن اللبانة: ملك المعتمد من الحصون مائتي حصن وولد له
مئة ولد وثلاثة وثلاثة وسبعون ولداً، وكان لمطبخه في اليوم ثمانية قناطير
من اللحم أي قرابة ثلاثمئة وخمسين كليو جراما.

وقد عاش ابن عباد في أيام ملوك الطوائف وهم ملوك تقاسموا الدولة الأموية
في الأندلس وحكم كل واحد منهم جزءاً أو دويلة حتى بلغ مجموع تلك الدويلات
إحدى وعشرين دولة، لكل دولة منها عرش وملك وجيش ضعيف وكان يعيش بين تلك
الدول ملك نصراني متعصب شديد العداوة للإسلام وكان خبيثاً نهازاً للفرص
إذا رأى خلافاً بين ملكين من ملوك الطوائف غذاه بالدسائس حتى أوقع العداوة
بين كثير منهم، ولما رأى ضعفهم وتفرقهم فرض على كل واحد منهم جزية يؤديها
للدولة المسيحية.

وكان من ضمن من أدوا له الجزية المعتمد بن عباد ملك أشبيلية ولما رأي
ذلك الملك النصراني أن ملوك المسلمين يظهرون له خضوعاً وتذللاً هجم على
طليطلة فاجتاحها واحتلها رغم أنف صاحبها القادر بن ذي النون، ثم أراد أن
يهين المعتمد بن عباد فأرسل له رسولاً ومعه خمسمئة فارس يحمل رسالة تهديد
من الفونسو بأن على المعتمد أن يتنازل عن حصون معينة وأن الجزية وحدها لا
تكفي وحشد الرسالة بالتهديد الوقح فثارت في المعتمد شهامة الإسلام وجمع
العلماء فاتفقوا على الاستنجاد بزعيم المرابطين "يوسف بن تاشفين" في
الشمال الأفريقي وتم القرار في الحال، فأمر المعتمد بقتل الفرسان النصارى
جميعاً وضرب الرسول وبصق في وجهه فعاد كاسفاً ذليلاً، وفي الحال أصدر بن
تاشفين نداء بالجهاد فتسابق شباب المسلمين إلى ساحة الشرف وأقبل المطوعون
من أرجاء البلاد حتى ازدحمت البلاد بالمجاهدين المسلمين، وأقبل الفونسو في
أربعين ألف جندي وكتب إلى أمير المسلمين ابن تاشفين يتهدده فكتب له على
ظهر خطابه (جوابك هو ما سوف ترى) ثم التقى الجمعان في مكان قريب من
بطليموس على حدود البرتغال في سهل واسع من الأرض يقال له الزلاقة.

وبالمناسبة فقد كان العالم الذي اتخذ القرار الحاسم بدعوة المرابطين إلى
الأندلس هو الشيخ القاضي "عبدالله بن محمد بن أدهم" رحمه الله، فهو الذي
اتصل بزعيم المرابطين واستصرخه لإنقاذ المسلمات من أسر ذلك المعتدي، وكانت
استجابة ابن تاشفين سريعة مذهلة، فقد أقبل في قرابة مئة سفينة ونيف وعشرين
ألف جندي واندفع إلى الزلاقة فوجد المعتمد بن عباد قد سبقه وقضى ليلة
كاملة يهاجم وتنهشه الجراح وفي اللحظة المناسبة وصل المرابطون وقائدهم إلى
قلب المعركة وتكامل عدد الكفار خمسين ألفاً وأرسل الفونسو إلى ابن عباد
يقول له: اليوم الجمعة وهو عطلتكم، وغداً السبت وهو يوم اليهود واليهود
موظوفون عندي، وبعده الأحد وهو يومنا فيكون ملتقانا الاثنين.

قالها وهو ينوي الغدر والإيقاع بالمسلمين يوم الجمعة؛ لكن الملك
المعتمد أدرك الحيلة فلما هجم الغدار وجد المعتمد يقظاً مستعداً فقامت
معركة يشيب لهولها الولدان وأبلى المعتمد بلاْ عظيماً ووصل ابن تاشفين في
أصعب المواقف فانقض على الجيش الغادر كالصاعقة وشُده النصارى وزلزلوا
زلزالا شديداً وأخذتهم سيوف المعتمد من خلفهم وسيوف ابن تاشفين من بين
أيديهم ووضع فيهم السيف فلم يفلت منهم أحد وهرب القائد النصراني في بضعة
رجال وكانت الواقعة في يوم الجمعة الأولى من شهر رمضان حيث قتل جميع الجيش
النصراني فلم يعد منهم سوى ثلاثمائة رجل (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ
كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ
الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا)

وكان أمير المسلمين ابن تاشفين في أول الأمر يحترم المعتمد بن عباد ويقول
هو ضيفنا، ولكن نفراً من المغرضين أوقعوا بين المعتمد وابن تاشفين ووشوا
إلى ابن تاشفين أن المعتمد يميل إلى الترف ولم يزالوا بابن تاشفين حتى
أوغروا صدره على المعتمد فتنكر للصداقة والحلف وأمر بقتل ولدي المعتمد ثم
قامت معركة عنيفة بين أهالي أشبيلية وبين البربر انتصر فيها المعتمد أول
الأمر لكن الدائرة دارت عليه فأسره جيش ابن تاشفين بعد أن أبلى في الدفاع
عن مملكته أعظم البلاء، ونزل المعركة بدون شيء يصد عنه وقع السهام سوى
قميص أبيض وقد رماه أحد الجنود البربر بحربة فتظاهر أنه أصيب ثم انقض على
الرجل فطوح به وقتله وقد قال في تلك المعركة أبياتاً حين دعاه أحد
المشفقين عليه إلى الخضوع والمصالحة فقال:

قالوا الخضوع سياسة

فليبد منك لهم خضوع

وألذ من طعم الخضوع

على فمي السم النقيع

قد رمت يوم قتالهم

ألا تحصنني الدروع

وبرزت ليس سوى القميص

عن الحشاشي دفوع

أجلي تأخر لم يكن

بهواي ذلي والخشوع

ما سرت قط إلى القتال

وكان من أملي رجوع

شيم الأولى أنا منهمو

والأصل تتبعه الفروع

وقد انتهى أمر المعتمد رحمه الله أن وقع في قبضة ابن تاشفين فحبسه في سجن
أغمات في تونس فقيراً مجرداً من ماله، وأظله عيد وهو في السجن فقدم إليه
نفر بناته فرأين سوء حاله في السجن والقيد، فقال رحمه الله يصف هذا المشهد
الذي يقطع نياط القلوب:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا

فجاءك العيد في أغمات مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعة

يغزلن للناس ما يملكن قطميرا

برزن نحوك للتسليم خاشعة

أبصارهن حسيرات مكاسيرا

يطأن في التراب والأقدام حافية

كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا

من بات بعدك في ملك يسر به

فإنما بات الأحلام مغرورا

وقد زاره في السجن شاعر ممن كانوا يمدحونه أيام ملكه وألقى على مسامعه
قصيدة في مدحه فبحث عن مكافأة يقدمها له فلم يجد سوى عشرين دينارا فأرفقها
بأبيات اعتذار وقدمها للشاعر واسمه ابن اللبانة، لكن الشاعر ردها تقديرا
لظروفه وكان مما ورد في أبيات القصيدة:

بكى آل عباد ولا كمحمد

وأبنائه صوب الغمامة إذ همى

صاحبهمو كنا به نحمد السرى

فلما عدمناهم سرينا على عمى

وكنا رعينا العز حول حماهم

فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى

كأن لم يكن فيها أنيس ولا التقى

بها الوفد جمعاً والخميس عرمرما

تضيق عليَّ الأرض حتى كأنني

خلقت وإياها سواراً ومعصما

بكاك الحيا والريح شقت جيوبها

عليك وناح الرعد باسمك معلما

سينجيك من نجىّ من الجب يوسفا

ويؤويك من آوى المسيح ابن مريما

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(صهيب بن سنان).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:48

صهيب بن سنان

في خامس شخصية تجاهلها التاريخ نتكلم عن صحابي جليل
لا اريد ان احرق عليكم الموضوع فأترككم مع سيرة
هذا الصحابي الجليل


ولد في أحضان النعيم..
فقد اكن أبوه حاكم الأبلّة ووليا عليها لكسرى.. وكان من العرب الذين نزحوا
الى العراق قبل الاسلام بعهد طويل، وفي قصره القائم على شاطئ الفرات، مما
يلي الجزيرة والموصل، عاش الطفل ناعما سعيدا..

وذات يوم تعرضت البلاد لهجوم الروم.. وأسر المغيرون أعدادا كثيرة وسبوا ذلك الغلام " صهيب بن سنان"..

ويقتنصه تجار الرقيق، وينتهي طوافه الى مكة، حيث بيع لعبد الله بن جدعان،
بعد أن قضى طفولته وشبابه في بلاد الروم، حتى أخذ لسانهم ولهجتهم.

ويعجب سيده بذكائه ونشاطه واخلاصه، فيعتقه ويحرره، ويهيء له فرصة الاتجار معه.
وذات يوم.. ولندع صديقع عمار بن ياسر يحدثنا عن ذلك اليوم:

" لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها..

فقلت له: ماذا تريد..؟

فأجابني وما تريد أنت..؟

قلت له: أريد أن أدخل على محمد، فأسمع ما يقول.

قال: وأنا اريد ذلك..

فدخلنا على الرسول صلى الله عليه وسلم، فعرض علينا الاسلام فأسلمنا.

ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا..

ثم خرجنا ونحن مستخفيان".!!

عرف صهيب طريقع اذن الى دار الأرقم..

عرف طريقه الى الهدى والنور، وأيضا الى التضحية الشاقة والفداء العظيم..

فعبور الباب الخشبي الذي كان يفصل داخل دار الأرقم عن خارجها لم يكن يعني مجرّد تخطي عتبة.. بل كان يعني تخطي حدود عالم بأسره..!

عالم قديم بكل ما يمثله من دين وخلق، ونظام وحياة..

وتخطي عتبة دار الأرقم، التي لم يكن عرضها ليزيد عن قدم واحدة كان يعني في حقيقة الأمر وواقعه عبور خضمّ من الأهوال، واسع، وعريض..

واقتحام تلك العتبة، كان ايذانا بعهد زاخر بالمسؤليات الجسام..!

وبالنسبة للفقراء، والغرباء، والرقيق، كان اقتحام عقبة دار الأرقم يعني تضحية تفوق كل مألوف من طاقات البشر.

وان صاحبنا صهيبا لرجل غريب.. وصديقه الذي لقيه على باب الدار، عمّار بن
ياسر رجل فقير.. فما بالهما يستقبلان الهول ويشمّران سواعدهما لملاقاته..؟؟

انه نداء الايمان الذي لا يقاوم..

وانها شمائل محمد عليه الصلاة والسلام، الذي يملؤ عبيرها أفئدة الأبرار هدى وحبا..

وانها روعة الجديد المشرق. تبهر عقولا سئمت عفونة القديم، وضلاله وافلاسه..

وانها قبل هذا كله رحمة الله يصيب بها من يشاء.. وهداه يهدي اليه من ينيب...

أخذ صهيب مكانه في قافلة المؤمنين..

وأخذ مكانا فسيحا وعاليا بين صفوف المضطهدين والمعذبين..!!

ومكانا عاليا كذلك بين صفوف الباذلين والمفتدين..

وانه ليتحدث صادقا عن ولائه العظيم لمسؤولياته كمسلم بايع الرسول، وسار تحت راية الاسلام فيقول:

" لم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا قط الا كنت حاضره..

ولم يبايع بيعة قط الا كنت حاضرها..

ولا يسر سرية قط. الا كنت حاضرها..

ولا غزا غزاة قط، أوّل الزمان وآخره، الا منت فيها عن يمينه أ، شماله..

وما خاف المسلمون أمامهم قط، الا كنت أمامهم..

ولا خافوا وراءهم الا كنت وراءهم..

وما جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين االعدوّ أبدا حتى لقي ربه"..!!

هذه صورة باهرة، لايمان فذ وولاء عظيم..

ولقد كان صهيب رضي الله عنه وعن اخوانه أجمعين، أهلا لهذا الايمان المتفوق
من أول يوم استقبل فيه نور الله، ووضع يمينه في يكين الرسول..

يومئذ أخذت علاقاته بالناس، وبالدنيا، بل وبنفسه، طابعا جديدا. يومئذ.
امتشق نفسا صلبة، زاهدة متفانية. وراح يستقبل بها الأحداث فيطوّعها.
والأهوال فيروّعها.

ولقد مضى يواجه تبعاته في اقدام وجسور.ز فلا يتخلف عن مشهد ولا عن خطر..
منصرفا ولعه وشغفه عن الغنائم الى المغارم.. وعن شهوة الحياة، الى عشق
الخطر وحب الموت..

ولقد افتتح أيام نضاله النبيل وولائه الجليل بيوم هجرته، ففي ذلك اليوم
تخلى عن كل ثروته وجميع ذهبه الذي أفاءته عليه تجارته الرابحة خلال سنوات
كثيرة قضاها في مكة.. تخلى عن كل هذه الثروة وهي كل ما يملك في لحظة لم
يشب جلالها تردد ولا نكوص.

فعندما همّ الرسول بالهجرة، علم صهيب بها، وكان المفروض أن يكون ثالث ثلاثة، هم الرسول.. وأبو بكر.. وصهيب..

بيد أن القرشيين كانوا قد بيتوا أمرهم لمنع هجرة الرسول..

ووقع صهيب في بعض فخاخهم، فعوّق عن الهجرة بعض الوقت بينما كان الرسول وصاحبه قد اتخذا سبيلهما على بركة الله..

وحاور صهيب وداور، حتى استطاع أن يفلت من شانئيه، وامتطى ظهر ناقته، وانطلق بها الصحراء وثبا..

بيد أن قريشا أرسلت في أثره قناصتها فأدركوهخ.. ولم يكد صهيب يراهم ويواجههم من قريب حتى صاح فيهم قائلا:

" يا معشر قريش..

لقد علمتم أني من أرماكم رجلا.. وأيم والله لا تصلون اليّ حتى ارمي كبل
سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي حتى لا يبقى في يدي منه شيء، فأقدموا
ان شئتم..

وان شئتم دللتكم على مالي، وتتركوني وشاني"..

ولقد استاموا لأنفسهم، وقبلوا أن يأخذوا ماله قائلين له:

أتيتنا صعلوكا فقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت، والآن تنطلق بنفسك وبمالك..؟؟

فدلهم على المكان الذي خبأ فيه ثروته، وتركوه وشأنه، وقفلوا الى مكة راجعين..

والعجب أنهم صدقوا قوله في غير شك، وفي غير حذر، فلم يسألوه بيّنة.. بل
ولم يستحلفوه على صدقه..!! وهذا موقف يضفي على صهيب كثيرا من العظمة
يستحقها كونه صادق وأمين..!!

واستأنف صهيب هجرته وحيدا سعيدا، حتى أردك الرسول صلى الله عليه وسلم في قباء..

كان الرسول حالسا وحوله بعض أصحابه حين أهل عليهم صهيب ولم يكد يراه الرسول حتى ناداه متهلاا:

" ربح البيع أبا يحيى..!!

ربح البيع أبا يحيى..!!

وآنئذ نزلت الآية الكريمة:

( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد)..

أجل لقد اشترى صهيب نفسه المؤمنة ابتغاء مرضات الله بكل ثروته التي أنفق شبابه في جمعها، ولم يحس قط أنه المغبون..

فمال المال، وما الذهب وما الدنيا كلها، اذا بقي له ايمانه، واذا بقيت لضميره سيادته.. ولمصيره ارادته..؟؟

كان الرسول يحبه كثيرا.. وكان صهيب الى جانب ورعه وتقواه، خفيف الروح، حاضر النكتة..

رآه الرسول يأكل رطبا، وكان باحدى عينيه رمد..

فقال له الرسول ضاحكا:" أتأكل الرطب وفي عينيك رمد"..؟

فأجاب قائلا:" وأي بأس..؟ اني آكله بعيني الآخرى"..!!

وكان جوّادا معطاء.. ينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله، يعين
محتاجا.. يغيث مكروبا.." ويطعم الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا".

حتى لقد أثار سخاؤه المفرط انتباه عمر فقال له: أراك تطعم كثيرا حتى انك لتسرف..؟

فأجابه صهيب لقد سمعت رسول الله يقول:

" خياركم من أطعم الطعام".

**

ولئن كانت حياة صهيب مترعة بالمزايا والعظائم، فان اختيار عمر بن الخطاب اياه ليؤم المسلمين في الصلاة مزية تملأ حياته ألفة وعظمة..

فعندما اعتدي على أمير المؤمنين وهو يصلي بالمسلمين صلاة الفجر..

وعندما احس نهاية الأجل، فراح يلقي على اصحابه وصيته وكلماته الأخيرة قال:

" وليصلّ بالناس صهيب"..

لقد اختار عمر يومئذ ستة من الصحابة، ووكل اليهم أمر الخليفة الجديد..

وخليفة المسلمين هو الذي يؤمهم في الصلاة، ففي الأيام الشاغرة بين وفاة
أمير المؤمنين، واختيار الخليفة الجديد، من يؤم المسلمين في الصلاة..؟

ان عمر وخاصة في تلك الللحظات التي تأخذ فيها روحه الطاهرة طريقها الى
الله ليستأني ألف مرة قبل أن يختار.. فاذا اختار، فلا أحد هناك أوفر حظا
ممن يقع عليه الاختيار..

ولقد اختار عمر صهيبا..

اختاره ليكون امام المسلمين في الصلاة حتى ينهض الخليفة الجديد.. بأعباء مهمته..

اختاره وهو يعلم أن في لسانه عجمة، فكان هذا الاختيار من تمام نعمة الله على عبده الصالح صهيب بن سنان

نقلا عن المرجع الشامل

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(ام سليم الانصارية).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:53

اسمها ونسبها:

أم سليم اشتهرت بكنيتها واختلف في اسمها فقيل سهلة وقيل رميلة وقيل مليكة كما أنها وصفت بأوصاف كثيرة منها الغميصاء أو الرميصاء .

وهي أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصارية اشتهرت بكنيتها.

نبذة يسيرة عن قبيلة أم سليم رضي الله عنها:

وهي كما تقدم من الأنصار التي آوت رسول الله صلى الله عليه وسلم
والمهاجرين من المؤمنين، وتكونت اللبنة الأولى للدعوة الإسلامية في ربوع
بلدهم (المدينة) وقد تنزلت في شأنهم آيات من كتاب الله، فهم والمهاجرون هم
السابقون الأولون.

وهم الذين عناهم الله بقوله جل ثناؤه ((والذين تبوءوا الدار والإيمان من
قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون
على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)) سورة الحشر آية 9 .

وكانوا هم الغالبية العظمى في غزوة بدر وأحد، وبيعة الرضوان وغير ذلك من المشاهد المتميزة في الإسلام.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدر لهم تلك المواقف، ومن أقواله
المحفوظة عنه في الأنصار قوله صلى الله عليه وسلم : " الناس شعار،
والأنصار دثار" وقال صلى الله عليه وسلم : " أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي
وعيبتي ، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم،
وتجاوزوا عن مسيئهم .

وقال صلى الله عليه وسلم : " الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا
منافق فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله .بل يكفيهم فخرا أن
النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه لولا الهجرة لكان امرءا من الأنصار لما
لهم من مكانة في قلبه صلى الله عليه وسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم
مبينا مكانتهم: " لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا لسلكت في وادي
الأنصار ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار" فقال أبو هريرة راوي الحديث:
ما ظلم بأبي وأمي آووه ونصروه أو كلمة أخرى .

فمناقب الأنصار رضي الله عنهم وثناؤهم في كتاب الله وسنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم كثيرة جدا يصعب على المرء حصرها، وإيواؤهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم والمهاجرين في دارهم منقبة لم يشاركهم فيها أحد، ودورهم في
الدعوة وتضحيتهم بالمال والنفس في سبيلها غير خاف على أحد، فرحم الله
الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء ا لأنصار.

الموقف الأول: أم سليم الأنصارية والزواج:

لقد أولى الإسلام الزواج اهتما خاصا لما فيه من أثر عظيم في تكوين اللبنة
الأولى للمجتمع، فإذا صلحت تلك اللبنة صلح المجتمع فمن أجل ذلك حث الإسلام
على أن يختار كل طرف الآخر على أساس من الدين فقال صلى الله عليه وسلم
مخاطبا الأزواج: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" .

وفي المقابل حث أولياء أمور النساء على قبول من تقدم إليهم بالزواج
منهن إذا كان من أهل الاستقامة فقال صلى الله عليه وسلم : " إذا أتاكم من
ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض .

فإذا كان الأمر كذلك فتعالوا ننظر إلى أم سليم الأنصارية رضي الله عنها كيف كان زواجها في الجاهلية والإسلام.

عاشت في بداية حياتها كغيرها من الفتيات في الجاهلية قبل مجيء الإسلام
فتزوجت مالك بن النضر، فلما جاء الله بالإسلام، وظهرت شمسه في الأفق
واستجابت وفود من الأنصار أسلمت مع السابقين إلى الإسلام وعرضت الإسلام
على زوجها مالك بن النضر، فغضب عليها، وكان قد عشش الشيطان في رأسه، فلم
يقبل هدى الله، ولم يستطع أن يقاوم الدعوة لأن المدينة صارت دار إسلام
فخرج إلى الشام فهلك هناك والذي يظهر لي أن زوجها لم يخرج إلى الشام تاركا
وراءه زوجته وابنه الوحيد إلا بعد أن يئس أن يثني أم سليم عن الإسلام فصار
هذا أول موقف يسجل لأم سليم رضى الله عنها وأرضاها لأننا نعلم حجم تأثير
الزوج في زوجته وأولاده، فاختيار أم سليم الأنصارية الإسلام على زوجها في
ذلك الوقت المبكر ينبيء عن عزيمة أكيدة، وإيمان راسخ في وقت كان الاعتماد
في تدبير البيت والمعاش وغير ذلك من أمور الحياة على الرجل، ولم تكن
المرأة قبيل مجيء الإسلام تساوي شيئا، فكونها أخذت هذا القرار من الانفصال
بسبب الإسلام عن زوجها الذي في نظرها يعتبر كل شيء في ذلك الوقت فيه دلالة
على ما تمتاز به هذه المرأة المسلمة من الثبات على المبدأ مهما كلفها من
متاعب.

زواجها في الإسلام :

أما زواجها في الإسلام فذاك هو العجب بعينه ولم يتكرر في التاريخ مثله فعن
أنس رضي الله عنه قال: " خطب أبو طلحة أم سليم قبل أن يسلم فقالت: أما إني
فيك لراغبة، وما مثلك يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم
فذاك مهري، لا أسأل غيره، فأسلم وتزوجها أبو طلحة .

وفي رواية عند الحاكم أن أبا طلحة خطب أم سليم يعني قبل أن يسلم فقالت: يا
أبا طلحة الست تعلم أن إلهك الذي تعبد نبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان،
إن أنت أسلمت لا أريد من الصداق غيره، قال: حتى أنظر في أمري فذهب فجاء
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا رسول الله، فقالت: يا أنس زوج
أبا طلحة.

فانظر كيف أن أم سليم أرخصت نفسها في سبيل دينها ومبدئها وكيف أنها
استعملت الحكمة للوصول إلى هدفها، فهي من جهة بينت له ضلال ما هو عليه من
عبادة الأشجار والأوثان وذلك ما تستقبحه الطبائع السليمة ومن جهة ثانية
مدحته بما فيه من الخصال الطيبة وأثنت عليه بقولها (مثلك لا يرد) أي أن
فيك من صفات الرجولة والحسب والجاه ما يدعو للزواج منك لولا هذه الخصلة من
الكفر، ثم لم تقف عند هذا الحد بل رغبته في الزواج منها بأن أسقطت مهرها
مقابل إسلامه، فكانت بذلك أول امرأة جعلت مهرها إسلام زوجها فصارت سببا في
دخول أبي طلحة في الإسلام فحازت بذلك على الفضيلة التي وعد بها رسول الله-
صلى الله عليه وسلم بقوله: " فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك
من أن يكون لك حمر النعم ".

الموقف الثاني: أم سليم الأنصارية مع ابنها أنس بن مالك في تربيته:

حينما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانت الأنصار ومن كان فيها من
المهاجرين مشغولين باستقبال النبي صلى الله عليه وسلم فرحين مستبشرين
بمقدمه صلى الله عليه وسلم فجاء الجميع وهاجس كل واحد منهم أن يتشرف
برؤيته صلى الله عليه وسلم وتنافس الجميع في أن ينزل النبي صلى الله عليه
وسلم عنده ليتشرف بجواره، فصار ذلك نصيب أبي أيوب الأنصاري، فأقبلت
الأفواج على بيته لزيارته صلى الله عليه وسلم ، فخرجت أم سليم الأنصارية
من بين هذه الجموع، ومعها ابنها أنس رضي الله عنهما فقالت: يا رسول الله
هذا أنس يخدمك قال أنس رضي الله عنه: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر
سنين فما قال لي أف ولا لم صنعت ولا ألا صنعت. وكان أنس حينئذ ابن عشر
سنين فخدم النبي صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة حتى مات، فاشتهر أنس
بخادم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد يتبادر إلى ذهن بعض الناس أن أم سليم رضي الله عنها إنما فعلت ذلك
تخلصا من أنس لأنه رضي الله عنه كان من غير زوجها أبي طلحة الحالي، والزوج
غالبا ما يضيق ذرعا بأولاد زوجته من غيره، وحاشا أن يكون ذلك من أم سليم
بل إن ابنها كان في نظرها كل شيء لدليل أن أنسا رضي الله عنه كان يبيت
ويأكل من بيت أمه، وكان مع النبي- صلى الله عليه وسلم في الأوقات التي
يحتاج فيها إلى الخدمة.

وكانت أم سليم رضي الله عنها بفطنتها وذكائها ترمي من وراء ذلك تحقيق مقاصد شرعية عظيمة منها أن:

1- خدمة النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات التي يتقرب بها إلى
الله سبحانه وتعالى فأحبت أن يسعد بهذه الخدمة ابنها و فلذة كبدها، ومن ثم
لتنال هي وابنها أجرا عظيما عند الله سبحانه وتعالى.

2- أن يتربى ابنها أنسن في بيت النبوة ليتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه
وسلم ويهتدي بهديه صلى الله عليه وسلم ، وتلك غاية من أشرف الغايات لا
يتفطن إليها إلا أولوا الألباب.

3- أن يحوز أنس رضي الله عنه بسبب قربه من النبي صلى الله عليه وسلم أكبر
قدر من سنته صلى الله عليه وسلم متمثلة في أقواله وأفعاله، فكان لها ما
أرادت فصار أنس رضي الله عنه من الصحابة القلائل المكثرين لرواية الحديث.

ثم أرادت أم سليم أن تقدم لابنها أفضل جائزة تقدمها والدة لولدها، وذلك
حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أم سليم فلما انتهى من حاجته
وهم بالرجوع قالت له أم سليم رضي الله عنها: " يا رسول الله إن لي خويصة"
(تصغير خاصة) قال: " ما هي؟! قالت: خادمك رضي الله عنه (قال أنس) فما ترك
خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي (اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له (يقول
أنس!) فإني لمن أكثر الأنصار مالا، وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لي لصلبي
مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة .في رواية الجعد عند مسلم قال أنس:"
فدعا لي بثلاث دعوات قد رأيت منها اثنين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في
الآخرة .

فهذا القدر من أولاده هو الذي مات في حياته قبل ذلك التاريخ، وأما الذين
كانوا على قيد الحياة في ذلك الوقت فهم كما قال أنس: " وإن ولدي وولد ولدي
ليتعادون على نحو مائة، . أرأيتم كيف أن أم سليم رضي الله عنها اعتنت
بابنها اليتيم وأحاطته بكل عناية، وحرصت عليه كل الحرص على أن يحصل على
خير الدنيا والآخرة؟ فما أعظمها من أم وأحسنها من مربية رضي الله عنها
وأرضاها.

فإذا كان هذا بر أم سليم رضي الله عنها بابنها فما تظنون أن يكون بر أنس
رضي الله عنه بأمه، وذلك هو ما يفوق الخيال فكان رضي الله عنه همزة وصل
بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، ينقل إليها أقواله وأفعاله حتى
كأنها تشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل حين، وكان النبي صلى الله
عليه وسلم يقرب أم سليم بسبب ذلك، فكانت معدودة من أهله تمشي مع نسائه إلى
درجة أنه كان يدخل بيتها في غيابها وينام على فراشها كما سيأتي.

وكان لأم سليم رضي الله عنها أبناء آخرون من زوجها أبي طلحة، إنما اخترنا
أنسا رضي الله عنه لشهرته بخدمته النبي صلى الله عليه وسلم ولتميزه عن
أبنائها الأخرين لأنه من غير زوجها أبي طلحة؟ والأبناء إن كانوا من غير
الزوج الحالي عادة ما يلقون إهمالا، فإذا كان هذا حالها مع ابنها الذي هو
من غير زوجها الحالي فعنايتها بأبنائها من زوجها الحالي من باب أولى.

دليل ذلك ما رواه مسلم بسنده عن أنس رضي الله عه قال: كان لأم سليم- وهي
أم أنس- يتيمة فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليتيمة فقال:" أنت هيه
(بإسكان الياء والهاء هاء السكت) " لقد كبرت لا كبر سنك فرجعت اليتيمة إلى
أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: ما لك يا بنية؟ قالت الجارية: دعا علي نبي
الله أن لا يكبر سني، فالآن لا يكبر سني أبدا أو قالت: قرني فخرجت أم سليم
مستعجلة تلوث خمارها حتى لقيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم فقال لها:
"مالك يا أم سليم؟ " فقالت: يا نبي الله دعوت على يتيمتي قال: "وما ذاك يا
أم سليم" قالت: زعمت انك دعوت أنه لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها قال: فضحك
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: " يا أم سليم أما تعلمين أن شرطي
على ربي أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر،
وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عيه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن
يجعلها طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة" .

انظر كيف أن أم سليم رضي الله عنها اهتمت بأمر هذه البنت اليتيمة فما أن
سمعت قوله صلى الله عليه وسلم فيها حتى كادت أن تفقد وعيها من هول ما
أصابها جراء هذه الكلمة شفقة منها على هذه البنت اليتيمة، فتحركت في حينها
باحثة عن النبي صلى الله عليه وسلم لاستكشاف الموقف مع أن هذه اليتيمة
كانت في حجر أم سليم، و-لم تكن من أولادها لأنها لم تتزوج بعد زوجها الأول
إلا أبا طلحة وقد توفي بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبالتالي لا يتصور أن
يكون لها يتيمة، وإنما كانت تربيها ابتغاء مرضات الله.

الموقف الثالث: أم سليم الأنصارية والتسليم بقضاء الله وقدره

وهذا الموقف هو من أعجب المواقف التي سجلت لأم سليم رضي الله عنها أظهرت
فيه قوة وثباتا على تحمل المكاره والاستسلام لقضاء الله وقدره مع الرضا،
وهو موقف يتطلب من المرأة المسلمة أن تتدبره لتدرك كيف أن الإسلام يعلو
بالمرأة المسلمة - من الحضيض الذي كانت فيه أيام جاهليتها من شق الجيوب،
وضرب الخدود، والدعاء بالويل والثبور إذا حلت بها مصيبة من فقد عزيز من
ابن أو قريب- إلى أعلى مقامات الصبر والثبات والاحتساب في تحمل المصائب
مهما عظمت.

وقد مر بنا أن أم سليم رضي الله عنها تزوجت بعد زوجها الأول أبا طلحة
الأنصاري رضي الله عنه فولدت له ابنا، وهذا الابن هو أبو عمير الذي كان
النبي صلى الله عليه وسلم يمازحه ويقول له، يا أبا عمير ما فعل النغير .

وعند ابن حبان " فحملت (منه) فولدت غلاما صبيحا، فكان أبو طلحة يحبه
حبا شديدا، فعاش حتى تحرك فمرض، فحزن أبو طلحة عليه حزنا شديدا حتى تضعضع
(أي خضع وذل) وأبو طلحة يغدو ويروح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فراح
روحة فمات الصبي.

وإليك القصة كما عند البخاري قال أنس رضي الله عنه: "اشتكى ابن لأبي طلحة
فمات، وأبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه مات هيأت شيئا ونحته في جانب
البيت، فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: هدأت نفسه، وأرجو أن
يكون قد استراح، وظن أبو طلحة أنها صادقة قال: فبات فلما أصبح اغتسل، فلما
أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما كان منهما، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ( لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما " قال سفيان: قال رجل من
الأنصار فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قرأوا القران .

قال ابن حجر: وفي رواية سعيد بن منصور ومسدد وابن سعد والبيهقي في
الدلائل من طريق سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة قال: كانت أم أنس تحت
أبي طلحة، فذكر القصة شبيهة بسياق ثابت عن أنس رضي الله عنه وقال في آخره:
فولدت غلاما، قال عباية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبع بنين كلهم ختم القرآن .

وفي رواية لمسلم من حديث أنس رضي الله عنه " مات ابن لأبي طلحة من أم سليم
فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه قال: فجاء
فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب فقال: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع مثل ذلك
فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن
قوما أعاروا أهل بيت عارية فطلبوا عاريتهم الهم أن يمنعوهم؟

قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني .

هل قرأتم أو سمعتم في التاريخ امرأة توفى ابنها، وهو ما يزال في بيتها قبل
دفنه فلا يظهر منها أي جزع أو حزن فضلا عن البكاء والعويل ثم تقوم بخدمة
زوجها وتهيء نفسها له حتى يقضي وطره منها كأن لم يحدث شيء؟ وفوق ذلك كله
حاولت أن تخفف عن زوجها من هول صدمة الخبر قبل سماعه بقولها: " يا أبا
طلحة لو أن قوما أعاروا أهل بيت عارية فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم،
قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني

فجمعت في هذه الألفاظ القليلة بين حسن الاستهلال لما ترمي إليه من وجوب
التسليم لقضاء الله وقدره، وبين العزاء له بأسلوب رقيق مقنع ومع ذلك لم
يعجب هذا الصنيع زوجها فاشتكاها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره
بموت ابنه وما فعلته زوجته البارحة فما أن سمع رسول الله صلى الله عليه
وسلم قولته حتى قال: "أعرستم الليلة؟ قال: نعم، قال: اللهم بارك لهما في
ليلتهما . فكان ثمرة ذلك الصبر الفريد- من نوعه أن صار سببا لدعاء النبي
صلى الله عليه وسلم لهما بالبركة فيما حصل منهما في تلك الليلة، فاستجاب
الله لهما تلك الدعوة فحملت من ذلك اللقاء فجاءت بابن، وكان لهذا الابن
سبع بنين كلهم قرأوا القرآن أي حفظوه كما تقدم، إضافة إلى ما وعد الله
الصابرين يوم القيامة من أن يوفيهم أجرهم بغير حساب.

الموقف الرابع: أم سليم الأنصارية والفقه في دين الله

إن حرص المرء المسلم على التفقه في الدين والاجتهاد في طلب العلم ثم العمل
بما تعلم لفيه دلالة على أن الله أراد به خيرا كيف لا وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" .

وأم سليم رضي الله عنها من نساء الأنصار وهن من أحرص الناس على طلب العلم
والتفقه في دين الله قالت عائشة رضي الله عنها:" نعم النساء نساء الأنصار
لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين " .

وأم سليم الأنصارية مع كونها من نساء الأنصار المعروفات بالحرص على طلب
العلم كانت مميزة من بينهن مشهورة بذلك، وساعدها على ذلك قربها من النبي
صلى الله عليه وسلم دائما فكان صلى الله عليه وسلم كثير الزيارة لها، قال
أنس: " إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخل بيتا بالمدينة غير بيت أم
سليم إلا على أزواجه، فقيل له؟ فقال: " إني أرحمها قتل أخوها معي ".

بل كانت أم سليم معدودة في أهله صلى الله عليه وسلم لكثرة تواجدها مع
نسائه في سفره وإقامته قال أنس رضي الله عنه: أتى النبي صلى الله عليه
وسلم على بعض نسائه ومعهن أم سليم فقال:"ويحك يا أنجشة ، رويدك سوقا
بالقوارير ".

إضافة إلى ما سبق فابنها أنس بن مالك رضي الله عنه كان خادم رسول الله صلى
الله عليه وسلم ينقل إليها كل ما سمع من أقواله صلى الله عليه وسلم أو
شاهد من أفعاله، فصار بيتها بذلك بيت علم وقد ساعد كل ذلك أم سليم رضي
الله عنها أن تتصدر في هذا المجال.

ومن النماذج الدالة على حرصها في طلب العلم أن أم سليم و رضي الله عنها
جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: "إن الله لا
يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي- صلى الله
عليه وسلم : " إذا رأت الماء " فغطت أم سلمة- تعني وجهها- وقالت يا رسول
الله: وتحتلم المرأة؟ قال: " نعم تربت يمينك فبم يشبهها ولدها؟ ".

وفي رواية عند مسلم قالت عائشة رضي الله عنها:" يا أم سليم فضحت النساء
تربت يمينك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: " بل أنت تربت يمينك
نعم فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذلك " .

وفي رواية عند أبي داود في سننه في الطهارة: " إنما النساء شقائق الرجال ".

ولما أرادت أم سليم رضي الله عنها أن تسأل عن هذا الأمر الذي يصعب على
المرأة أن تبوح بمثله عند الرجال لا سيما عند النبي صلى الله عليه وسلم
الذي أعطي من المهابة ما لم يعط أحدا من الملوك مع تواضعه مهدت له بقولها:
" إن الله لا يستحي من الحق.. إلخ. وبهذا الجد والمثابرة وبذلك القرب من
النبي صلى الله عليه وسلم ورثت علما كثيرا عنه لا سيما فيما يتعلق بأمور
النساء مما جعلها محل أنظار أهل العلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .

ففي صحيح البخاري عن عكرمة أن أهل المدينة سألوا ابن عباس رضي الله عنهما
عن امرأة طافت ثم حاضت قال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد
رضي الله عنه قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا، فقدموا المدينة فكان فيمن
سألوا أم سليم فذكرت حديث صفية " أي قول النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة
عقرى حلقى إنك حابستنا أما كنت طفت يوم النحر؟ قالت: بلى، قال: فلا بأس
انفري " .

فسؤال ذلك الوفد أم سليم رضي الله عنها عن هذه المسألة التي وقع فيها
الخلاف بين الصحابة حين رجوعهم إلى المدينة، وفيها كثير من الصحابة، فيه
دلالة على أنها كانت ممن عرفن من النساء بالعلم في المدينة فرحم الله أم
سليم رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: تكملة شخصيات تجاهلها التاريخ(ام سليم الانصارية).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:54

الموقف الخامس: أم سليم الأنصارية وشدة حرصها على التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم:

والبركة في اللغة هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء . والمقصود به هنا " هو
طلب البركة من الزيادة في الخير والأجر وكل ما يحتاجه العبد في دينه
ودنياه بسبب ذات النبي صلى الله عليه وسلم بشرطين: أن تكون هذه البركة قد
ثبتت بسبب شرعي، وأن تكون الكيفية ثابتة عن المعصوم صلى الله عليه وسلم " .

وقد تقدم في الموقف الرابع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزورها كثيرا
ويدخل بيتها وينام على فراشها في غيابها وكانت حريصة كل الحرص على التبرك
به صلى الله عليه وسلم في طعامه وشرابه وعرقه وشعره كيف لا تكون كذلك؟ وقد
رأت بعينها معجزاته تظهر في طعامها مرات عديدة كما سيأتي.

فعن أنس رضي الله عنه: " أن أم سليم رضي الله عنها كانت تبسط للنبي صلى
الله عليه وسلم نطعا (بساط من الجلد) فيقيل عندها على ذلك النطع قال: فإذا
نام النبي صلى الله عليه وسلم أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة ثم
جمعته في سك (أي من طيب مركب) وهو نائم (قال الراوي) فلما حضر أنس بن مالك
الوفاة أوصى إلى أن يجعل في حنوطه من ذلك السك فجعل في حنوطه .

وفي رواية عند مسلم قال أنس رضي الله عنه: دخل علينا النبي صلى الله عليه
وسلم فقال عندها (أي من القيلولة) فعرق وجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت
العرق فيها فاستيقظ فقال: يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك
نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب ".

ولكن ينبغي أن يعلم أنه لا يجوز التبرك بأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم
ولم يثبت ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين وهم أحرص الناس على فعل
الخير ولما لم يفعل ذلك أحد منهم دل ذلك على أن التبرك خاص به صلى الله
عليه وسلم.

وكانت أم سليم تسعى لأن تشمل هذه البركة كل أفراد أسرتها لعلمها بما يرجع
عليها وعلى أسرتها من النفع الكثير من أثر ذلك التبرك ولذا كانت حريصة إذا
جاءها مولود أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من يحنكه قال أنس
رضي الله عنه:" لما ولدت أم سليم قالت لي: يا أنس، انظر هذا الغلام فلا
يصيبن شيئا حتى تغدو به إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحنكه، فغدوت به
فإذا هو في حائطه، وعليه خميصة حريثية (نسبة إلى رجل اسمه حارث) وهو يسم
(من الوسم) الظهر الذي قدم عليه الفتح ".

فمن شدة حرصها على التبرك به صلى الله عليه وسلم تعجب النبي صلى الله عليه
وسلم حتى سألها عن ذلك فقالت: يا رسول الله نرجو بركته فقال النبي صلى
الله عليه وسلم مقرا لها على فعلها: "أصبت ".

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف حرص أم سليم على ذلك ويقدر.لها ذلك
ويمكنها من التبرك به صلى الله عليه وسلم كلما أمكن، ولذا فقد ثبت عنه صلى
الله عليه وسلم أنه لما حلق شعره يوم النحر " أشار بيده إلى الجانب الأيمن
هكذا، فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق وإلى الجانب الأيسر
فحلقه فأعطاه أم سليم ".

فهكذا ساوى النبي صلى الله عليه وسلم أم سليم بالناس حين أعطاها وحدها نصف
شعر الرأس، وأعطى بقية الناس النصف الآخر، وما ذاك إلا تقدير منه صلى الله
عليه وسلم لأم سليم على اعتنائها الشديد بتتبع آثاره، وهو دليل على حبها
الشديد للنبي صلى الله عليه وسلم وقربها منه صلى الله عليه وسلم.

الموقف السادس: أم سليم والجهاد في سبيل الله

الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام ولن يكون لأهله عز في
الدنيا ولا رفعة في الآخرة إلا به، وقد شرعه الله لنشر الإسلام وإعلاء
كلمته وإقامة شرعه والقضاء على الفتنة قال تعالى: ((وقاتلوهم حتى لا تكون
فتنة ويكون الدين كله لله )) (سورة الأنفال – آية39). ولم يوجب الإسلام
على النساء الجهاد في سبيل الله أي المقاتلة، وقد سئل النبي صلى الله عليه
وسلم هل على النساء جهاد فقال: " عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة،
وفي رواية عند البخاري قالت عائشة رضي الله عنها: نرى الجهاد أفضل الأعمال
أفلا نجاهد قال: " لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور ".

وهو حكم متفق عليه لدى فقهاء الأمصار جميعا، وذلك لما يحتاج إليه الجهاد
من الشدة والغلظة والمصابرة، وهو غير متوفر في النساء لضعف خلقتهن ورقة
قلوبهن وقد اقتضت حكمة الله في التشريع وهو الحكيم العليم أن كلف كلا من
الصنفين ما يليق بحاله جسما وعقلا وروحا.

إذن فخروج النساء مع المجاهدين في سبيل الله لمعنى آخر غير القتال وهو
مساعدة الرجال فيما يحتاجون إليه من طبخ الطعام وسقاية المجاهدين ومداواة
الجرحى ومناولة السهام قال إبراهيم النخعي: " كان النساء يشهدن مع النبي
صلى الله عليه وسلم المشاهد ويسقين المقاتلة ويداوين الجرحى" وبمثله قال
الزهري.

ولم تكن أم سليم تتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته إلا في
النادر، وكان زوجها أبو طلحة من أقوى الرماة بقي مع النبي صلى الله عليه
وسلم يوم أحد حين انهزم الناس يدافع عنه رضي الله عنه وأرضاه، وقد أدت أم
سليم رضي الله عنها في ذلك اليوم العصيب دورا عظيما قال أنس رضي الله عنه
" لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولقد
رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم رضي الله عنهما وإنهما لمشمرتان- أي قدم
سوقهن- تنقزان (وقال غيره: تنقلان) القرب على متونهما (أي ظهورهما) ثم
تفرغانه في أفواه القوم فتملآنها ثم تجيئان فتفرغان في أفواه القوم) .

الله كبر لقد ثبتت أم سليم وعائشة- رضي الله عنهما- حين انهزم معظم الرجال
تقومان فيه بالإسعافات الأولية للجرحى وتساعدان من بقي من الرجال في
المعركة.

قال ابن حجر- وهو من المحققين المعروفين بالاستقصاء-" ولم أرى في شيء من
ذلك التصريح بأنهن قاتلن وفي هذا رد على الذين يريدون أن يقحموا المرأة في
كل الميادين انطلاقا من قاعدة مساواة المرأة بالرجل بلا استثناء فإذا
عثروا على مثل هذه النصوص من خروج المرأة مع المجاهدين نادوا بملء أفواههم
قائلين: إن في هذا دليلا على أن المرأة تجاهد مع الرجال جنبا إلى جنب إلى
غير ذلك من المقولات المغرضة التي يرددها بعض من يسمون بالمفكرين
الإسلاميين الذين انهزموا نفسيا وثقافيا أمام وهج الحضارة الغربية، فلا
يهدأ لهم بال حتى يجعلوا المرأة المسلمة صورة للمرأة الغربية التي وصلت
إلى درجة أحط قدرا من المرأة في الجاهلية بكثير بل نزلت عن درجة البهائم
ومع ذلك تجد من ينتسب إلى الإسلام من ينظر إليها نظرة إعجاب، ولقد صدق
الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال:" لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا
وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود
والنصارى؟ قال: فمن .

ولما كان يوم حنين- وكانت معركتها بعد فتح مكة- وكان عدد المسلمين أكثر
بكثير من عدوهم إذ كان العدو من قبيلة هوازن، وكان حال كل من الفريقين ما
ذكره الله في كتابه(( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا
وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين )) سورة التوبة آية:25.

فانهزم الناس وبقي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عدد قليل من أصحابه لا
يتجاوز عددهم اثني عشر رجلا، فكانت أم سليم مع من بقي مع النبي صلى الله
عليه وسلم في هذا الموقف الحرج فعند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن أم
سليم رضي عنها اتخذت خنجرا يوم حنين فقالت اتخذته إن دنا مني أحد من
المشركين بقرت به بطنه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك... " بل إن
أم سليم لم تستسغ هذا الموقف، ولم تجد عذرا لبعض من انهزموا عن النبي صلى
الله عليه وسلم من مسلمة الفتح فقالت قولتها المشهورة (يا رسول الله اقتل
من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك فقال رسول الله: يا أم سليم إن الله قد
كفى وأحسن " .

وهكذا سطرت أم سليم في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم صفحات من نور،
وضربت في ذلك أروع الأمثلة للمرأة المسلمة في التضحية والإخلاص وستبقى هذه
المواقف لأم سليم رضي الله عنها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

الموقف السابع: أم سليم الأنصارية والوفاء بالعهد:

الوفاء بالعهد سمة من سمات الإيمان بالله تبارك وتعالى بل هو من أهم
مقتضياته وإن الإخلال به يدخل المرء في شعب النفاق ويعرضه للطعن في عدالته
ومن أجل ذلك حذرنا رسول الله-صلى الله عليه وسلم من الإخلال بالوفاء
بالعهد فقال:" أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن
كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا
عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" .

وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ على النساء بالبيعة
في ترك خصال من الكبائر كن يرتكبنها أو بعضهن في الجاهلية فقال جل ثناؤه:
((يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا
ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين
أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله
غفور رحيم )) سورة الممتحنة:آية12 .

وإنما نهاهن الله تعالى عن تلك الأمور لما فيها من مخالفة ما التزمن به من
الإسلام الذي يحرم على المرأة ا المسلمة ارتكاب أية واحدة منهن وإن اختلفت
جهتها وتعددت أسبابها.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ على النساء بالبيعة في مناسبات
متعددة وكانت البيعة تقع أحيانا على أمور غير المذكورات في الآية لأهميتها
أيضا وكثرة وقوعها من النساء.

قالت أم عطية رضي الله عنها:" أخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم عند
البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة- أم سليم، وأم العلاء،
وابنة أبي سيرة امرأة معاذ وامرأتين أو ابنة أبي سيرة وامرأة معاذ وامرأة
أخرى .

قال ابن حجر نقلا عن القاضي عياض: " معنى الحديث لم يف ممن بايع النبي صلى
الله عليه وسلم مع أم عطية في الوقت الذي بايعت فيه إلا المذكورات لا أنه
لم يترك النياحة من المسلمات غير خمسة ))

ومهما يكن الأمر فإن أم سليم رضي الله عنها جاءت في الصدارة فيمن وفى
من النساء بما أخذ عليهن في تلك البيعة من عدم النياحة على الميت بل كيف
يعقل أن تنوح أم سليم على ميت، وهي التي حينما مات ابنها جهزته ووضعته في
جانب من البيت ثم تزينت لزوجها حتى واقعها ولم يظهر منها أي جزع فضلا عن
البكاء كما تقدم في الموقف الثالث؟.

وهكذا صارت أم سليم نموذجا رائعا ومثلا حيا لكل المؤمنين والمؤمنات في هذا الموقف وغيره من المواقف السابقة.

الموقف الثامن: كرم أم سليم الأنصارية وحسن ضيافتها وظهور معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في طعامها:

إن الجود من مكارم الأخلاق وقد جاءت الشريعة بالحث عليه وهو أيضا من
التكافل الاجتماعي الذي لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض ويسود الوئام بين
أفراده إلا به، والصدقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم برهان أي علامة
دالة على إيمان صاحبه لأنه (أي الأيمان) هو الباعث الحقيقي على البذل في
وجوه الخير لما يرجو صاحبه من ثواب الله له على ذلك في يوم هو أحوج ما
يكون إليه ولثقته بوعد الله بأن يخلف له خيرا مما أنفقه قال تعالى: (( وما
أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ))سورة سبأ الآية 39.

كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه
بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها
ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس فلما أنزلت هذه الاية (لن تنالوا البر حتى
تنفقوا مما تحبون قام أبو طلحة رضي الله عنه- وهو زوج أم سليم الأنصارية-
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول
(( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون )) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء
وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك
الله قال: فقال رسول الله: بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت
وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها
أبو طلحة في أقاربه وبني عمه .

وأما أم سليم الأنصارية رضي الله عنها فكانت من أسرع الناس إلى البذل في
وجوه الخير بما تجود به نفسها، ومواقفها في ذلك كثيرة لا تكاد تحصى.

ولكن من أبرز تلك المواقف وأعجبها ما كان في طعامها من ظهور معجزة رسول
الله صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي- قال أنس رضي الله عنه، قال أبو
طلحة لأم سليم رضي الله عنها: لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم
ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟

قالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخرجت خمارا لها، فلفت الخبز ببعضه
ثم دسته تحت يدي وردتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله قال: فذهبت به
فوجدت رسول الله في المسجد، ومعه الناس فقمت عليهم، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم لأنس أرسلك أبو طلحة؟ قال: فقلت نعم فقال: الطعام؟ فقلت:
نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: قوموا قال: فانطلق،
وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: يا أم سليم
قد جاء رسول الله بالناس، وليس عندنا ما- يطعمهم فقالت: الله ورسوله أعلم
، قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقى رسول الله فأقبل رسول الله صلى الله عليه
وسلم معه حتى دخلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هلمي ما عندك يا
أم سليم فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ففت وعصرت عليه أم سليم عكة
لها فأدمته، ثم قال فيه رسول الله ما شاء أن يقول ثم قال: ائذن لعشرة،
فأذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة فأذن
لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة حتى أكل القوم كلهم
حتى شبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلا " .

فهذا الفضل وإن شاركها فيه زوجها أبو طلحة صاحب الفكرة وهو أبو الأسرة إلا
أن لأم سليم الأنصارية الفضل أيضا في إظهار ما عندها من الطعام ولو كان
يسيرا، فلو أنها قالت لزوجها حين سألها عما عندها ليس عندي شيء وتعني بذلك
ما يصلح لأن يكون طعاما للنبي صلى الله عليه وسلم لكانت صادقة ولكن رغبتها
الشديدة فيما عند الله وإيثارها النبي صلى الله عليه وسلم على نفسها
وعيالها جعلها تخرج ما كان في بيتها من طعام وإن قل قدره وضعفت نوعيته
ولذا كافأها الله بسبب إخلاصها في حبها للنبي صلى الله عليه وسلم وحسن
نيتها بأن بارك الله في ذلك الطعام القليل ببركة النبي صلى الله عليه وسلم
حتى أكل منه العدد الكثير.

وقد تكررت هذه المواقف النبيلة من أم سليم دون مشاركة زوج أو ابن مع ظهور
معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في كل مرة، فقد روى البخاري من حديث أنس
بن مالك قال الراوي: مر بنا (أي أنس) في مسجد بني رفاعة فسمعته يقول: كان
النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر بجنيات أم سليم دخل عليها، فسلم عليها،
ثم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عروسا بزينب فقالت أم سليم: لو
أهدينا لرسول الله صلى الله غليه وسلم هدية فقلت لها: افعلي فعمدت إلى تمر
وسمن وأقط فاتخذت حيسة في برمة فأرسلت بها معي إليه فانطلقت بها إليه فقال
لي: ضعها ثم أمرني فقال: ادع لي رجالا سماهم، وادع لي من لقيت قال: ففعلت
الذي أمرني فرجعت فإذا البيت غاص بأهله فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم
وضع يديه على تلك الحيسة، وتكلم بها ما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة
يأكلون منه يقول لهم: اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه ثم تصدعوا
(تفرقوا) كلهم عنها .

وفي رواية لمسلم " تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بأهله
فصنعت أم سليم حيسا فجعلته في تور فقالت: " يا أنس اذهب بهذا إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرأ عليك السلام
وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال: فذهبت بها إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم وقلت: إن أمي تقرأ عليك السلام فذكر الحديث إلى أن
قال: فدعوت من سمى ومن لقيت قال: قلت لأنس كم كانوا؟ قال: زهاء (أي قدر)
ثلاثمائة وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس هات التور قال:
فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه قال: فأكلوا حتى شبعوا قال:
فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم فقال لي: يا أنس ارفع قال: فرفعت
فما أدري حين وضعت كان اكثر أم حين رفعت .

وهكذا حازت أم سليم على هذا الشرف العظيم والفضل الجسيم بظهور معجزة
الرسول صلى الله عليه وسلم مرارا في طعامها وحلول بركة النبي صلى الله
عليه وسلم فيه، وكم كانت فرحتها حين يكون طعامها القليل الذي يسعه التور
يشبع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم ثلاثمائة وفيهم- من أضناهم
الجوع ولم يكن يجد ما يسد به جوعته في غالب أيامه.

فأم سليم رضي الله عنها دفعت في هذا قليلا من الطعام وأجرت عليه كثيرا،
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء مع رؤية الجميع لهذه المعجزة النبوية في
طعامها التي ازدادوا بها إيمانا على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم فرضي
الله عن أم سليم فقد كانت سباقة إلى كل خير حريصة على اغتنام الفرصة
وإيصاله في الوقت المناسب.

أم سليم الأنصارية وبشارتها بالجنة:

كان عاقبة ذلك النضال وتلك التضحيات من أم سليم الأنصارية محمودة وقد تقبل
الله منها تلك المواقف قبولا حسنا فسعدت به دنيا وأخرى فهي ممن يقال لها
يوم القيامة إن شاء الله تعالى ((كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام
الخالية)).

وغاية ما يتمنى المرء في هذه الدنيا أن يبشر بالجنة ونعيمها، وهو على قيد
الحياة من قبل من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فتلك سعادة لا
تدانيها أية سعادة، وقد أعطى الله أم سليم رضي الله عنها هذا الفضل العظيم
بمنه وكرمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.

فقد روى البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهـما قال: قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي
طلحة وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟ فقال: بلال، ورأيت قصرا بفنائه جارية فقلت
لمن؟ فقال: لعمر فأردت أن أدخله، فأنظر إليه فذكرت غيرتك فقال عمر بأبي
وأمي يا رسول الله: أعليك أغار".

وإنما قلت في حال حياتها لأنها توفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم في حدود الأربعين من الهجرة كما سيأتي.

وفي رواية لمسلم " فسمعت خشفة فقلت: من هذه؟ قالوا هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك) .

وهكذا صارت أم سليم في مستقر رحمة الله في جنة عرضها السموات والأرض بجوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

فيا لها من سعادة أبدية فهنيئا لأم سليم رضي الله عنها بهذا الفضل العظيم وهنيئا لها ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم- لها بالجنة.

تلك هي أم سليم الأنصارية وما تركته لنا من مواقف هي في الحقيقة بطولات في
ميادين المنافسة بضروب من الطاعات ومشاهد من التضحيات مع ثبات على المبدأ
في السراء والضراء والأخذ بالعزيمة على النفس في المنشط والمكره وهذه
المواقف عدة للصابرين وزاد يتزود بها السالك في درب الخير.

وفاة أم سليم الأنصارية:

توفيت في حدود الأربعين في خلافة معاوية فرضي الله عن أم سليم وأرضاها.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(أبو ذر الغفاري).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:56

ابو ذر الغفارى

من هو :

أَبُو ذَرٍّ، جُنْدُبُ بنُ جُنَادَةَ الغِفَارِيُّ

قُلْتُ: أَحَدُ السَّابِقِيْنَ الأَوَّلِيْنَ، مِنْ نُجَبَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

قِيْلَ: كَانَ خَامِسَ خَمْسَةٍ فِي الإِسْلاَمِ.

ثُمَّ إِنَّهُ رُدَّ إِلَى بِلاَدِ قَوْمِهِ، فَأَقَامَ بِهَا بِأَمْرِ
النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا
أَنْ هَاجَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَاجَرَ
إِلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَلاَزَمَهُ، وَجَاهَدَ
مَعَهُ.

وَكَانَ يُفْتِي فِي خِلاَفَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ.

وَكَانَ رَأْساً فِي الزُّهْدِ، وَالصِّدْقِ، وَالعِلْمِ، وَالعَمَلِ،
قَوَّالاً بِالحَقِّ، لاَ تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، عَلَى
حِدَّةٍ فِيْهِ.

وَقَدْ شَهِدَ فَتْحَ بَيْتِ المَقْدِسِ مَعَ عُمَرَ.



اسلامه

قَالَ أَبُو جَمْرَةَ: قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلاَ أُخْبِرُكُم بِإِسْلاَمِ أَبِي ذَرٍّ؟

قُلْنَا: بَلَى.

قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً بِمَكَّةَ قَدْ
خَرَجَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَرْسَلْتُ أَخِي لِيُكَلِّمَهُ،
فَقُلْتُ: انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَكَلِّمْهُ.

فَانْطَلَقَ، فَلَقِيَهُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقُلْتُ: مَا عِنْدَكَ؟

قَالَ: وَاللهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَأْمُرُ بِالخَيْرِ، وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ.

قُلْتُ: لَمْ تَشْفِنِي؟

فَأَخَذْتُ جِرَاباً وَعَصاً، ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَجَعَلْتُ
لاَ أَعْرِفُهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ، وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ
زَمْزَمَ، وَأَكُوْنُ فِي المَسْجِدِ.

فَمَرَّ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ غَرِيْبٌ؟

قُلتُ: نَعَمْ.

قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى المَنْزِلِ.

فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، لاَ أَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ، وَلاَ يُخْبِرُنِي!

فَلَمَّا أَصْبَحَ الغَدُ، جِئْتُ إِلَى المَسْجِدِ لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ.

فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فَقَالَ: أَمَا آنَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعُوْدَ؟

قُلْتُ: لاَ.

قَالَ: مَا أَمْرُكَ، وَمَا أَقْدَمَكَ؟

قُلْتُ: إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أَخْبَرْتُكَ.

قَالَ: أَفْعَلُ.

قُلْتُ: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ نَبِيٌّ.

قَالَ: أَمَا قَدْ رَشَدْتَ! هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ، فَاتَّبِعْنِي
وَادْخُلْ حَيْثُ أَدْخُلُ، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ أَحَداً أَخَافُهُ
عَلَيْكَ، قُمْتُ إِلَى الحَائِطِ كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي! وَامْضِ
أَنْتَ.

فَمَضَى، وَمَضَيْتُ مَعَهُ، فَدَخَلْنَا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقُلْتُ:

يَا رَسُوْلَ اللهِ، اعْرِضْ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ.

فَعَرَضَ عَلَيَّ، فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي، فَقَالَ لِي: (يَا أَبَا ذَرٍّ،
اكْتُمْ هَذَا الأَمْرَ، وَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ! فَإِذَا بَلَغَكَ
ظُهُوْرُنَا، فَأَقْبِلْ).

فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ.

فَجَاءَ إِلَى المَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيْهِ، فَقَالَ:

يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ.

فَقَالُوا: قُوْمُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئ.

فَقَامُوا، فَضُرِبْتُ لأَمُوْتَ!

فَأَدْرَكَنِي العَبَّاسُ، فَأَكَبَّ عَلَيَّ، وَقَالَ:

وَيْلَكُم! تَقْتَلُوْنَ رَجُلاً مِنْ غِفَارَ، وَمَتْجَرُكُم وَمَمَرُّكُم عَلَى غِفَارَ!

فَأَطْلَقُوا عَنِّي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، رَجَعْتُ، فَقُلْتُ مِثْلَ مَا قُلْتُ بِالأَمْسِ.

فَقَالُوا: قُوْمُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئ!

فَصُنِعَ بِي كَذَلِكَ، وَأَدْرَكَنِي العَبَّاسُ، فَأَكَبَّ عَلَيَّ.

فَهَذَا أَوَّلُ إِسْلاَمِ أَبِي ذَرٍّ.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كُنْتُ رَابِعَ الإِسْلاَمِ، أَسْلَمَ قَبْلِي ثَلاَثَةٌ، فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ، فَقُلْتُ:

سَلاَمٌ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللهِ.

وَأَسْلَمْتُ، فَرَأَيْتُ الاسْتِبْشَارَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: (مَنْ أَنْتَ؟).

قُلْتُ: جُنْدُبٌ، رَجُلٌ مِنْ غِفَارَ.

قَالَ: فَرَأَيْتُهَا فِي وَجْهِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

وَكَانَ فِيْهِم مَنْ يَسْرُقُ الحَاجَّ



جهاده فى سبيل الله

كَانَ حَامِلَ رَايَةِ غِفَارَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: أَبُو ذَرٍّ.

وَكَانَ أبو ذر يَقُوْلُ: أَبْطَأْتُ فِي غَزْوَةِ تَبُوْكٍ، مِنْ عَجَفِ بَعِيْرِي.

لَمَّا سَارَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى تَبُوْكٍ، جَعَلَ لاَ يَزَالُ يَتَخَلَّفُ الرَّجُلُ.

فَيَقُوْلُوْنَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ تَخَلَّفَ فُلاَنٌ.

فَيَقُوْلُ: (دَعُوْهُ، إِنْ يَكُنْ فِيْهِ خَيْرٌ فَسَيَلْحَقُكُم، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرُ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللهُ مِنْهُ).

حَتَّى قِيْلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ، وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيْرُهُ.

قَالَ: وَتَلَوَّمَ بَعِيْرُ أَبِي ذَرٍّ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ
أَخَذَ مَتَاعَهُ، فَجَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَخَرَجَ يَتْبَعُ رَسُوْلَ
اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

وَنَظَرَ نَاظِرٌ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَرَجُلٌ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيْقِ!

فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (كُنْ أَبَا ذَرٍّ).

فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ القَوْمُ، قَالُوا: هُوَ -وَاللهِ- أَبُو ذَرٍّ!

فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (رَحِمَ اللهُ
أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوْتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ
وَحَدَهُ).



وصايا الرسول له

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَبْتَدِئُ أَبَا ذَرٍّ إِذَا حَضَرَ،
وَيَتَفَقَّدُهُ إِذَا غَابَ.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ: عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
قَالَ: (أَوْصَانِي بِخَمْسٍ: أَرْحَمُ المَسَاِكِيْنَ وَأُجَالِسُهُم،
وَأَنْظُرُ إِلَى مَنْ تَحْتِي وَلاَ أَنْظُرُ إِلَى مَنْ فَوْقِي، وَأَنْ
أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَنْ أَقُوْلَ الحَقَّ وَإِنْ
كَانَ مُرّاً، وَأَنْ أَقُوْلَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ
بِاللهِ).

سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُوْلُ: (مَا أَقَلَّتِ الغَبْرَاءُ، وَلاَ
أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:

قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ سَرَّهُ
أَنْ يَنْظُرَ إِلَى تَوَاضُعِ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَلْيَنْظُرْ
إِلَى أَبِي ذَرٍّ).

أَخْبَرَنَا مَالِكُ بنُ دِيْنَارٍ:

أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (أَيُّكُمْ يَلْقَانِي عَلَى الحَالِ الَّذِي أُفَارِقُهُ عَلَيْهِ؟).

فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَنَا.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا
أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ، وَلاَ أَقَلَّتِ الغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ
أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ! مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى زُهْدِ
عِيْسَى فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ).

سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ فَقَالَ: وَعَى عِلْماً عَجِزَ عَنْهُ،
وَكَانَ شَحِيْحاً عَلَى دِيْنِهِ، حَرِيْصاً عَلَى العِلْمِ، يُكْثِرُ
السُّؤَالَ، وَعَجِزَ عَنْ كَشْفِ مَا عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ.



وصيه الرسول له

قَالَ شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ: حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ
كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِذَا
فَرَغَ مِنْ خِدْمَتِهِ، أَوَى إِلَى المَسْجِدِ، وَكَانَ هُوَ بَيْتَهُ.

فَدَخَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدَهُ
مُنْجَدِلاً فِي المَسْجِدِ، فَنَكَتَهُ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِرِجْلِهِ حَتَّى اسْتَوَى جَالِساً.

فَقَالَ: (أَلاَ أَرَاكَ نَائِماً؟).

قَالَ: فَأَيْنَ أَنَامُ؟ هَلْ لِي مِنْ بَيْتٍ غَيْرِهِ؟

فَجَلَسَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوْكَ مِنْهُ؟).

قَالَ: أَلْحَقُ بِالشَّامِ، فَإِنَّ الشَّامَ أَرْضُ الهِجْرَةِ،
وَأَرْضُ المَحْشَرِ، وَأَرْضُ الأَنْبِيَاءِ، فَأَكُوْنُ رَجُلاً مِنْ
أَهْلِهَا.

قَالَ لَهُ: (كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوْكَ مِنَ الشَّامِ؟).

قَالَ: أَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَيَكُوْنُ بَيْتِي وَمَنْزِلِي.

قَالَ: (فَكَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوْكَ مِنْهُ الثَّانِيَةَ؟).

قَالَ: آخُذُ إِذاً سَيْفِي فَأُقَاتِلُ حَتَّى أَمُوْتَ.

قَالَ: فَكَشَّرَ إِلَيْهِ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: (أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟).

قَالَ: بَلَى، بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُوْلَ اللهِ.

قَالَ: (تَنْقَادُ لَهُمْ حَيْثُ قَادُوْكَ حَتَّى تَلْقَانِي وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ).

عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- قَالَ لأَبِي ذَرٍّ: (إِذَا بَلَغَ البِنَاءُ سَلْعاً،
فَاخْرُجْ مِنْهَا - وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ - وَلاَ أَرَى
أُمَرَاءكَ يَدَعُوْنَكَ).

قَالَ: أَوَلاَ أُقَاتِلُ مَنْ يَحُوْلُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَمْرِكَ؟

قَالَ: (لاَ).

قَالَ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟

قَالَ: (اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ).



اعتزاله الفتنه

فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ، خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ الشَّامَ.

فَطَلَبَهُ عُثْمَانُ، ثُمَّ بَعَثُوا أَهْلَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَوَجَدُوا
عِنْدَهُمْ كِيْساً، أَوْ شَيْئاً، فَظَنُّوْهُ دَرَاهِمَ، فَقَالُوا: مَا
شَاءَ اللهُ.

فَإِذَا هِيَ فُلُوْسٌ.

فَقَالَ عُثْمَانُ: كُنْ عِنْدِي.

قَالَ: لاَ حَاجَةَ لِي فِي دُنْيَاكُمْ، ائْذَنْ لِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى الرَّبَذَةِ.

فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا



وفاته

روى أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَضَرَهُ المَوْتُ بِالرَّبَذَةِ، فَبَكَتِ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ: وَمَا يُبْكِيْكِ؟

قَالَتْ: أَبْكِي أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَغْيِيْبِكَ، وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُكَ كَفَناً.

قَالَ: لاَ تَبْكِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ وَأَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ يَقُوْلُ:
(لَيَمُوْتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاَةٍ تَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ
المُؤْمِنِيْنَ).

فَكُلُّهُمْ مَاتَ فِي جَمَاعِةٍ وَقَرْيَةٍ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرِي،
وَقَدْ أَصْبَحْتُ بِالفَلاَةِ أَمُوْتُ، فَرَاقِبِي الطَّرِيْقَ،
فَإِنَّكِ سَوْفَ تَرَيْنَ مَا أَقُوْلُ، مَا كَذَبْتُ، وَلاَ كُذِبْتُ.

قَالَتْ: وَأَنَّى ذَلِكَ، وَقَدِ انْقَطَعَ الحَاجُّ؟!

قَالَ: رَاقِبِي الطَّرِيْقَ.

فَبَيْنَا هِيَ كَذَلِكَ، إِذْ هِيَ بِالقَوْمِ تَخُبُّ بِهِمْ
رَوَاحِلُهُمْ كَأَنَّهُمُ الرَّخَمُ، فَأَقْبَلُوا حَتَّى وَقَفُوا
عَلَيْهَا. و َإِذَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ
الكُوفَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟

قِيْلَ: جِنَازَةُ أَبِي ذَرٍّ.

فَاسْتَهَلَّ ابْنُ مَسْعُوْدٍ يَبْكِي، وَقَالَ:

صَدَقَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَرْحَمُ
اللهُ أَبَا ذَرٍّ! يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوْتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ
وَحْدَهُ).

فَنَزَلَ، فَوَلِيَهُ بِنَفْسِهِ، حَتَّى أَجَنَّهُ.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(عكاشة بن محصن).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:57

هو عكاشة بن محصن ابن حرثان بن قيس بن مرة بن كبير

بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة ، ويكنى أبا محصن .

عُرف بين الناس بوفرة العقل وصدق الإحساس وصفاء السريرة ،

وكان معروفا بحسن الهيئة والجرأة والإقدام وكان من أجمل الرجال ،

وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعكاشة رضي الله عنه

ابن أربع وأربعين سنة .






~°§(( إسلامه وهجرته ))§°~



ما أن بلغت مسامعه الدعوة إلى التوحيد والإسلام ، حتى أشرقت نفسه

بالإيمان ، وانطلق الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن إسلامه.

ولقد أوذي كغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أذى كثيرا

وكُذب أشد التكذيب ، فما زاده ذلك إلا إيمانا وتسليما ، وتمسكا بدينه تمسكا

عظيما ، ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما ينزل بأصحابه من

العذاب والبلاء أشار عليهم بالهجرة الى المدينة ، فكان عكاشة بن محصن

رضي الله عنه من بين من هاجر الى المدينة .

وما أن وصل الى هناك حتى استنشق نسيم الأنس والرحمة والأمان لأول

مرة منذ أسلم ، وعاش في المدينة بين إخوانه من المهاجرين والأنصار

أطيب عيش ، وكان في أشد شوقه لخدمة دينه ، والدفاع عن أمته.







~°§(( جهاده ))§°~



شهد رضي الله عنه بدرا وأحدا والخندق وأبلى بلاء حسنا ، واستعمله

النبي صلى الله عليه وسلم على سرية ( الغمر ) في أربعين رجلا ،

فذهبوا فعلم القوم بمجيئه فهربوا ، فرجع الى المدينة وقد ساق مائتي بعير كانت لهم.







~°§(( سيف الجدل ))§°~



يوم بدر قاتل رضي الله عنه بسيفه حتى انقطع في يده فأتى رسول

الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جدلا من حطب وقال :

" قاتل بهذا يا عكاشة "

فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه فعاد سيفا في يده

طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة فقاتل به حتى فتح الله تعالى

على المسلمين .

وكان ذلك السيف يسمى ( العون ) ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد

مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل في الردة وهو عنده ،

وقيل إنه لم يزل متوارثا عند آل عكاشة .






~°§(( سبقك بها عكاشة ))§°~



لقد بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وهو على قيد الحياة ،

بشره بسعادة لا شقاء بعدها أبدا ، ويا لها من كرامة لا توازيها الدنيا

بزخارفها الفانية ونعيمها الزائل ، ويا لها من سعادة غمرت قلب عكاشة رضي

الله عنه ، وملأت فؤاده ، وهو يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشره

بدخوله الجنة بغير حساب ولا عذاب ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه

وسلم :

"من نوقش الحساب عذب ".

قال سعيد بن جبير : حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم قال :

" عرضت علي الأمم ، فرأيت النبي ومعه الرهط ، والنبي يمر ومعه

الثلاثة والاثنان ، والنبي يمر ومعه الرجل الواحد ، والنبي يمر وليس

معه أحد ، إلى أن رفع لي سواد عظيم فقلت : هذه أمتي .

قيل : ليس بأمتك ، هذا موسى وقومه.

إلى أن رفع لي سواد عظيم قد سد الافق ، فقيل :

هذه أمتك ، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب "

قال : ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم فخضنا في أولئك السبعين ،

وجعلنا نقول : من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ؟

أهم الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم أم هم الذين ولدوا في

الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا ؟

إلى أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه ؟

قال : فأخبره ، فقال :

" هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ، وعلى ربهم يتوكلون "

فقام عكاشة بن محصن رضي الله عنه فقال :

( أنا منهم يا رسول الله ؟ )

قال : " أنت منهم "

وقام رجل آخر من المهاجرين فقال : أنا منهم يا رسول الله ؟

قال : " سبقك بها عكاشة " .







~°§(( الشهادة ))§°~



منذ أن سمع عكاشه رضي الله عنه هذا من رسول الله صلى الله عليه

وسلم تاقت نفسه لطلب الشهادة ، والمسارعة لنيل هذه الدرجة العظيمة ،

فخرج يقاتل المرتدين ، ويقضي على فتنة المتنبئين ، وراح ليكون في

طليعة الصحابة الذين خرجوا لقتال المتنبىء طليحة بن خويلد ،

مع خالد بن الوليد رضي الله عنهما ، وبعثه خالد رضي الله عنه

مع ثابت بن أقرم رضي الله عنهما طليعة أمامه يأتيانه بالخبر

وكانا فارسين عكاشة رضي الله عنه على فرس له يقال له الرزام وثابت

رضي الله عنه على فرس له يقال له المحبر ، فلقيا طليحة وأخاه سلمة

بن خويلد طليعة لمن وراءهما من الناس ، فانفرد طليحة بعكاشة وسلمة

بثابت رضي الله عنهما ، فلم يلبث أن قُتل ثابت بن أقرم فصرخ طليحة

لسلمة : أعني على الرجل فإنه قاتلي ..

فكر سلمةعلى عكاشة فقتلاه جميعا ثم كرا راجعين إلى من وراءهما من

الناس ، وأقبل خالد بن الوليد ومعه المسلمون رضي الله عنهم فلم يرعهم

إلا ثابت بن أقرم رضي الله عنه قتيلا تطؤه المطي ، فعظم ذلك على المسلمين

ثم لم يسيروا إلا يسيرا حتى وطئوا عكاشة رضي الله عنه قتيلا ،

فأمر خالد بن الوليد رضي الله عنه بدفنهما فحفروا لهما ودفناهما بدمائهما

وثيابهما ، ولقد وجدوا بعكاشة رضي الله عنه جراحات منكرة .

وهكذا فارق عكاشة رضي الله عنه الدنيا ليلحق بركب الآخرة بلا حساب ولا عذاب.

فرضي الله عن عكاشة وعن سائر الصحابة أجمعين.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(ام ايمن).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:58

أم أيمن رضي الله عنها
حاضنة رسول الله صلى الله عليه و سلم

نسبها رضي الله عنها
هي بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمر ابن النعمان الحبشية
و قد كانت رضي الله عنها جارية لعبد الله بن عبد المطلب وورثها ابنه محمد صلى الله عليه و سلم و كانت له بمثابة الأم بعد موت أمه

و قد عاصرت النبي صلى الله عليه و سلم طفلاً و صبياً ثم زوجاً للسيدة خديجة رضي الله عنها
و قد اعتقها رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم زواجه بالسيدة خديجة رضي
الله عنها وقد تزوجها عبيد بن الحارث الخزرجي ، فولدت له : أيمن المهاجر
الشهيد يوم حنين و به كانت تكنى

إسلامها و هجرتها رضي الله عنها :
تعتبر أم أيمن من آل بيت النبي صلى الله عليه و سلم فقد قال صلى الله عليه و سلم عنها : هذه بقية من أهلي

و قد أسلمت أم أيمن رضي الله عنها في أول العهد بالإسلام مع من أسلم من
بيت النبي صلى الله عليه و سلم فكانت من السابقين الأولين وقد كانت رضي
الله عنها من الذين هاجروا إلى الحبشة فراراً بدينهم

زواجها من زيد بن حارثة رضي الله عنه :
استشهد زوجها عبيد الخزرجي ثم تزوجها زيد بن حارثة أيام بعث النبي صلى
الله عليه و سلم فولدت له أسامة بن زيد، الذي سمي بـ "حب رسول الله صلى
الله عليه و سلم" . وكان الرسول صلى الله عليه و سلم قد قال في أم أيمن :"
من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة ، فليتزوج أم أيمن "، قال : فتزوجها
زيد بن حارثه راضي الله عنه فحظي بها زيد بن حارثة رضي الله عنه

هجرتها المباركة رضي الله عنها الى المدينة :
ومما رواه ابن سعد عن عثمان بن القاسم أنه قال : لما هاجرت أم أيمن ، أمست
بالمنصرف دون الروحاء ، فعطشت ، وليس معها ماء ؛ وهي صائمة ، فأجهدها
العطش ، فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض ، فأخذته ، فشربته
حتى رويت . فكانت تقول : ما أصابني بعد ذلك عطش ، ولقد تعرضت للعطش بالصوم
في الهواجر ، فما عطشت

جهادها رضي الله عنها :
كانت ام أيمن رضي الله عنها لا تفارق الرسول صلى الله عليه و سلم في جهاده و كانت لها مواقف مشهودة و منها :
في غزوة أحد خرجت لتسقي الجرحى و بينما كانت تقوم بمهمتها إذا بسهم بن
العرقة يصيبها فأوقعها أرضاً فضحك عدو الله ضحكاً شديداً فشق ذلك على رسول
الله صلى الله عليه و سلم فناول سعد بن أبي وقاص سهماً لا نصل له و قال له
: ارم فأصاب السهم حبان فوقع مستلقياً و بدت عورته فضحك رسول الله صلى
الله عليه و سلم حتى بدت نواجذه و قال : استقاد لها سعد أجاب الله دعوتك و
سدد رميتك

و لما خالف الرماة أوامر الرسول صلى الله عليه و سلم و انهزم بعض المسلمون
لقيتهم أم أيمن و حثت في وجوههم التراب و هي تقول لبعضهم : هاك المغزل
فاغزل به و هلم سيفك ثم اتجهت نحو الرسول صلى الله عليه و سلم تستطلع
أخباره حتى اطمأنت على سلامته صلى الله عليه و سلم فاطمأن قلبها

صبرها رضي الله عنها :
بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم زيداً لغزوة مؤتة فرزقه الله تعالى
الشهادة فاحتسبته عند الله تعالى ثم رزق الله تعالى ابنها أيمن في غزوة
حنين و كان من الفئة التي صبرت حول رسول الله صلى الله عليه و سلم

مكانتها عند رسول الله صلى الله عليه و سلم :
كانت رضي الله عنها عظيمة المكانة عند رسول الله صلى الله عليه و سلم و كفاها انه كان يناديها "يا أمه" فكفاها هذا التشريف

و ذكر النووي في "تهذيب الأسماء و اللغات" أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان يقول : "أم أيمن أمي بعد أمي"

و في قصة طريفة أوردها صاحب السيرة الحلبية عن عائشة أم المؤمنين رضي الله
عنها قال : شرب رسول الله صلى الله عليه و سلم يوماً و أم أيمن عنده فقالت
: يا رسول الله اسقني
فقلت لها : ألرسول الله صلى الله عليه و سلم تقولين هذا ؟
قالت : ما خدمته أكثر
فقال النبي صلى الله عليه و سلم : "صدقت" فسقاها

ويروي أنس بن مالك رضي الله عنه فيقول : ذهبت مع النبي صلى الله عليه و
سلم الى أم أيمن نزورها فقربت له طعاماً أو شراباً فإما كان صائما و إما
لم يرده فجعلت تخاصمه أي كل (رواه مسلم) و في رواية فأقبلت تضاحكه و كان
المصطفى صلى الله عليه و سلم يبتسم لتصرفات أم أيمن

و كانت رضي الله عنها تتدلل عليه صلى الله عليه و سلم تدلل الأم على ابنها
فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن الرجل كان يعطي من ماله النخلات أو
ما شاء الله من ماله النبي صلى الله عليه و سلم حتى فتحت عليه قريظة و
النضير فجعل يرد بعد ذلك فأمرني أهلي أن آتيه فأسأله الذي كانوا أعطوه أو
بعضه و كان النبي صلى الله عليه و سلم أعطاه أم أيمن أو كما شاء قال :
فسألته فأعطنيهن فجاءت أم أيمن فلوت الثوب في عنقي و جعلت تقول : كلا و
الله لا إله إلا هو لا نعطيكهن و قد أعطانيهن
فقال النبي صلى الله عليه و سلم : يا أم أيمن اتركي كذا و كذا
و هي تقول لا والله حتى أعطاها عشرة أمثال ذلك أو نحوه و في لفظ الصحيح –كلا والله حتى أعطى عشرة أمثاله- (متفق عليه)

رخصة نبوية : كانت أم أيمن رضي الله عنها عسراء اللسان لا تستطيع نطق بعض
الكلمات نطقاً سليماً و قد دخلت مرة على رسول الله صلى الله عليه و سلم و
قالت : سلام لا عليكم
و كانت تريد أن تقول : سلام الله عليكم فلما رأى النبي صلى الله عليه و
سلم ذلك اختصر لها السلام إلى قولها : السلام و ذلك تيسيراً لها

ممازحة النبي صلى الله عليه و سلم لها : جاءت أم أيمن يوما إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و قالت له : يا رسول الله احملني
فقال صلى الله عليه و سلم : أحملك على ولد الناقة
قالت : إنه لا يطيقني و لا أريده
فقال صلى الله عليه و سلم : لا أحملك إلا عليه
و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يمازحها بذلك حيث أن كل الإبل صغيرها و كبيرها ولد النوق

أم أيمن رضي الله عنها و آل البيت رضي الله عنهم : كانت أم أيمن من أقرب
المقربين إلى آل البيت فعندما وقعت حادثة الإفك سألها رسول الله صلى الله
عليه و سلم : أي امرأة تعلمين عائشة قالت : حاشا سمعي و بصري أن أكون علمت
أو ظننت بها إلا خيراً

و عندما تزوجت السيدة فاطمة رضي الله عنها كانت أم أيمن رضي الله عنها ممن
جهزها لزوجها علي بن ابي طالب رضي الله عنه هي و أسماء بنت عميس رضي الله
عنها

و لما توفيت السيدة زينت رضي الله عنها كانت أم أيمن رضي الله عنها ممن
غسلها ومعها السيدة سودة بنت زمعة و السيدة أم سلمة رضي الله عنهن جميعاً

حزنها على وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم : حزنت أم أيمن رضي الله عنها
لوفاة الرسول صلى الله عليه و سلم حزن الأم على ابنها ورثته بشعر معبر و
قد بكت عليه صلى الله عليه و سلم أمام الصديق و الفاروق رضي الله عنهما
عندما زاراها إكراما لها كما كان يفعل النبي صلى الله عليه و سلم فقالا
لها : ما يبكيك ؟
فقالت : ما أبكي أني لا أعلم ان الرسول صلى الله عليه و سلم سار إلى خير
مما كان فيه و لكن أبكي لخبر السماء انقطع عنا فجعلا يبكيان معها

وفاتها رضي الله عنها : توفيت رضي الله عنها في عهد أمير المؤمنين عثمان
بن عفان رضي الله عنه ولكن بقيت ذكراها في نفوس المؤمنين فقد ذكر الزهري
قال : حدثني حرملة مولى أسامة بن زيد انه بينما هو جالس مع ابن عمر إذ دخل
الحجاج بن أيمن فصلى صلاة لم يتم ركوعها و لا سجودها فدعاه البن عمر و قال
: أتحسب انك قد صليت ؟ إنك لم تصل فعد إلى صلاتك فلما ولى قال ابن عمر :
من هذا?
فقلت : الحجاج ابن أيمن ابن أم أيمن
فقال : لو رآه رسول الله صلى الله عليه و سلم لأحبه

وروى ابن ابي الفرات مولى أسامة بن زيد خاصم الحسن بن أسامة بن زيد حفيد
أم أيمن و نازعه فقال له ابن ابي الفرات في كلامه : يا ابن بركة –يريد أم
أيمن
فقال الحسن بن أسامة : اشهدوا
و رفع الأمر إلى قاضي المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم –قاضي عمر
بن عبد العزيز- و قص عليه القصة فقال أبو بكر لابن أبي الفرات : ماذا أردت
إلى قولك يا ابن بركة ؟
فقال : سميتها باسمها
قال أبو بكر : إنما أردت بذلك التصغير بها و حالها من الإسلام حالها و
رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لها : يا أمه و يا أم أيمن و تقول له
يا ابن بركة لا أقالني الله إن أقتلك فضربه سبعين سوطاً

رحم الله أم أيمن أم الرسول صلى الله عليه و سلم بعد أمه و ألحقها بابنها صلى الله عليه و سلم إن شاء الله في الجنة.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(موسي بن ابي الغسان).   السبت 06 سبتمبر 2008, 17:59

عندما وصلت دولة الإسلام بالأندلس لمرحلة الاحتضار النهائي، وبلغت الروح
الحلقوم كانت غرناطة هي معقل الإسلام الأخير، والتي ضرب عليها الصليبيون
الأسبان حصارًا شديدًا طيلة سبعة أشهر حتى فنيت الأقوات ومن قبلها العزائم
والهمم عدا رجل واحد لم تفنى عزيمته وإرادته وإيمانه بالله عز وجل هو فارس
غرناطة موسى بن أبي الغسان الذي حاول أن يثير العزائم ويوقظ الهمم من أجل
الدفاع عن المدينة حتى الموت، وعدم الموافقة على تسليمها بالسلام لأعداء
الإسلام وقام أمير غرناطة أبو عبد الله بدعوة أكابر الجماعة بالبلد في قصر
الحمراء للتباحث في الموافقة على شروط تسلمي البلد للصليبيين واسمع
للرواية التاريخية المؤثرة التي تصف ما جرى .

[اجتمع الزعماء في بهو الحمراء ليوقعوا عهد التسليم وليحكموا على دولتهم
بالذهاب، وعلى أمتهم بالفناء والمحو عندئذ لم يملك كثير منهم نفسه من
البكاء والعويل، ولكن موسى بن أبي الغسان لبث وحده صامتًا عابسًا ثم قال
وهو يستثير عزائمهم [اتركوا العويل للنساء والأطفال فنحن رجال لنا قلوب لم
تخلق لإرسال الدمع ولكن لتقطر الدماء، وإني لأرى أن روح الشعب قد خبت حتى
ليستحيل علينا أن ننقذ غرناطة، ولكن ما زال ثمة بديل للنفوس النبيلة ذلك
هو موت مجيد، فلنمت دفاعًا عن حرياتنا وانتقامًا لمصائب غرناطة، وسوف
تحتضن أمنا الغبراء أبناءها أحرارًا من أغلال الفاتح وعسفه، ولئن لم يظفر
أحدنا بقبر يستر رفاته فإنه لن يعدم سماء تغطيه وحاشا لله أن يقال إن
أشراف غرناطة خافوا أن يموتوا دفاعًا عنها].

ثم صمت موسى وساد المجلس سكون الموت وعندها قال الأمير الخائر الضعيف أبو
عبد الله وصاح [الله أكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا راد لقضاء
الله تالله لقد كتب عليّ أن أكون شقيًا وأن يذهب الملك على يدي] وصاحت
الجماعة على أثره [الله أكبر ولا راد لقضاء الله] وكرروا جميعًا أنها
إرادة الله، ولتكن ولا مفر من قضائه ولا مهرب] لاحظ استخدام القضاء والقدر
في تبرير خوفهم وجبنهم عن نصرة الإسلام وحالهم كحال الجبرية الذين يقولون
إننا مجبرون على المعاصي] .

وعندما رأى موسى بن أبي الغسان أن محاولاته ذهبت أدراج الرياح نهض مغضبًا ثم قال لهم مقولته الشهيرة.

نبوة موسى : قال لهم [لا تخدعوا أنفسكم ولا تظنوا أن النصارى سيوفون
بعهدهم ولا تركنوا إلى شهامة ملكهم إن الموت أقل ما نخشى فأمامنا نهب
مدننا وتدميرها تدنيس مساجدنا وتخريب بيوتنا وهتك نسائنا وبناتنا وأمامنا
الجور الفاحش والتعصب الوحشي والسياط والأغلال وأمامنا السجون والأنطاع
والمحارق، هذا ما سوف نعاني من مصائب وعسف وهذا ما سوف تراه على الأقل تلك
النفوس الوضيعة التي تخشى الآن الموت الشريف أما أنا فوالله لن أراه] .



بطل حتى النهاية :

لله درك يا موسى عندما بررت بيمينك فلم تراه، خرج موسى غاضبًا من مجلس
المهانة والضعف والخور دون أن يرمق أحدًا أو يفوه بكلمة ثم ذهب إلى داره
وغطى نفسه بسلاحه واقتعد جواده المحبوب [غارب]، واخترق شوارع غرناطة حتى
خرج منها إلى معسكر الجيش الصليبي فلقيته سرية منهم مكونة من خمسة عشر
فارسًا على ضفة نهر [شنيل] فانقض موسى عليهم كالأسد، وأخذ يمضي فيهم طعنًا
وضربًا وأثخنته الجراح، ولكنه استمر في القتال كأنه ما يشعر بالألم
جراحاته،كثيرة وكانت ضرباته ثائرة قاتلة، وهكذا لبث يبطش بالفرسان
الصليبيين حتى أفنى معظمهم غير أنه أصيب في النهاية بجرح خطير ثم قتل
جواده فسقط على الأرض، ولكنه ركع على ركبتيه واستل خنجره وأخذ يناضل عن
نفسه حتى الرمق الأخير، ولم يرد أن يقع أسيرًا في يد خصمه بل رضي بالشهادة
والقتال حتى مات رحمه الله .
ولا عزاء لأشباه الرجال ولا رجال في زمان ضاع فيه أبطال النضال.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(الأمير المجاهد ترونوجويو).   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:01

يروج دائما أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم ممن فتن
بقولهم وسار على دربهم من أبناء جلدتنا وذوى ألسنتنا، بأن الإسلام ما
انتشر في ربوع الأرض إلا بحد السيف، وأن المسلمين قد أجبروا الناس إجباراً
على دخول الإسلام وفرضوه عليهم قسراً وجبراً بعد انتصارهم وفتحهم للبلاد،
وهذه الفرية السمجة الرد العلمي عليها أسهل ما يكون، وكذلك الرد التاريخي
والعملي إذ كيف دخل الإسلام إلى هذه الأصقاع البعيدة النائية والتي بينها
وبين أرض المسلمين بحار وقفار ومفاوز يهلك المرء دونها ؟ كيف دخل الإسلام
إلى إندونيسيا وماليزيا والفلبين والصين وكيف قفز الإسلام إلى قلب روسيا
وأقاصي سيبريا ؟ لقد استخدم المسلمون السيف عندما وجدوا الطغاة يحولون دون
إبلاغ الدين وإسماع الناس لدعوة الحق، عندها يرفع المسلمون سيوفهم ليزيلوا
الطغاة ويمهدوا الطريق أمام الدعاة لهداية الناس، وإذا كانت البلاد أصلاً
مفتوحة وممهدة وحكامها ولو كانوا كافرين يسمحون للدعاة بحرية الحركة
والدعوة عندها لا حرب ولا سيف، فسلطان الإسلام ونور القرآن وهداية السماء
وقوة الوحي ستفتح وحدها مغاليق القلوب وتنير الأبصار وتهدى النفوس .



انتصار الحق وزهوق الباطل وينسى مادون ذلك
غبطة بنصرة الإسلام وارتفاع راية التوحيد فإن هناك فاتحين من نوع أخر
ومجاهدين لا يقل دورهم روعة عن الآخرين في خدمة الإسلام والدفاع عنه، ونحن
في هذا المقام نحيى مواتهم برفع ذكرهم ليعلم أبناء الإسلام الآن كيف كان
أجدادهم .



الإسلام يدخل إندونيسيا
لا
يعلم على وجه اليقين متى دخل الإسلام إلى إندونيسيا وذلك لأنها منقسمة
لعدة جزر كبيرة [جاوة وسومطرة وبورنيو]، وكان المؤرخون القدامى من العرب
كالمسعودي في كتابه 'مروج الذهب' يطلقون عليها اسم جزر المهراج، ولقد دخل
الإسلام إلى هذه الجزر عن طريق التجار المسلمين الذين لم يكونوا يعملون
فقط في التجارة بل كانوا في الأصل دعاة للإسلام ثم اشتغلوا بالتجارة ليسهل
تنقلهم بين البلدان، وقد جاء تجار مسلمون من عمان وحضرموت وآخرون من
الكوجرات بالهند ونزلوا على سواحل 'سومطرة وجاوة'، وكان أهل الجزر قبل
الإسلام وثنيين أغلبهم هندوسي .



دخل الإسلام إلى جزيرة سومطرة أولاً
إنطلاقاً من إقليم 'إتشيه' ثم دخل بعدها إلى جزيرة 'جاوة' بعد جهود طويلة
ومثابرة من الدعاة الذين نقلوا الجاويين من الوثنية إلى الإسلام وكان
للشيخ إبراهيم المتوفى سنة 1419 ميلادية ـ 822 هجرية دور كبير في الدعوة
الإسلامية هناك حيث تمكن هو وتلاميذه من نشر الإسلام في كل بيت في 'جاوة'
وذلك بعد صراع كبير وعنيف مع الهندوسية الوثنية



وقد أسس المسلمون عدة ممالك في الجزر الإندونيسية منها :


مملكة برلاك في سومطرة وهى التي زارها الرحالة ابن بطوط سنة 746 هجرية .


مملكة بنتام في غربى جاوة وقد أسسها السلطان 'حسن الدين'عام 976 هجرية .


مملكة ديماك في وسط جاوة وقد أسسها رمضان فاطمي عام 832 هجرية .


مملكة بالمبانغ في جنوبي سومطرة وقد أسسها السلطان عبد الرحيم عام 1058 هجرية .


مملكة آتشيه في شمال سومطرة وهى أقدم وأقوى الممالك الإسلامية بإندونيسيا .


مملكة متارام في شرقي جاوة وهى التي سيدور
على أرضها أشد حلقات الصراع بين الإسلام والمسلمين ضد الاحتلال الهولندى
وأعوانه من خونة المسلمين .



الاستعمار الصليبي في إندونيسيا



في الوقت الذي بدأ المسلمون في تثبيت
أقدامهم وممالكهم بإندونيسيا كان المحتل الصليبي ينشب مخالبه في سواحل
الجزر، فلقد احتل البرتغاليون 'مالاقا'سنة 917 هجرية ثم سيطروا على شمالي
سومطرة سنة 928 هجرية ووصلوا إلى جزيرة 'سيلبيس'سنة 947 هجرية وقد قاوم
المسلمون مقاومة شديدة وعنيفة ضد المحتل الصليبي الذي صعق عندما رأى بهذه
الجزر البعيدة في وسط المحيط مسلمين موحدين بالله فأنزل مذابح فظيعة
بالمسلمين وقتلوا سلاطين المسلمين بالغدر والخيانة .



ثم جاء المحتل الهولندي إلى سومطرة وجاوة
وطرد المحتل البرتغالي والإسباني من الجزر بالتعاون مع أهل البلاد
المسلمين في تحالف ضمني ضد البرتغاليين وذلك سنة 1005 هجرية ثم ما لبث
المحتل الهولندى أن أثبت أنه لا يقل صليبية وحقداً عن سابقه ودخل
الهولنديون في معارك طاحنة ضد الممالك الإسلامية خاصة مملكة متارام التي
يجب أن نتوقف عندها قليلاً لنعرف كيف قامت هذه المملكة .



مملكة متارام وعقيدة 'الأبنجان'

كانت مملكة 'متارام' مملكة قائمة في شرقي
جزيرة 'جاوة' وكان ملوكها على الهندوسية الوثنية، فلما دخل الإسلام الجزر
وعم جزيرة جاوة كانت هذه المملكة هي معقل المقاومة الهندوسية ضد الدعوة
الهندوسية ضد الدعوة الإسلامية، حتى غلب الإسلام وأسلم أحد ملوكها واسمه
'سنافاتى' وعمل على نشر الإسلام وذلك سنة 991 هجرية، وقام هذا الملك
المسلم بتوحيد جزيرة 'جاوة' كلها تحت حكمه وكاد أن يتم له الأمر لولا أن
اتخذ سياسة إبقاء الممالك الصغرى ذات استقلال ذاتي، وتخضع لسلطانه، فكان
حكامها يظهرون له الطاعة ويضمرون الغدر، فما أن وافته منيته حتى أعلنوا
العصيان على المملكة واندلعت الحروب بين هذه الممالك .



وفي هذه المملكة ظهرت جماعة عقيدة
'الأبنجان' وهى عقيدة تجمع بين الإسلام والهندوسية في خليط بين الشعائر
الإسلامية مع الهندوسية الوثنية، وقد أراد بها كهنة الهندوسية محاربة
الإسلام وخداع المسلمين البسطاء تحت مسمى التوحد والتقرب بين المسلمين
والهندوس ضد المحتل البرتغالي ثم الهولندي، وهذا يذكرنا بما فعله سلطان
الهند 'أكبر شاه' عندما اخترع عقيدة 'السيخ' ومزج فيها بين الإسلام
والهندوسية والبوزية والمجوسية وسائر العقائد الوثنية الهندية القديمة
ليسهل له حكم بلاد الهند كلها، لذلك هناك تشابه كبير بين عقيدة الأبنجان
الإندونسية وعقيدة السيخ الهندية وكلاهما كفر وضلال وزندقة، وقد اعتنق
حكام مملكة متارام هذه العقيدة فترة من الزمن ودخلوا في حرب كبيرة ضد
الشعب المسلم في 'جاوة' من أجل فرض هذه العقيدة الضالة .





ظهور البطل ترونوجويو

كل مسلمي جاوة صحيحو العقيدة على مذهب أهل
السنة والجماعة، يتبعون الإمام الشافعي في الفقه، في غاية التمسك
والاعتزاز بدينهم، عملوا منذ بداية ظهور عقيدة الأبنجان الضالة على التوحد
فيما بينهم والتصدي لهذه البدعة الخبيثة مما أدى لحصرها في دائرة ضيقة
جداً في متارام لمتستطع الخروج عنها، مما جعل ملوك هذه الإمارة يعملون على
فرض هذه العقيدة بالقوة على الناس والتعاون مع المحتل الهولندي من أجل
تحقيق هذا الهدف الشرير .



وقد بلغ التعاون بين الهولنديين وملوك
متارام ذروته في عهد [منكورات الأول] الذي حكم المنطقة من عام 1645 حتى
1677 ميلادية / 1054 حتى 1087 هجرية، وكان منكورات هذا طاغية ضال على
عقيدة الأبنجان، حكم المنطقة بعد وفاة والده 'سلطان أقغ' فكان ظالماً يحكم
بيد من حديد لأجل توحيد 'جاوة' مرة أخرى كما فعل 'سنافاتى' من قبل سنة 991
هجرية .



وقد أقدم على نشر عقيدة الأبنجان بين
المسلمين ليوافق الهندوس على التوحد معهم ولكن علماء المسلمين وقفوا ضد
هذه المحاولات الشريرة فأقدم منكورات على قتل كثير منهم، وأراد أن يهدم
منار الدين ويطفئ شعائره، وعندها ثار بطلنا العظيم والزعيم الديني لعلماء
جاوة [ترونوجويو] وذلك سنة 1083 هجرية ـ 1674 ميلادية .



راية الجهاد

كان الأمير 'ترونوجويو' من إحدى البيوت
الحاكمة في 'متارام' وفي نفس الوقت كان من علماء الدين ذا إيمان راسخ
وبصيرة نافذة وسلامة قصد وقد هاله ما جرى للدين وأهله على يد الطاغية
'منكورات الأول' من ترويج للكفر والضلال وتقتيل لعلماء الإسلام، وغار على
الدين أن ينتقص وهو حى وما أشبه ذلك بموقف أبى بكر الصديق رضي الله عنه في
حرب مانعي الزكاة وهكذا ينبغي أن يكون قلب المؤمن وشعوره تجاه مصاب دينه .



كان الأمير [جكرا ننقرات الثانى] حاكم منطقة
'مدورة' وهى إحدى ولايات إقليم متارام، وكان في نفس الوقت عم الأمير
المجاهد 'ترونوجويو'، وكان [جكرا ننقرات] موالياً لمنكورات مقيماً عنده في
متارام بصورة دائمة، مهملاً لشئون مدورة، وكان ترونوجويو حزيناً لبقاء عمه
مع الطاغية، خاصة وأنه يرى الناس شديدي السخط والكره لعمه على إقامته مع
الطاغية منكورات، لذلك اجتمعت كل العوامل والأسباب عند الأمير ترونوجويو
للثورة ضد الطغيان خاصة وأن أهل جاوة جميعاً وقفوا وراءه وعضدوه .


اتحاد الجيوش الإسلامية

ما إن قام الأمير المجاهد [ترونوجويو] برفع
راية الجهاد والثورة ضد الطاغية الضال 'منكورات' حتى تجلت في هذه الثورة
كل معاني الأخوة الإسلامية بأجلى معانيها حيث توافد المجاهدون من كل نواحي
إندونيسيا ليس من جاوة ومدورة وحدها، بل من سومطرة والملايو، وقد هاجروا
من بلدانهم لنصرة الإسلام .



اكتسبت الثورة دعماً قوياً عندما انضمت
قبيلة 'مكاسر' للثورة وهى أكبر قبيلة إندونيسية وأهلها هم من أشجع مسلمي
هذه الجزائر وأشدهم تمسكاً بالعقيدة الصحيحة، وكانت هولندا الصليبية عندما
احتلت جزيرة سومطرة قد وجهت كل حربها ضد هذه القبيلة حتى أجبروا أهلها على
الهجرة من موطنهم الأصلى، فانتقلت هذه القبيلة إلى جاوة وأصبحت عوناً لكل
من يقف في وجه المحتل الصليبي، وقد قام الزعيم الأكبر للقبيلة واسمه
'كاريج فاليسون' بنصرة 'ترونوجويو' ودعمه، بل أقنعه أن يخلع عمه
'جكراننقرات' الموالى للطاغية منكورات، وبالفعل أصبح الأمير ترونوجويو
والياً على مدورة وأطاعه الناس.



بدت هذه الثورة كمعلم وإشارة على الوحدة
الإسلامية بإندونيسيا، وجسمتها في أجمل معانيها [التعاضد والتناصر] ، وقد
قامت سلطنة 'بانتم' في غربي جاوة وسلطانها أبو الفتح عبد الفتاح بمساعدة
الأمير ترونوجويو وأمدته بالسلاح وبالمال وبالرجال وفتحت باب التطوع لمن
أراد الالتحاق في صفوف المجاهدين، وهكذا عمت الثورة الإسلامية في جميع
أنحاء جاوة وذلك سنة 1083 هجرية ـ 1674 ميلادية .


الإنتصار الأول

بدأت الثورة في القيام عندما خلع أهل مدورة
واليهم الظالم 'جكرا ننقرات' ونصبوا مكانه ابن أخيه الأمير المجاهد
'ترونوجويو' ثم قامت قبيلة 'مكاسر' بقطع تصدير محصول الأرز للمحتل
الهولندي الذي كان قد أنشأ له مستعمرة في سومطرة أطلق عليها اسم 'بتافيا'
وهو اسم إحدى القبائل الهولندية وهذه المستعمرة قد أصبحت بعد ذلك 'جاكرتا'
العاصمة .



جهز الهولنديون جيشاً سار مع جيش متارام
العميل إلى مدينة 'ديموج' مركز قبيلة مكاسر، وكان الأسطول الهولندى في
البحر مسايراً للجيوش البرية مناصراً لحركاتها وذلك سنة 1085 هجرية ـ 1676
ميلادية، واستعد المكاسريون الذين بايعوا ترونوجويو على الجهاد في سبيل
الله ونصرة الإسلام للصدام مع هذا العدوان المزدوج من البر والبحر .



وبعد سلسلة معارك حامية وعنيفة بين الطائفة
المؤمنة والطائفة الكافرة بفرعيها الأصلي والمنافق، أنزل الله عز وجل نصره
على المؤمنين وخذل المنافقين والكافرين، ومزق المسلمون هذه الجيوش البرية
والبحرية كل ممزق .



بعد ذلك الانتصار الأول الباهر للمؤمنين على
الهولنديين والمنافقين من متارام قام زعيم المكاسريين 'كاريج فاليسون' بضم
جيشه إلى جيش ترونوجويو وتكونت جبهة واحدة من جيوش أهل السنة والجماعة ضد
المحتل الصليبي الهولندي ومتارام المساعدة لهم والقائمة بخطة نشر عقيدة
الأنبجان الضالة بين مسلمي إندونيسيا .


عزة المجاهد

بعد الهزيمة الساحقة التي نالتها هولندا على
يد المجاهدين والتي أدت لتمزيق جيشها وأسطولها عمدت هولندا لاستخدام سلاح
المفاوضات، فلقد عرضت هولندا على ترونوجويو فتح باب التفاوض وعرضوا شروطاً
مغرية على المجاهد من أموال وإقطاعات وولايات ظناً منهم أن هذا المجاهد
البطل ما قام بثورته إلا طمعاً في الدنيا فهم لا يعلمون أن المجاهد المخلص
لا يبغى من وراء جهاده سوى وجه الله ونصرة الدين فلا دنيا تهمه ولا منصب
يغره ولا مال يفتنه .



جاء رد البطل ترونوجويو على هذا العرض
الدنيوي الدنيء بصورة عملية جهادية، وإذ أمر جيوشه المتحدة بالتوجه إلى
شرق جاوة حيث عقر مملكة متارام، وما كادت هذه الجيوش تدخل متارام حتى أقبل
الجاويون المجاهدون من كل أنحاء الجزيرة الشاسعة وانضموا لهذه الجيوش،
وحاول جيش متارام العميل بالتعاون مع الجيش الهولندي وقف هذا السيل الكاسح
ولكنهم فشلوا واستولى المجاهدون على عدة مدن مثل 'دمك' و'سماراج' واهتز
موقف متارام بشدة .



منكورات الخائن يبيع بلاده

بعد سلسلة الهزائم الكاسحة التي نالها
الطاغية الضال منكروات على يد المجاهد ترونوجويو وأتباعه، وسقوط العديد من
المدن بين المجاهدين، اشتعل قلبه غيظاً وحنقاً على البطل المجاهد حتى أقدم
على خطوة ما يجرؤ عليها إلا خائن أصيل جمع بين الكفر والخيانة والحقد
والكره والرغبة المجنونة في الانتقام، فلقد عقد منكروات مع الهولنديين
معاهدة باع فيها جزيرة جاوة كلها للهولنديين وذلك نظير ماذا ؟ نظير أن
يأتوا بترونوجويو حياً وذلك بعد القضاء على ثورته، مع العلم أنه سيتكلف
بمصاريف حملة الهولنديين والتي لا تقل عن 1,7 مليون روبية، وذلك كله من
أجل أن يشفي غليل قلبه الأسود المشحون بالكفر والضلال .


خاتمة السعادة

إن غاية ما يسعى له أي مجاهد في سبيل الله
أن يرزقه الله عز وجل الشهادة، أو يقر عينه بالنصر والفتح، وهو لا يعرف
سوى ذلك فإنه جهاد أو نصر أو استشهاد، وأعداء الإسلام رغم علمهم بكثير من
حقائق الإسلام إلا أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة بالذات .



حشدت هولندا كل جنودها وأساطيلها وجمعت كل
قواتها وجواسيسها في جاوة ووجهت حرباً شاملة على جيش المجاهدين وتحملتا من
أجل القبض على البطل ترونوجويو حياً خسائر ضخمة وفادحة وبعد سلسلة معارك
ضارية في غابات جاوة استطاع أعداء الإسلام القبض على ترونوجويو حياً، وجيء
به أسيراً إلى الطاغية منكورات المتعطش لسفك دم هذا المجاهد النبيل ومن
شدة وجنون الانتقام قام منورات بقتل ترونوجويو بيديه ليشفي غليله ويروى
ظمأ انتقامه الجنوني، والعجب أن ترونوجويو استقبل الموت بقلب ثابت وجنان
جريء وهو يبتسم غير مبالي بالموت، استقبله وهو في غاية السعادة والسرور
لأنه قد نال أعلى وأسمى ما يريد .



انتقام الإله

سبحان من لا يخذل أولياءه ومن لا يترك
أصفياءه وينتقم لهم ممن عاداهم أو أذاهم فهو سبحانه جل وعلا يرى العالمين
أعظم الآيات والبراهين على صدق طريق المجاهدين وعقباهم الحسنى، فلقد كانت
ضحكات ترونوجويو وفرحه وهو يقتل بيد الطاغية منكورات سبباً لأعظم إنتقام،
إذ أراد هذا الطاغية أن يشفي غليله بقتل ترونوجويو بنفسه حتى يرى الفزع
والرعب والخوف في عيني البطل المجاهد وحتى يستمع إلى توسلاته ويستمتع
بآهاته ودموعه وهو يطلب منه الصفح والعفو ولكن البطل يضحك و يفرح في منتهى
السعادة وهو يقتل، فأدى ذلك لزيادة اشتعال الغيظ والحقد في قلب الطاغية
منكروات، حتى طفح هذا الحقد والغيظ والكره على عقله بعد أن امتلأ به قلبه،
فاختل عقل الطاغية في الحال وهام على وجهه وترك قصره وسلطانه الذي باع
بلاده من أجله، وقضى ما بقى من عمره القصير في الأحراش مع الحيوانات لا
يعي شيئاً ولا يعقل شيئاً ومات في أدغال جاوة وحيداً شريداً طريداً من
الله ومن الناس والتحق في مزبلة التاريخ مع أقرانه من الخونة والطواغيت،
في حين أثبت ترونوجويو نفسه في سجل الأبطال المجاهدين الشهداء بإذن الله
عز وجل.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: شخصيات تجاهلها التاريخ(عثمان بن فودي).   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:02

الإمام المجاهد عثمان بن فودي


يعتبر تاريخ الدول
الإسلامية والممالك التي قامت في قارة إفريقيا إذا ما استثنينا الشمال
الإفريقي، من الأمور المجهولة تماماً بالنسبة للمسلمين، فهم لا يعرفون عن
مسلمي إفريقيا شيئاً مع العلم أن نسبة المسلمين في قارة إفريقيا هي الأعلى
في قارات العالم، بما في ذلك قارة آسيا، أكثر قارات العالم ازدحاما
بالسكان، هذا على الرغم من أن القارئ لأحداث وتاريخ هذه الممالك والدول،
سيقف معجباً ولربما منبهراً بالبطولات العظيمة التي قام بها أبطال إفريقيا
العظام، خاصة هؤلاء الذين كانوا في الغرب الإفريقي، والذين تصدوا لأعنف
وأشرس الحملات الوحشية والتي قادها صليبو إسبانيا والبرتغال وفرنسا
وأمريكا، ونحن وللأسف الشديد قد انخدعنا بما يروجه الاحتلال الأوروبي،
والإعلام الغربي الذي يصور لنا إخواننا الأفارقة في صورة الهمج الوحشيين،
أكلة لحوم البشر، وأن التمدن والرقي الذي حصل لهؤلاء الأفارقة يرجع بفضل
الاستعمار الأوروبي لبلادهم، والحق غير ذلك تماماً، فلقد قامت بإفريقيا
السوداء الكثير من الممالك الإسلامية العظيمة، على شريعة الإسلام من
الكتاب والسنة، بل وعلى منهج السلف فهماً وتطبيقاً، وصاحبنا واحد من أعظم
الرجال الأفارقة الذين أدخلوا الدعوة السلفية إلى إفريقيا، وأقاموا دولة
عظيمة وكبيرة على منهج السلف الصالح والعجيب أنه لا يعرفه أحد من عامة
المسلمين، بل ومن المتخصصين في قراءة التاريخ أيضاً .


الإسلام يغزو إفريقيا

تعتبر إفريقيا أول منطقة
في العالم وصلها الإسلام بعد مكة مهبط الوحي، وذلك في العام الخامس من
النبوة، عندما هاجر الصحابة الأولون فارين بدينهم إلى الحبشة، ثم دخلوا
الشمال الإفريقي كله، من مصر إلى المغرب الأقصى في القرن الهجري الأول،
وقد وصل فاتح المغرب الأعظم [عقبة بن نافع] إلى أطراف الصحراء الكبرى، وقد
عمل ولاة بلاد المغرب من تونس إلى المحيط على نشر الإسلام في القبائل
البربرية الموغلة في الصحراء، حتى وصل الإسلام إلى مدينة 'أودغشت' عاصمة
قبيلة 'لمتونة' وهذه المدينة غير موجودة الآن ولكنها في قلب 'موريتانيا' .

ويرجع
الفضل لنشر الإسلام في قلب وغرب إفريقيا لدولة المرابطين العظيمة، وخاصة
الأمير الشهيد 'أبى بكر بن عمر' الذي كان أمير المرابطين الأول ثم ترك
الإمارة 'ليوسف بن تاشفين'، وتخلى عن الزعامة وتفرغ لنشر الإسلام بين
الأفارقة، وظل يحارب القبائل الوثنية وينشر الإسلام بينهم حتى استشهد سنة
480 هجرية، وقد وصل بالإسلام إلى خط الاستواء، أي على أبواب إفريقيا
الاستوائية، عند منطقة الغابات الكثيفة، وهو بذلك قد قام بخدمة عظيمة
للإسلام، ولا تقل عما فعله 'يوسف بن تاشفين' في المغرب والأندلس .


مأساة الممالك الإسلامية
أخذ
الإسلام في الانتشار في قلب القارة الإفريقية شيئاً فشيئاً، بالتجارة
تارة، وبالجهاد تارة، والدعاة المرابطين تارة، وبالتدريج تحولت القبائل
الوثنية إلى الإسلام، وقامت ممالك إسلامية في غاية القوة والاتساع مثل
مملكة 'غانا'، ومملكة 'مالي' الضخمة وكانت تشمل 'تشاد ومالي والنيجر
والسنغال'، وكانت هذه المملكة من أقوى وأعرق الممالك الإسلامية في إفريقيا
ومملكة 'الصنغاي'، وغيرها من الممالك القوية التي دفعت بالإسلام إلى
الداخل الإفريقي.

ولكن
وللأسف الشديد أصاب المسلمون هناك، ما أصاب إخوانهم في الشمال، وفى كل
مكان، إذ دب بينهم التفرق والخلاف، واقتتلوا فيما بينهم، وصارت الممالك
تتقاتل فيما بينها، بدوافع قبلية ودنيوية محضة، فاقتتلت مملكة 'الصنغاي'
مع مملكة 'مالي'حتى دمرتها، ثم قامت مملكة المغرب أيام حكم 'المنصور
السعدي'بتدمير مملكة 'الصنغاي'، وانهارت مملكة 'غانا' بالاقتتال الداخلي
وهكذا أكلت هذه الممالك الإسلامية بعضها بعضاً، في نفس الوقت الذي كان فيه
أهل الكفر من الغرب والشرق يجمعون صفوفهم ويوحدون راياتهم استعداداً
للانقضاض على العالم الإسلامي .



قبائل الفولاني ونهضة الإسلام
وعلى
الرغم من انهيار الممالك الإسلامية الكبيرة، إلا إن القبائل المسلمة قامت
بدورها في نشر الإسلام، واستكمال الدور الدعوى الذي كانت تقوم به الممالك
وربما بصورة أفضل، ومن أشهر القبائل المسلمة :


1. قبائل الماندينج وتنتشر في مالي والسنغال وجامبيا وغينيا وسيراليون وساحل العاج .
2. قبائل الولوف والتوكلور في السنغال ومالي .
3. قبائل الهاوسا في النيجر وشمالي نيجيريا وبنين والتوجو وبوركينافاسو .
4. الكانورى في شمال شرق نيجيريا والكاميرون .
ولكن
أعظم وأشهر القبائل الإفريقية وأشدها تحمساً لنشر الإسلام وتمسكاً به هي
قبائل [الفولاني] وهي التي تحملت مسئولية إعادة نهضة الإسلام وإقامة
الممالك الإسلامية من جديد .


دخل
الفولانيون الإسلام على أيدي المرابطين في القرن الخامس الهجري، فتحمسوا
له واستعلوا به، وكانوا في الأصل من الرعاة الذين يتحركون باستمرار سعياً
وراء الماء والكلأ، وكان موطنهم الأصلي حوض السنغال، ولكنهم انتشروا في
قلب إفريقيا من السنغال إلى تشاد إلى قلب وغرب إفريقيا في 4 هجرات شهيرة،
تفرعت خلالها هذه القبيلة الضخمة إلى عدة فروع، ولكن أهم هذه الفروع
وأكثرها أثراً في نشر الدعوة الإسلامية وعودة النهضة الإسلامية للقلب
الإفريقي، وهى هجرة الفولانيين إلى نيجيريا، وفى هذا الفرع ظهر صاحبنا،
الذي أعاد المجد والعزة للإسلام بقلب إفريقيا وهو الأمير الفولاني [عثمان
دان فوديو] .



النشأة والتكوين
ولد
بطلنا الهمام [عثمان دان فوديو] في بلدة 'طفل' على أطراف إقليم 'جوبير'
[شمال نيجيريا الآني سنة 1168 هجرية ـ 1754 ميلادية، وكلمة فودي تعنى
الفقيه واسمه الأصلي [محمد]، فلقد كان والده معلم القرآن والحديث في
قريته، وينتسب 'عثمان' إلى قبيلة الفولاني العريقة في الإسلام، وفي هذه
البلدة الصغيرة، وفي هذا الجو الديني الطاهر، نشأ 'عثمان' فدرس اللغة
العربية وقرأ القرآن وحفظ متون الأحاديث، وقد ساعده والده على تنمية ملكة
التعمق في العلوم الدينية لما رأى فيه من حبه للدين وخدمته.


كان لهذه التربية والجو
الإيماني الذي نشأ فيه [عثمان] أثر بالغ في تكوين شخصيته وتوجهاته، فشب
ورعاً تقياً، أماراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، مجتنباً لما اعتاد عليه
قومه من أساليب في الحياة، شديد الكره والعداء للقبائل الوثنية في إقليم
'جوبير' الذي ولد فيه، لذلك قرر [عثمان] مرافقة أبيه في رحلته الطويلة إلى
الحج، وذلك وهو في سن الشباب .



نقطة التحول الكبرى
لقد
كان ذهاب [عثمان بن فودي] لأداء مناسك الحج مع أبيه، نقطة تحول كبرى في
حياة البطل الهمام، ذلك أنه قدم مكة المكرمة، والدعوة السلفية للشيخ [محمد
بن عبد الوهاب] في أوج قوتها وانتشارها، حيث كان الشيخ [محمد بن عبد
الوهاب]، مازال حياً، يعلم الناس التوحيد الخالص ويحارب البدع ويرد على
المبتدعة وأصحاب الأهواء، فلما وصل [عثمان بن فودي] هناك التقى مع المشايخ
والدعاة السلفيين وسمع منهم الدعوة السلفية وأسلوب الحركة وكيف قامت؟ وكيف
انطلقت من منطقة 'الدرعية' لتشمل الجزيرة كلها، وحضر مجالس العلم للشيخ
[محمد بن عبد الوهاب] .

قرر
[عثمان بن فودي] البقاء لفترة بمكة للاستزادة من الدعوة السلفية وعلومها
ومناهجها وتأثر بها بشدة، ذلك لأن بلاده كانت مليئة بالبدع والخرافات،
امتزج فيها الإسلام بالعادات الوثنية، وكانت العادات القبلية تحكم حياة
المسلمين، بل هو نفسه كان يتدين بكثير من البدع والأوراد غير الصحيحة
والسبب في ذلك أن الإسلام انتشر في هذه المناطق بنشاط دعاة الطرق الصوفية،
وأصبح معنى التدين مرادفاً لمعنى التصوف، لذلك قرر [عثمان] المكوث لتصحيح
مسار حياته وعباداته .

نستطيع
أن نقول أن ذهاب [عثمان بن فودي] إلى الحج والتقاءه مع دعاة وعلماء الحركة
السلفية، وتلقيه لمبادئ وأسلوب هذه الحركة نقطة تحول كبرى في حياة هذا
الرجل ولعل هذا من رحمة الله عز وجل بالأمة المسلمة بإفريقيا، ونصرة عظيمة
للإسلام والمسلمين لما سيقوم به هذا الرجل من جهود كبيرة لخدمة الدين
والأمة .


جهاد الدعوة
عاد
[عثمان بن فودي] إلى بلاده في إقليم 'جوبير' في شمال نيجيريا، وفى نيته
نشر الدعوة السلفية في بلاده، ومحاربة البدع المتفشية هنالك، والتمهيد
لنقل التجربة السلفية والتي سبق وأن نجحت في جزيرة العرب، إلى بلاده في
إفريقيا، فأخذ في دعوة أهله وإخوانه إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع
والشركيات ومحاربة الطرق الصوفية، فاستجاب لدعوته كثير من أبناء قريته
'طفل'، فأسس [عثمان بن فودي] حركة دعوية على منهج السلف وأطلق عليها اسم
[الجماعة] .

أخذت
الدعوة السلفية وحركتها المسماة بالجماعة تنتشر بين القبائل الإفريقية،
ودخل فيها أفراد من عدة إمارات، ومن شعوب عدة منها الهاوسا، والطوارق،
الزنوج، إضافة إلى قبيلته الأصلية 'الفولاني' التي كانت أكثر القبائل
انضماماً لدعوته وحركته، ثم حققت دعوة [عثمان بن فودي] نجاحاً كبيراً في
نشر الإسلام بين القبائل الوثنية المنتشرة في شمال وجنوب نيجيريا، ويوما
بعد يوم ازدادت جماعته قوة ونجاحاً واتساعاً وأصبح الصدام وشيك ومع قوى
الشر والضلال .



الصراع الأبدي
إن
من سنن الله عز وجل الماضية في خلقه، هي سنة التدافع بين الحق والباطل،
فكلاهما في صراع أبدي منذ بدء الخليقة إلى قيام الساعة، أتباع الحق
يصارعون أتباع الباطل، هذا يدفع هذا، وهذا يتصدى لهذا، كما قال تعالى
[الذين أمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت
….] النساء 76، وعملاً بهذه السنة الماضية، فلقد ضاق من ملوك إقليم
'جوبير' وكانوا من الوثنيين من نشاط جماعة [عثمان بن فودي]، وكذلك ضاق
أصحاب الطرق الصوفية المنتشرة في إفريقيا منها وخاصة بعد انصراف الكثير من
مريديها إلى الجماعة السلفية، واتفق الفريقان من غير موعد على عداوة
الحركة الجديدة، ولكن اختلفت المواجهة، ففي حين اتبعت الطرق الصوفية طريقة
التشنيع والكذب والتضليل، قرر أمراء 'جوبير' الوثنيون إتباع أسلوب
المواجهة المسلحة .


أرسل هؤلاء الأمراء
يتهددون الجماعة السلفية، ويتوعدون زعيمها [عثمان بن فودي] بأشد أنواع
الوعيد والتهديد، فعندها اجتمع المجاهد العظيم مع رفاقه، واستشارهم في
كيفية مواجهة هذه التهديدات، فأشار الجميع وهو أولهم بوجوب إعلان الجهاد
على الكفار وأعداء الدين وذلك سنة 1804 ميلادية ـ 1218 هجرية .


بمجرد
أن أعلن [عثمان بن فودي] الجهاد على الوثنيين حتى أتاه المسلمون من كل
مكان في شمال نيجيريا يبغون نصرة إخوانهم ضد الكفار، فلقد كان لإعلان
الجهاد مفعول السحر في نفوس المسلمين، إذ عادت لهم الحمية والحماسة
لدينهم، وفى نفس الوقت جاءت مساعدات كبيرة لأمراء 'جوبير' من باقي إمارات
الهاوسا [ غرب نيجيريا]، واستعدت المنطقة بأسرها لفصل جديد من فصول الصراع
الأبدي بين الإسلام والكفر، انتهى بفضل الله عز وجل لصالح الجماعة
المؤمنة، وانتصرت الدعوة السلفية على الجماعات الوثنية وأصبح [عثمان بن
فودي] أميراً على المنطقة الواقعة في شمال غرب نيجيريا، وبايعه المسلمون
هناك أميراً عليهم، وتلقب من يومها بالشيخ إقتداءً وتأسياً بالشيخ [محمد
بن عبد الوهاب]، واتخذ من مدينة 'سوكوتو' في أقصى الطرف الشمالي الغربي
لنيجيريا مركزا لدعوته وذلك سنة 1809 ميلادية ـ 1223 هجرية .



بناء الدولة الإسلامية
لم
يكن [عثمان بن فودي] من الرجال الذين يبحثون عن زعامة أو إمارة، وبمجرد
حصوله عليها يكف عن سعيه وجهاده ويجلس للتنعم بما حازه وناله، بل كان يبغي
نصرة الإسلام ونشره بين القبائل الوثنية، يبغي الدعوة لهذا الدين في شتى
أرجاء القارة السوداء .

لذلك
قرر [عثمان بن فودي] العمل على إعادة بناء الدولة الإسلامية من جديد،
وتوسيع رقعة الإسلام بالجهاد ضد القبائل الوثنية التي اجتمعت على حرب
الإسلام ودعوته الجديدة .

قرر
[عثمان بن فودي] إتباع إستراتيجية الجهاد على عدة محاور، وضم الشعوب
الإسلامية تحت رايته، فضم إليه عدة شعوب وقبائل مسلمة كانت متناثرة
ومختلفة فيما بينها، وبدأ بالتوسع في ناحيتي الغرب والجنوب الغربي، حيث
قبائل 'اليورومبا' الكبيرة، والتي هي أصل الشعوب الساكنة في النيجر
ونيجيريا، فدانت له هذه القبائل ودخلت في دعوته، وأخذت الدولة الإسلامية
في الاتساع شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت أقوى مملكة إسلامية في إفريقيا وقتها .



عثمان بن فودي وسياسة بناء الكوادر
لقد
كان [عثمان بن فودي] رجل دولة من الطراز الأول، وداعية مجاهداً مخلصاً
لدينه وأمته، ولقد أدرك أن بقاء الدعوة السلفية والدولة الإسلامية التي
بناها في غرب إفريقيا لن يصمد طويلاً، إذا لم تتحرك هذه الدعوة وتنتشر
مبادئ السلفية بين الناس، وأيضاً إذا لم تتسع وتتمدد دولته الإسلامية التي
بناها بجهاده سنين طويلة .

ومن
أجل تحقيق هذا الهدف السامي اتبع [عثمان بن فودي] سياسة حكيمة تقوم على
بناء الكوادر التي تواصل حمل الراية ونشر الدعوة، وكان لعثمان بن فودي عين
فاحصة تستطيع انتقاء النجباء والأبطال وحملة الدعوة، خاصة وأن فتوحاته
التي قام بها في غرب 'نيجيريا' قد حركت الحماسة والحمية للإسلام في قلوب
الكثيرين، ومن هؤلاء الكثيرين انتقى [عثمان بن فودي] ثلاثة نفر كان لهم
أعظم الأثر والدور الكبير في خدمة الإسلام والمسلمين، أولهم الشيخ [أدم]
وهو شيخ من أهل العلم من أهل الكاميرون، قد حركت فتوحات [عثمان بن فودي]
حب الجهاد في قلبه، وبدأ يدعو الناس إليه وإلى نشر الإسلام في القبائل
الوثنية، فلما وصلت أخباره للأمير [عثمان بن فودي] أرسل يستدعيه من
الكاميرون سنة 1811 ميلادية ـ1226 هجرية، فلما حضر جلس معه وكلمه عن
مبادىء الحركة وعقيدة السلف، وأقنعه بوجوب الجهاد فى سبيل الله لنشر
الإسلام فى قلب القارة الإفريقية، فلما انشرح صدر الشيخ [أدم] للفكرة،
أعطاه [عثمان] رايته البيضاء وهى رايته فى الجهاد، وكلفه بمواصلة الجهاد
حتى ينشر الإسلام فيما يلى نهر البنوى جنوباً وهو فرع كبير من فروع نهر
النيجر العظيم، فقام الشيخ [أدم] بالمهمة على أكمل وجه، حتى أدخل بلاد
الكاميرون كلها فى الإسلام، وكافأه الأمير [عثمان بن فودى] بأن جعله
أميراً على الكاميرون، وظلت الإمارة فيهم حتى احتلال الإنجليز للكاميرون
سنة 1901 ميلادية ـ 1319 هجرية .

&أما الرجل الثانى -à
فكان أحد جنود [عثمان بن فودى] واسمه [حمادو بارى] وقد اشترك فى معركة
الجهاد الأول ضد أمراء 'جوبير' الوثنيين، وبتواصل الجهاد، بانت نجابته
وظهرت شجاعته وإخلاصه لنشر الدين، فكلفه [عثمان] بفتح بلاد الماسنيا
'واقعة فى مالى الآن' ونجح [حمادو] فى مهمته خير نجاح، فكافأه [عثمان] بأن
أعطاه لقب [الشيخ] وجعله أميراً على منطقة الماسنيا، وأمره بمواصلة الجهاد
لنشر الإسلام، ولقد أثبت الأمير [حمادو الشيخ] أنه من أنجب وأفضل تلاميذ
الإمام [عثمان بن فودى]، فلقد نظم دولته على نسق دولة الخلافة الراشدة،
حيث قسمها إلى عدة ولايات، وأقام على كل ولاية والياً وقاضياً ومجلساً
للحكم، كهيئة استشارية للحكم الإسلامى على الكتاب والسنة، وعمر البلاد
فازدهرت دولته بقوة ووصلت إلى 'بوركينافاسو' و'سيراليون' و'غينيا بيساو' .

[size=16]&أما


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: تكملة شخصيات تجاهلها التاريخ(عثمان بن فودي).   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:03

الرجل الثالث ---> فكان الحاج [عمر] وأصله من قبائل الفولانى عشيرة
[عثمان بن فودى]، ولد سنة 1797 هجرية، أى أنه كان فى أوائل شبابه، والإمام
[عثمان بن فودى] فى أواخر حياته، ولكن هذا الشاب، قدر له أن يجتمع مع
الإمام، وذلك أن [الحاج عمر] كان محباً للدعوة والجهاد، فلما اشتد عوده
قرر الرحيل إلى بلد الإمام [عثمان] ليراه ويسمع منه وبالفعل ذهب إليه ورأه
الإمام [عثمان] فتفرس فيه النجابة والفطنة والشجاعة، فنصحه بأن يذهب إلى
[حمادو الشيخ] ويلتحق بخدمته، لعله أن يكون خليفته [حمادو الشيخ] بعد
رحيله فى قيادة المملكة الإسلامية هناك، وبالفعل نجح [الحاج عمر] أن يلتحق
بخدمة [حمادو الشيخ] ويخلفه بعد رحيله، وقاد القبائل الإسلامية قيادة
عظيمة وكان جيشه يقدر بأربعين ألف مقاتل، وحارب الوثنيين والفرنسيين على
حد السواء، وتولى أولاده من بعده قيادة المسلمين فى هذه المنطقة التى
ابتليت بأشرس هجمة صليبية فى تاريخ البشرية .[/size]

**
وبالجملة نجح الإمام المجاهد [عثمان بن فودى]، وأعظم أمراء إفريقيا فى
بناء قاعدة عريضة من المجاهدين والقادة والأمراء الذين قادوا الأمة
المسلمة فى قلب إفريقيا، وأقاموا أعظم الممالك الإسلامية فى هذه البقعة
الغامضة عن ذهن أبناء المسلمين الآن .

ولقد
توفى الإمام المجاهد الأمير [عثمان بن فودى] سنة 1818 ميلادية ـ 1233
هجرية، بعد أن أعاد للإسلام مجده، وأدخل الدعوة السلفية المباركة إلى
القلب الإفريقى، وابقى للإسلام دولة قوية ظاهرة صامدة أمامهجمات الأعداء،
حتى بعد وقوعها فريسة للاحتلال الصليبى، بقيت القلوب حية، مجاهدة، تقاوم
الأعدء، تحافظ على دينها وعزتها، فجزا الله عز وجل هذا الإمام على ما قدمه
للإسلام فى إفريقيا، ورفع درجاته فى عليين مع المهديين .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: معركة وادي المخازن   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:08

الزمان/ الاثنين 30 جمادى الآخرة ـ 986 هجرية.

المكان/ وادي المخازن ـ المغرب الأقصى.

بلاد المغرب عبر التاريخ:

مفكرة الإسلام
: يتميز تاريخ المغرب الإسلامي بعدد من الظواهر التي تميزه عن سائر بلاد
الإسلام: منها طول الفترة التي استغرقها الفتح الإسلامي، حيث استغرق 70
سنة كاملة حتى الفتح التام العام للمغرب كله، حروب عنيفة وطاحنة بين
المسلمين العرب والبربر الوثنيين، والتي انتهت بدخول البربر في دين الله
أفواجًا، بعدما احتكوا بالمسلمين، وتعرفوا على فضائل الإسلام وأخلاقه، ومن
الظواهر أيضًا أن أهل المغرب دخلوا جميعًا في دين الله أفواجاً، فلم تبقَ
هناك أقليات غير مسلمة بالبلاد، والأكثر من ذلك أن هذا التاريخ قد انتهى
إلى وحدة دينية مذهبية بلا نظير في أي مكان في العالم الإسلامي، فأهل
المغرب جميعهم من أقصاه إلى أدناه على مذهب أهل السنة والجماعة، لا يوجد
بينهم رافضي واحد.


عندما
دخل المسلمون الفاتحون لبلاد المغرب قاموا بتقسيم البلاد إدارياً
وجغرافياً إلى أربعة أقسام كبرى؛ وهي [إفريقية وهي تونس/ والمغرب الأوسط/
والسوس/ والمغرب الأقصى], وهذه الأقسام الأربعة تمثل أربع دول وهي: [تونس/
والجزائر/ والمغرب/ وموريتانيا], ويبدأ تاريخ الفتح الإسلامي للمغرب
العربي من سنة 28 هجرية، وهو العام الذي فتح فيه المسلمون بلاد إفريقية
"تونس" بعد معركة طاحنة مع الروم والبربر عند مدينة "سبيطلة" وبعدها انساح
المسلمون الفاتحون في بلاد المغرب العربي, وبرزت أسماء لامعة في سماء
البطولة والفتح الإسلامي مثل "عقبة بن نافع"، "والمهاجر أبو دينار"،
و"زهير بن قيس" و"حسان بن النعمان" و"موسى بن نصير" الذي يعد الفاتح
الأكبر لبلاد المغرب ثم الأندلس.


وعلى
مدى عشرة قرون منذ الفتح الإسلامي لبلاد المغرب تداولت السلطة بها عدة
دول: بعضها قوي والآخر ضعيف, وبعضها مجاهد والبعض الآخر تابع، ومن أمثال
تلك الدول [دولة الأغالبة "184 - 297 هجرية"/ ودولة الأدارسة "172 - 343
هجرية"/ ودولة الرستميين "164 - 296 هجرية
" وهى
دولة كانت تحكم أجزاءً متفرقة من البلاد وليست كلها/ ثم الدولة الفاطمية
الشريرة "297 - 362 هجرية"/ ثم الدولة المرابطية العظيمة "448 - 541
هجرية"/ ثم الدولة الموحدية الكبيرة "541 - 668 هجرية"/ والدول الثلاث
الأخيرة حكمت بلاد المغرب كلها]، ثم ظهرت عدة دول متفرقة مثل دولة "بني
حفص"، ودولة "بني الواد"، ودولة "بني وطاس"، وكلها دول صغيرة خرجت من
عباءة دولة الموحدين، واستقلت بحكم أجزاء متفرقة من بلاد المغرب، ومن هذه
الدول كانت أيضاً دولة الأشراف السعديين التي استقلت بحكم المغرب الأقصى
منذ سنة 948 هجرية.


العثمانيون وتوحيد بلاد المغرب:

رغم
أن ظهور نجم الدولة العثمانية يعود لسنة 700 هجرية, إلا أن هذه الدولة
العظيمة لم تتجه ببصرها إلى ناحية المغرب الإسلامي إلا في عهد السلطان
"سليمان القانوني", وذلك سنة 925 هجرية وذلك لانشغال الدولة في الجهاد
ناحية الشمال بأوروبا، وناحية الشرق ضد روسيا وإيران والتتار، وكانت
البداية إسقاط الدولة المملوكية بمصر، ومنها انطلق العثمانيون إلى بلاد
المغرب في رحلة شاقة من أجل توحيد بلاد المغرب، والقضاء على الدول الضعيفة
التابعة للصليبيين الإسبان والبرتغاليين، حتى إن حكام تلك الدول كانوا
أشبه بولاة وعمال عند ملوك الصليبيين، وبالفعل استطاع العثمانيون بفضل
الله وحده، ثم بجهود رجال عظام من عينة "خير الدين بربروسا" وأخيه "عروج"
و"صالح الريس" و"قلج علي" و"حسن الطوشي" وغيرهم، أن يفتحوا بلاد المغرب من
ليبيا إلى تونس، ثم الجزائر, وقضوا على الدول الخاضعة للصليبيين، وأزالوا
كل المراكز والنقاط الاستعمارية التي أنشأها الإسبان والبرتغال على
السواحل الإسلامية ببلاد المغرب الإسلامي، ولكن بقيت بلاد المغرب الأقصى
تحت حكم الدولة السعدية، التي وقفت أمام الفتح الإسلامي العثماني بدعاوى
باطلة مثل: العصبية، والقبلية، والوطنية إلى غير ذلك، ولكن السبب الحقيقي
هو الحرص على السلطة وكرسي الحكم.


كان
السبب الحقيقي وراء رفض الدولة السعدية الانضمام لسلطة العثمانيين هو
سلطان الدولة السعدية في تلك الفترة واسمه "الغالب بالله"، وكان أهوج أحمق
سفاكاً للدماء، قتل ثلاثة من إخوته لرفضهم البيعة لولده "محمد المتوكل" من
بعده، ما جعل بقية إخوته يفرون منه خوفًا من القتل، ثم أضاف لجناياته
السابقة جناية أشد منها شناعة ونذالة، وهى الغدر بمسلمي الأندلس الثائرين
على اضطهاد الصليبيين الإسبان لهم سنة 976 هجرية، وذلك لأنه وعدهم بالعون
والمساعدة، ثم أسلمهم لعدوهم وخذلهم، بل قام بأدهى من ذلك عندما أخبر
الصليبيين الإسبان بتلك الثورة وتفاصيلها، وميعاد قيامها، ما أدى لإحباط
تلك الثورة، وبقاء المسلمين تحت نير الصليبيين، وإنما قام هذا الخائن
بتقديم كل هذه القرابين من دم وأرواح وعرض المسلمين من أجل ضمان مساعدة
الدول الأوروبية الصليبية له في تحديه للدولة العثمانية.


على درب الخيانة:

ظل
سلطان السعديين "الغالب بالله" على خيانته للمسلمين، وعمالته لصليبيي
أوروبا عامة وإسبانيا والبرتغال خاصة، وصمد أمام محاولات الدولة العثمانية
لتوحيد بلاد المغرب الإسلامي كلها، حتى هلك غير مأسوف عليه سنة 981 هجرية،
وقد ارتاحت منه البلاد والعباد، ولكن خلفه ولده "أبو عبد الله محمد
المتوكل على الله"، وكان صنو أبيه وعلى نفس منهجه وسار خلفه على درب
الخيانة، فعمل على التقرب والتزلف لأعداء الإسلام من صليبيي أوروبا، ليضمن
مساعدتهم له ضد الدولة العثمانية، فعقد اتفاقية تجارية مفتوحة مع
الإنجليز، ووقع معاهدة دفاع مشترك مع الإسبان والبرتغاليين.


(ونحن
نرى لوقتنا الحاضر أن أولى خطوات التمهيد للعدوان على بلاد الإسلام هو
توقيع أمثال هذه المعاهدات والاتفاقيات التي تتيح بموجبها الفرصة لأعداء
الإسلام بالتدخل في شئون المسلمين، وفرض شروط الذلة والصغار عليهم، كما
يحدث الآن من سعي دولة الكفر والعدوان أمريكا من إجبار الدول الإسلامية
العربية من التوقيع على اتفاقية اقتصادية حرة مع أمريكا بموجبها يتم ربط
كل مقدرات واقتصاديات تلك الدول بالاقتصاد الأمريكي والبقية معروفة).


كانت
بلاد المغرب الأقصى ذات موقع استراتيجي مهم جداً، فهي منتهى الحدود
الغربية للعالم الإسلامي، وثغر مهم أمام أعداء الإسلام في الشمال، لذلك
اهتم العثمانيون بفتحها وضمها لأملاكهم لتأمين حدود الدولة الإسلامية،
وتخفيف الضغط الصليبي الرهيب على مسلمي الأندلس، فعمل العثمانيون على
إزاحة الخائن ابن الخائن "محمد المتوكل" المتحالف مع أعداء الإسلام، وذلك
عن طريق تشجيع عمه الأمير "عبد الملك السعدي" الذي سبق أن فر من بطش أخيه
"الغالب بالله"، وقد جاءت الفرصة مناسبة لذلك عندما انشغل ملك إسبانيا
الصليبي "فيليب الثاني" – وهو أكبر حليف للخائن "محمد المتوكل" - بأحداث
ثورة الأراضي المنخفضة بأوروبا الغربية وخروجه للقتال مع بابا روما ملك
فرنسا، فأعد العثمانيون جيشاً قوامه خمسة آلاف مقاتل بأحدث الأسلحة وقاده
الأمير "عبد الملك"، واستطاع الانتصار على ابن أخيه "محمد المتوكل" الذي
فرّ هاربًا من المغرب، والتجأ إلى ملك البرتغال المشهور "سبيستيان".


كان
الأمير "عبد الملك السعدي" ذا همة وإرادة حديدية وملكات قيادية بارزة،
فعمل على إصلاح بلاد المغرب، فنظم التجارة وجدد الأسطول، وأسس الجيش على
أحدث النظم، وفرض احترامه على أهل عصره، حتى الأوروبيين احترموه وأجلّوه،
وقال عنه معاصروه: [كان "عبد الملك" فكره نيراً بطبيعته، وكان يحسن اللغات
الإسبانية والإيطالية والأرمينية والروسية، وكان شاعراً مجيداً للشعر,
باختصار فإن معارفه لو كانت عند أمير من أمرائنا لقلنا: إن هذا أكثر مما
يلزم بالنسبة إلى نبيل، فأحرى بملك، والفضل ما شهدت به الأعداء].


الخائن والحاقد:

بعدما
رأى الخائن المخلوع "محمد المتوكل" ما حل به من هزيمة وفقدان ملكه، وضياع
مملكته وطرد من البلاد، فهام على وجهه، ثم استقر في النهاية على رأي
شيطاني، وهو الاستعانة بألد أعداء الإسلام وقتها وهو ملك البرتغال
"سبيستيان" وعقد معه معاهدة خبيثة يلتزم فيها "سبستيان" بمساعدة المخلوع
"محمد المتوكل" على استعادة سلطانه المفقود، وطرد عمه "عبد الملك" من بلاد
المغرب في حين يلتزم فيها "محمد المتوكل" بالتنازل عن جميع سواحل المغرب
للصليبيين البرتغاليين، وقطعاً وجد "سبستيان" في ذلك الفرصة التي لا
تعوّض، فوافق فوراً على هذه المعاهدة الشيطانية، وانتقل المخلوع "محمد
المتوكل" للإقامة بطنجة انتظاراً للإمدادات الصليبية القادمة من البرتغال.


وكان
الأمير "سبستيان" البرتغالي يضطرم بشخصية حاقدة وعقلية استعمارية في آن
واحد، فلقد وافق على هذه الصفقة الشريرة لسببين مهمين وهما:


-
أراد "سبستيان" أن يمحو العار الذي لحق بالبرتغاليين على يد المغاربة
الذين وجهوا لهم ضربات موجوعة ينسحبون من مدن "أسفي/ أزمور/ أصيلاً"
وغيرها، وذلك في زمان أبيه "يوحنا الثالث" سنة 960 هجرية.


أراد
"سبيستان بن يوحنا" أن يخوض حربًا مقدسة ضد المسلمين الكفار؛ حتى يعلو
شأنه بين ملوك أوروبا، خاصة بعد أن زاد غروره بما حققه البرتغاليون من
اكتشافات جغرافية جديدة أراد أن يستفيد منها من أجل تطويق العالم الإسلامي.


الخدعة الفاشلة:

وصلت
أخبار مخطط الخيانة "لعبد الملك السعدي" وحلفائه العثمانيين، فاستعدوا
لقتال المعتدين, وأرسل السلطان العثماني "سليم الثاني" فريقاً عسكرياً
كاملاً لمساعدة "عبد الملك" في الدفاع عن بيضة الإسلام، ودوّت صيحة الجهاد
المقدس في جنبات المغرب الأقصى، أن اقصدوا وادي المخازن للجهاد في سبيل
الله، وتقاطر المسلمون من أنحاء المغرب للاشتراك في الدفاع عن حوزة
الإسلام.


وهنا
حاول الخائن المخلوع "محمد المتوكل" أن يخترق هذا التلاحم الإيماني، فكتب
إلى أهل المغرب كتاباً يحاول فيه خداعهم، وكان مما قال فيه: [إني ما
استنصرت بأهل العدوة "ولم يسميهم صليبيين للخداع" حتى عدمت النصرة من
المسلمين، وقد قال العلماء: إنه يجوز للإنسان أن يستعين على من غصبه حقاً
ما أمكنه، ثم ختم كتابه بتهديدهم قائلاً: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من
الله ورسوله]، فكيف كان رد أهل المغرب عليه؟!


قام
"عبد الملك السعدي" بإحالة رسالة الخائن إلى علماء المغرب حتى يردوا
عليها، فقاموا بالرد عليها رداً باهراً مؤيداً بالأدلة والبراهين التي
دحضت أباطيله، وفضحت زروه وبهتانه، وخيانته للإسلام والمسلمين، وهكذا يكون
دور العلماء الربانيين في مواجهة شبهات المبطلين، وأكاذيب المروجين لأعداء
الإسلام، وما أحوج أمتنا لمثل هذا الدور في أيامنا هذه التي كثرت فيها
شبهات أعداء الإسلام.


معركة الملوك الثلاثة:

أقبل
"سبستيان" البرتغالي بجيش صليبي جرار يقدر بمائة وخمسة وعشرين ألفاً، منهم
عشرون ألفاً من الإسبان، وثلاثة آلاف من ألمانيا وسبعة آلاف إيطالي،
والباقي من البرتغاليين والأرمن ومعهم أربعون مدفعاً، وفى المقابل كان جيش
المسلمين يقدر بأربعين ألفاً، ومعهم أربعة وثلاثون مدفعاً، ومعنوياتهم
عالية جداً يقودهم "عبد الملك السعدي" ومعه أخوه "أحمد" الملقب "بالذهبي"،
وقد قسم "عبد الملك" الجيش، فجعل المدفعية في المقدمة، ثم صفوف الرماة,
وعلى الجانبين الرماة الفرسان، ثم جعل قوة احتياطية كبيرة من الفرسان
للتدخل في الوقت المناسب.


نزل
الصليبيون عند منطقة القصر الكبير، وخاف أهلها من سطوة الأعداء عليهم،
واستبطئوا وصول الجيش، وعزموا على الفرار خارج المدينة والتحصن بالجبال،
ولكن قام أحد العباد المجاهدين وهو الشيخ "أبو المحاسن يوسف الفاسي"
بتثبيت الناس حتى لا يهربوا، وخطب فيهم وحثهم على
الثبات والجهاد في سبيل الله عز وجل، حتى قويت عزائمهم، وأصروا على البقاء والدفاع عن مدينتهم.

(وهذا يوضح أهمية وجود أمثال هذه العناصر المثبتة من العلماء والعباد الذين يقودون الناس أوقات الأزمات والشدائد).

كان
الأمير "سبستيان" رجلاً مغروراً متعصباً لدينه ولرأيه، سريع الغضب شديد
الحقد، وتلك صفات جعلته لا يستمع لآراء قادة جيوشه الذين أشاروا عليه
بالتقدم لاحتلال مدن "تطوان" و"العرايش" و"القصر"، وأصر على البقاء في
معسكره بمنطقة "القصر الكبير" انتظاراً لقدوم جيش
المسلمين،
وكان مما زاد في إصراره على البقاء انتظاراً لوصول المسلمين الرسالة
الذكية التي استفز بها الأمير "عبد الملك السعدي" الأمير "سبستيان" عندما
قال له فيها: [إن سطوتك قد ظهرت في خروجك من أرضك، وجوازك العدوة، ولكن لا
يليق أن تهجم على السكان العزل، وتخرب المدن الخالية من المقاتلين، فإن
ثبت مكانك حتى آتيك بالجنود والسلاح فأنت نصراني شجاع وإلا فأنت كلب بن
كلب].


وفى
صباح يوم الاثنين 30 جمادى الآخرة 986 هجرية، وقف الجيشان في يوم مشهود من
أيام الإسلام عامة والمغرب خاصة، ووقف السلطان "عبد الملك السعدي" خطيباً
في الناس مذكراً بوعد الله عز وجل للصادقين والمجاهدين بالنصر، وذكرهم
بوجوب الثبات والانتظام، وذكرهم بحقيقة مهمة جداً عندما قال: [إن انتصرت
الصليبية اليوم فلن تقوم للإسلام بعدها قائمة، وقرأ آيات الجهاد]، واشتاقت
النفوس للشهادة، وفى المقابل لم يألُ القسس والرهبان في إثارة حماس
جنودهم, مذكرين أن البابا قد أحلهم من أوزارهم وخطاياهم، وطهّر أرواحهم من
الدنس، وأن كل من سيموت في هذه الحرب سيدخل الجنة بلا شك!


انطلقت
عشرات الطلقات النارية من مدافع الفريقين إيذاناً ببدء المعركة، وكان
السلطان "عبد الملك" قد قام بخطة محكمة استدرج بها "سبستيان" لموقع
القتال، وعزله عن أسطوله الرابض بالبحر المتوسط بعدما قام بهدم القنطرة
الموجودة على نهر وادي المخازن، وهذا الأمر أفقده ميزة الانسحاب المنتظم
عند الهزيمة.


احتدم
القتال في أرض المعركة، والبطل الكبير قائد المسلمين "عبد الملك السعدي"
يخترق الصفوف كالسهم وهو يقاتل قتال الأسود، وهو رأس حربة المسلمين في
القتال يمهد لهم السبيل والطريق لاختراق صفوف الصليبيين، هذا كله رغم مرضه
الشديد الذي كان يعاني منه منذ أن خرج من مراكش للجهاد، وهذا الإقدام
والمباشرة للقتال بنفسه جعل علته تزداد عليه بشدة، حتى حملوه مدنفاً إلى
خيمته وهو في النزع الأخير، وقد أصر هذا البطل الشجاع أن يعطينا درساً في
الحزم والشجاعة، حتى وهو يجود بروحه عندما فاضت روحه وهو واضع إصبعه على
فمه إشارة لمن معه
عند وفاته بألا يخبروا أحداً من الجنود بوفاته، حتى لا تنهار معنوياتهم أمام عدوهم، وتولى القيادة مكانه أخوه الأمير "أحمد المنصور".

قام
البطل الجديد "أحمد المنصور" بقيادة الجيش، وقلبه مشحون بالغيظ والعزم على
النصر، فصدم مؤخرة الجيش البرتغالي بمنتهى العنف، وأشعلوا النار في خيام
معسكر الصليبيين، وانقضت كتيبة المجاهدين المتطوعين على فرق الرماة
الصليبية، ففتكت بها فتكاً ذريعاً واضطرب الجيش الصليبي بشدة، وبدأوا في
الفرار من أرض المعركة إلى قنطرة نهر وادي المخازن لركوب الأسطول والفرار،
ولكنهم فوجئوا بتهدمها، فوقفوا مصعوقين مذهولين ماذا يفعلون، فإذا بكتائب
فرسان المسلمين من خلفهم، فقفز معظم الجيش الصليبي في النهر هرباً من سيوف
المسلمين، فغرق
معظمهم
في مياه النهر الهادرة التي أصبحت قبراً لهم، وكان على رأس من ابتلعتهم
مياه النهر رمز الخيانة والغدر المخلوع "محمد المتوكل"، الذي لا تكفيه
مياه الأنهار والمحيطات لتطهره من دنس خيانته، وخطيئته في حق دينه وأمته،
أما الأمير "سبستيان" فقد نال جزاءه وقتل،
وحوله
ألوف تدافع عنه، واستمرت هذه المعركة أربع ساعات وثلث الساعة، وانتهت بفوز
ساحق وباهر للإسلام وأهله، وقد مات في هذه المعركة ثلاثة ملوك، بطل مجاهد
نحتسبه شهيداً وهو "عبد الملك السعدي"، وخائن مخلوع وهو "محمد المتوكل"،
وصليبي حاقد وهو "سبستيان" ملك البرتغال.


أدت
هذه المعركة الخالدة لتأمين حدود دولة الإسلام من ناحية الغرب، وسقط نجم
نصارى البرتغال في عالم البحار، واضطربت دولتهم، وضعفت شوكتهم، يقول
المؤرخ البرتغالي "لويس ماريه" واضعاً نتائج المعركة: [وهو العصر النحس
بالغ النحوسة "هذا الوصف لا يجوز شرعاً" الذي
انتهت
فيه مدة الصولة والظفر والنجاح, وانتهت فيه أيام العناية من البرتغال،
وانطفأ مصباحهم بين الأجناس، وزال رونقهم، وذهبت نخوتهم وقوتهم، وخلفها
الفشل الذريع، وانقطع الرجاء، واضمحل الغنى والربح، وهو ذلك العصر الذي
هلك فيه "سبستيان" في القصر الكبير في بلاد المغرب].


المصادر:

· تاريخ الدولة العثمانية/ موسوعة التاريخ الإسلامي/ وادي المخازن.

· عوامل نهوض وسقوط الدولة العثمانية/ أطلس تاريخ الإسلام.

· التاريخ الإسلامي.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: معركة عين وردة [1]   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:09

تمثل
حادثة كربلاء ومقتل الحسين رضي الله عنه فيها، نقطة فاصلة في حياة
المسلمين عمومًا وأهل العراق خصوصًا، ذلك لأن هذه الحادثة المفجعة أدت
لظهور حركات كثيرة بعدها تدثرت بعباءة الحسين رضي الله عنه، وهو منها
براء، كما أن هذه الحادثة أورثت أهل العراق ذنبًا لا يمكن محوه أو نسيانه
عبر القرون، وهذا الذنب هو تخلفهم عن نصرته بعد أن طلبوا منه القدوم إليهم.




في
سنة 64هـ اجتمعت الشيعة في الكوفة ـ والشيعة وقتها لا علاقة لها مطلقًا
بشيعة اليوم ـ على الصحابي الجليل سليمان بن صرد الخزرجي، وكان من فضلاء
الصحابة وزهادهم، وتحالفوا وتقاسموا على الأخذ بثأر الحسين وذلك تكفيرًا
منهم عن ذنبهم الثقيل، وقرروا الخروج لقتال ابن زياد وقتلة الحسين، ولو
ذهب في ذلك كل ما يملكون من نفس وولد ومال، وأطلقوا على أنفسهم التوابين
كناية عن توبتهم من ذنبهم المعروف.




أقبل
الناس من كل أنحاء العراق ينضمون لهذه الثورة، فازداد التوابون وزعيمهم
سليمان بن صرد نشاطًا وحماسًا وعزمًا، وأراد الشيعة استعجال الخروج ولكن
سليمان ثبطهم حتى لا ينكشف أمرهم بسرعة, لكن تطور الأحداث بعد موت يزيد بن
معاوية ومبايعة الأمصار لابن الزبير، وظهور شخصية المختار الثقفي المشهور
باسم «الكذاب» والذي شق صف الشيعة، كل هذه الأمور دفعت «سليمان بن صرد»
لأن يعلن ثورته في 5 ربيع ثان سنة 65هـ ويطلق صيحته الشهيرة «يا ثارات
الحسين» وهي أول مرة ينادى بهذه الصيحة في بلاد العراق، ولكن التوابين
فوجئوا بأن الاستجابة الفعلية كان ضعيفًا, فرغم الآلاف الذين تعاطفوا مع
الحركة وأبدوا استعدادهم للانضمام عند الحركة الفعلية لم ينضم سوى أربعة
آلاف، وحاول العقلاء منع سليمان من الخروج بسبب ضخامة جيش ابن زياد وأهل
الشام ولكن سليمان أصر على الخروج بعدما يئس من وصول المزيد من المتطوعين.


قبل
الخروج للقتال اجتمع التوابون عند قبر الحسين وأخذوا في البكاء والنحيب
وخطبهم سليمان خطبة بليغة، ثم قاموا بتوديع قبر الحسين في مشهد جنائزي
كبير يمثل الإرهاصة الأولى للبدعة الشنيعة الفظيعة التي يقوم بها الشيعة
الآن يوم كربلاء [10 محرم من كل سنة]، ثم تقدموا لقتال أهل الشام عند
منطقة «عين ورد» ـ في سوريا الآن ـ وكان جيش الشام أربعين ألفًا وجيش
التوابين أربعة آلاف، وفي يوم 22 جمادى الأولى سنة 65هـ التقى الجيشان في
حرب غير متكافئة ورغم شجاعة وبطولة التوابين انتهت المعركة بهزيمتهم
وانتهاء ثورتهم بعد مقتل زعيمهم سليمان بن صرد رضي الله عنه, وقد نال جيش
الشام خسائر كبيرة أيضًا، ولقد أدت هذه الثورة وهذه المعركة لظهور حركة
المختار الثقفي الكذاب المعروف برجل الفتنة الكبرى, وفي أيامه ظهرت معظم
ضلالات الشيعة وبدعهم.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: طرد اليهود من الأندلس [2]   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:11

عاش
اليهود في كنف دولة الإسلام في الأندلس، بكل خير ورفاهية ورغد عيش، فلا
أحد يفكر أن يظلمهم أو يصادر حقوقهم، وانتظم كثير منهم في سلك الوظائف
العامة، حتى ولي بعضهم مناصب خطيرة مثل الوزارة والحجابة، وزاد ثراء هذه
الطبقة، وعاشوا على أفضل ما يكون في ظل عدالة الشريعة الإسلامية، وسماحة
المسلمين المعهودة مع الذين لم يقاتلهم في الدين.




ولما
سقطت دولة الإسلام في الأندلس في 21 محرم سنة 897هـ، وجاء الحكم الصليبي
الإسباني للبلاد، كان أول قرار تم اتخاذه هو إنشاء ديوان التحقيق أو
التفتيش الإسباني, وكان الهدف منه مطاردة الكفار بزعمهم وحماية المذهب
الكاثوليكي من الشبهات والضلالات، وكان اليهود هم أول ضحايا سياسة
العنصرية والمحو التي رسمتها إسبانيا الصليبية، وكان القرار الذي أصدره
الملكان فريناندو وإيزابيلا في 22 جمادى الأولى 897هـ ـ 30 مارس 1492م،
والقاضي بأن يغادر سائر اليهود الذين لم يتنصروا من أي سن وظرف إسبانيا في
غضون أربعة أشهر من تاريخ القرار، ولا يعودوا إليها أبدًا، ويعاقب
المخالفون بالموت والمصادرة، فتنصر كثير منهم حفاظًا على أرواحهم وأموالهم
وهام الباقون على وجوههم في الأرض، بين الحرمان والتجريد والتشريد.


الجدير
بالذكر أن الدولة العثمانية قد وافقت على إيواء هؤلاء اليهود المطرودين في
ولاياتها وذلك أيام السلطان سليمان القانوني، وكان ردهم على هذا المعروف
العظيم، التآمر على إسقاط هذه الدولة وذلك عبر تنظيم يهود الدونمة الشهير.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: الانقلاب الشيوعي الثاني في أفغانستان [3]   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:12

أفغانستان
بلد مسلم أصيل، يعتز شعبه الأبيّ بانتسابه للإسلام، لذا فهو متمسك به
وبشدة، ولقد تعاقب على حكم أفغانستان عدة أسر، منها الأسرة الدورانية التي
أسسها أحمد شاه سنة 1163هـ واستمرت في الحكم محمد ظاهر شاه الذي آلت إليه
الأمور وهو في التاسعة عشرة من العمر، فسار أول الأمر سيرة حسنة على صيت
أبيه محمد نادر خان بطل الأفغان المشهور، ثم فتن بالحياة الغربية, وبدأت
الشعارات والأفكار العلمانية تتسلل إلى البلد المسلم النظيف تحت مسمى
التقدم والتطور والخروج من العزلة ومواكبة العالم المتحضر, وهكذا حتى وجد
محمد طاهر شاه نفسه ذات مرة وهو في رحلته المعتادة والدورية لأوروبا،
مخلوعًا مطرودًا ممنوعًا من دخول بلاده، وذلك على يد ابن عمه «محمد داود»,
وقد استطاع أن يستولي على الحكم بمساعدة قوية وظاهرة من الاتحاد السوفيتي
الشيوعي وذلك سنة 1393هـ، وذلك في ظل تواطؤ غربي مع الروس، وموافقة منه
على مد النفوذ الشيوعي إلى أفغانستان، فتدفقت المساعدات الروسية السخية
على أفغانستان في كل المجالات، مع آلة الدعاية الشيوعية الكبيرة التي تروج
للأفكار والنظريات الماركسية واللينية.


المهم
أن محمد داود وصل لسدة الحكم بالمساعدة الشيوعية، وكان عليه أن يرد الدين
والمعروف! ويمكن للشيوعيين في البلاد، وهذا ما أخذ محمد داود في فعله ولكن
بصورة مرحلية وليس دفعة واحدة كما يطلب الشيوعيون، وأراد أن يتحرر محمد
داود شيئًا فشيئًا من القبضة الشيوعية الآخذة بخناقه، فزار بعض الدول
الإسلامية في سبيل إظهار حسن النية للمسلمين في بلاده وخارجها، ثم قام
بإعلان دستور جديد للبلاد، وأعلن إنهاء الحكم العسكري.




بالجملة
أدت تصرفات محمد داود وخطواته لزعزعة الثقة بينه وبين الشيوعيين، ثم ما
لبثت أن انعدمت بالكلية، وتبادل الطرفان الاتهامات الصريحة العلنية، وبدأ
الشيوعيون في اتباع نهجهم الثوري الانقلابي المعروف، فأثاروا الفوضى في
البلاد عن طريق الاغتيالات حتى داخل صفوفهم وأطلقوا التصريحات المضللة عن
حقيقة الأوضاع في أفغانستان، حتى اضطربت الأمور بشدة في البلاد.


لما
أحس محمد داود بالأصابع الشيوعية تعبث بأمن البلاد وأنها وراء سلسلة
الاغتيالات فبدأ في التحرك بسرعة لإحباط هذه المؤامرة الشيوعية وألقى
القبض على زعماء الشيوعية نور محمد تراقي وحفيظ الله أمين وبابرك كارمل
وأودعهم السجن، ولكن قبل أن يتابع ضرباته حدث الانقلاب ضده, ففي 22 جمادى
الأولى 1398هـ ـ 29 أبريل 1978م قام كل من «محمد غلاب زي» أحد قادة جناح
«خلق» والعميد الشيوعي عبد القادر بالانقلاب على محمد داود وألقوا القبض
عليه واستلم السلطة «نور محمد تراقي» زعيم حزب خلق وعرفت هذه الحركة في
أفغانستان باسم ثورة ساور أي ثورة أبريل، وهذا يعتبر التاريخ الحقيقي
لبداية الحكم الشيوعي في أفغانستان.


بعدما
استلم نور محمد تراقي السلطة أظهر الوجه الحقيقي للشيوعية القبيحة الملحدة
الكافرة, فقد وقع خمس عشرة ألف قتيل خلال اليوم الأول للانقلاب، وأخرج
محمد داود من السجن، ثم قام نور تراقي بإحضاره وأبنائه الـ 29، وقتلهم
الواحد تلو الآخر أمام عيني محمد داود، وهو يتلذذ بمنظر القتل والذبح،
وعرف محمد داود عاقبة التعامل مع أعداء الإسلام والشيوعيين.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: معركة سومنات 'فتح الهند الأعظم'   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:12

يعتبر دخول الإسلام إلى بلاد الهند الشاسعة أشبه
ما يكون بالملاحم الأسطورية التي سطرها كبار المؤلفين والمؤرخين، والإسلام
قد دخل بلاد الهند الضخمة والواسعة منذ القرن الأول الهجري، ولكنه ظل في
بلاد السند بوابة الهند الغربية فترة طويلة من الزمان، حتى جاء العهد الذي
اقتحم فيه الإسلام تلك البلاد الكبيرة المتشعبة الأفكار والعادات،
والمبنية على نظام الطبقات، فاصطدم الإسلام ليس فقط مع القوة المادية
والجيوش الحربية ولكنه اصطدم أيضا مع الأفكار الغربية والانحرافات الهائلة
و الضلالات المظلمة لذلك فإن معركة الإسلام مع الكفر بأنواعه الكثيرة
بالهند ظلت لمئات السنين، ومازالت قائمة حتى وقتنا الحاضر والذي نلمسه
جلياً في المذابح والمجازر السنوية والموسمية التي يقوم بها عباد البقر من
الهندوس ضد المسلمين، الذين تحولوا من قادة وحكام للبلاد إلى أقلية وذلك
رغم ضخامة أعدادهم مقارنة بغيرهم من بلدان العالم .



الإسلام والهند




بلاد الهند قديماً قبل التقسيم الحالي كانت تشمل بجانب الهند كلا من
[باكستان ، وأفغانستان، وبورما،] وغيرهم إلى حدود الصين، وكانت منقسمة إلى
بلاد الهند وبلاد السند، لذلك فلقد عرفت عند الجغرافيين باسم 'شبه القارة
الهندية' لضخامتها، ولقد دخل الإسلام إلى بلاد السند منذ الأيام الأولى
للدولة الإسلامية، وبالتحديد سنة 15 هجرية في خلافة 'عمر بن الخطاب'عن
طريق الحملات الاستكشافية التي قادها 'الحكم بن العاص' الذي وصل إلى ساحل
الهند، وتواصلت الحملات الاستكشافية أيام أمير المؤمنين 'عثمان بن عفان'
ولكنه رضي الله عنه رفض إرسال جيوش كبيرة خوفاً على المسلمين لبعد البلاد
واتساعها .





ظل الأمر هكذا حتى صدر الدولة الأموية وعندما تولى 'زياد بن أبيه' العراق
وما بعدها، فقرر أن يجعل سواحل الهند ولاية منفصلة سميت بالثغر، وتشمل
المساحة التي تلي [سجستان وزابلستان وطخارستان 'أفغانستان الآن] وكان أول
من تولاها رجل اسمه 'راشد بن عمرو' ومن يومها بدأت الحملات الجهادية
القوية للفتح الإسلامي للهند، وبرز رجال في تلك الحملات : أمثال [عباد بن
زياد وسعيد بن أسلم ومحمد بن هارون] وكلهم أكرمهم الله بالشهادة في ميادين
الجهاد .


كان
التحول الكبير في مسيرة الفتح الإسلامي للهند عندما تولى الشاب القائد
'محمد بن القاسم الثقفي' رحمه الله قيادة الحملات الجهادية بناحية السند،
وحقق انتصارات هائلة بالقضاء على ملك السند 'داهر
البرهمى' وفتح معظم بلاد 'السند' وضمها للدولة الإسلامية، وأزال عنها
شعائر الشرك والكفر والبوذية والبرهمية، وذلك سنة 89
هجرية، ولكن 'محمد بن القاسم' ما لبث أن راح ضحية لمؤامرة دنيئة قامت بها
'صيتا ابنة داهر' حيث ادعت وافترت عليه كذباً أنه أغتصبها، وسجن 'ابن
القاسم' ومات في سجنه، وحزن عليه أهل 'السند' حزناً شديداً، وبموته توقفت
حركة الفتح الإسلامي للهند .





وبعد ذلك انتفض ملوك 'الهند' و'السند' وعادوا إلى عروشهم، فلما تولى
الخليفة الراشد 'عمر بن عبد العزيز' كتب إلى ملوك 'السند' يدعوهم إلى
الإسلام والطاعة على أن يظل كل ملك منهم مكانه، وله ما للمسلمين وعليه ما
عليهم، فأجابوه، ودخلت بلاد 'السند' كلها في الطاعة المسلمين، وأسلم أهلها وملوكها وتسموا بأسماء العرب،
وبهذا أصبحت بلاد 'السند' بلاد إسلام، وقد اضطرب أمر 'السند' في أواخر
أيام بنى أمية، ولكنها عادت إلى الطاعة والانتظام في أيام 'أبى جعفر
المنصور' وفي أيامه افتتحت 'كشمير' ودخلت في دولة الإسلام، ولكن ظلت بلاد
'الهند' الغربية بعيدة عن الإسلام حتى ظهرت عدة دول محلية موالية للخلافة
العباسية، ولكنها مستقلة إدارياً وسياسياً ومالياً ، ومن أعظم تلك الدول
المحلية التي ساعدت على نشر الإسلام دولة الغزنويين وقائدها الفاتح الكبير
'محمود بن سبكتكين' .





الدولة الغزنوية

اسمها
مشتق من اسم عاصمتها وهى مدينة 'غزنة' الموجودة حالياً بأفغانستان وأصل
هذه الدولة يرجع إلى القائد 'سبكتكين' الحاجب التركي الذي عمل في خدمة
الأمير 'عبد الملك بن نوح السامانى' وترقى في المناصب وارتفعت به الأطوار
حتى نال رضا أمراء 'السامانية' فعينوه والياً على 'خراسان' و'غزنة'
و'بيشاور'، فكون نواة الدولة 'الغزنوية' وتفرغ لمحاربة أمراء وملوك
'الهند' وخاصة ملوك شمال 'الهند'، وأكبرهم الملك 'جيبال' الذي قاد ملوك
وأمراء الشمال الهندي، واصطدم مع المسلمين بقيادة 'سبكتكين' سنة 369هجرية،
وكان النصر حليفاً للمسلمين، فرسخ بذلك 'سبكتكين' الوجود الإسلامي وكذا
أركان دولته الوليدة ببلاد 'الأفغان' و'طاجيكستان' .



وكل ما قام به 'سبكتكين' كان باسم 'السامانيين' وملوك ما وراء النهر، ولم
يعلن استقلاله حتى وقتها، ثم قام بأداء أعظم مهمة لصالح الدولة
'السامانية' عندما قضى على قوة 'البوبهيين' الشيعة بنيسابور' سنة 383
هجرية، فقام الأمير 'نوح بن نصر السامانى' بتعين 'محمود بن سبكتكين'
والياً على 'نيسابور'ن وبالتالي غدت الدولة 'الغزنوية' أوسع من الدولة
'السامانية' نفسها، ومات 'سبكتكين' سنة 388 هجرية، وخلفه ابنه 'محمود'
لتدخل المنطقة عهداً جديداً من الفتوحات، لم تعرف مثله منذ أيام الخليفة
'الفاروق' .





الفاتح الكبير



لم يكد الأمر يستقر للقائد الجديد 'محمود بن سبكتكين' حتى بدأ نشاطاً
جهادياً واسعاً أثبت أنه من أعاظم الفاتحين في تاريخ الإسلام، حتى قال
المؤرخون أن فتوحه تعدل في المساحة فتوح الخليفة 'عمر بن الخطاب'، وقد
اتبع سياسة جهادية في غاية الحكمة تقوم أساساً على تقوية وتثبيت الجبهة
الداخلية عسكرياً وسياسياً وعقائدياً وهو الأهم فعمل على ما يلى :



1- القضاء على كل المذاهب والعقائد الضالة المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة مثل الاعتزال والتشيع والجمهية والقرامطة والباطنية ، والعمل على نشر عقيدة السلف الصالح بين لبلاد الواقعة تحت حكمه.


2-
قضى على الدولة 'البويهية' الشيعية والتي كانت من عوامل التفرق والانحلال
في الأمة الإسلامية كلها، حتى بلاغ بها الأمر في التفكير بالعودة للعصر
'الساسانى' الفارسى، واتخاذ ألقاب المجوس مثل 'شاهنشاه' وبالقضاء على تلك
الدولة الرافضية قدم السلطان 'محمود' أعظم خدمة للإسلام .



3- أزال الدولة السامانية' التي بلغت حالة شديدة السوء من الضعف والانحلال أثرت بشدة على سير الحملات الجهادية والفتوحات على الجبهة الهندية .


4-أدخل بلاد الغور وسط 'أفغانستان' وهى مناطق صحراوية شاسعة
في الإسلام، وأرسل إليهم معلمين ودعاة وقراء، وقضى على دولة 'القرامطة'
الصغيرة بالملتان، وكان يقودها رجل اسمه 'أبو الفتوح داود' وأزال عن هذه
البلاد العقائد الضالة والفرق المنحرفة مثل الباطنية والإسماعيلية .



5-
أعلن خضوع دولته الضخمة وتبعيتها للخلافة العباسية ببغداد وخطب للخليفة
العباسي 'القادر بالله' وتصدى لمحاولات وإغراءات الدولة الفاطمية للسيطرة
على دولته، وقام بقتل داعية الفاطميين 'التاهرتى' الذي جاء للتبشير
بالدعوة الفاطمية ببلاد 'محمود بن سبكتكين'، وأهدى بغلته إلى القاضي 'أبى
منصور محمد بن محمد الأزدى' وقال 'كان يركبها رأس الملحدين، فليركبها رأس
الموحدين' .


وهكذا
ظل السلطان 'محمود بن سبكتكين' يرتب للبيت من الداخل ويقوى القاعدة
إيمانياً وعقائدياً وعسكرياً، ويكون صفاً واحداً استعداداً لسلسلة الحملات
الجهادية الواسعة لفتح بلاد 'الهند' .






فتوحات الهند الكبرى


بدأ السلطان محمود فتوحاته الكبيرة ببلاد 'الهند' من مركز قوة بعد أن ثبت
الجبهة الداخلية لدولته، فقد كان يسيطر على سهول 'البنجاب' فكانت مداخل
الجبال وممر خيبر الشهير في يده، وكذلك لم يكن هناك مناؤى أو معارض داخلي
للسلطان 'محمود' يعيق حملاته الجهادية، والهضبة الإيرانية كلها تحت حكمه
وسيطرته، لذلك البداية في غاية القوة .




بدأت الحملات الجهادية بحملة كبيرة على شمال 'الهند' سنة 392 هجرية، حيث
انتصر السلطان 'محمود' على ملك الهند الكبير والعنيد 'جيبال' وجيوشه
الجرارة، ووقع 'جيبال' في الأسر، فأطلقه السلطان 'محمود' لحكمه يعلمها
الله ثم هو : وهى إذلاله نتيجة حروبه الطويلة ضد المسلمين منذ أيام والده
السلطان 'سبكتكين'، وكان من عادة الهنود أنه إذا وقع منهم في أيدي
المسلمين أسيراً لا تنعقد له بعدها رياسة، فلما رأى 'جيبال' ذلك حلق رأسه
ثم أحرق نفسه بالنار، فاحترق بنار الدنيا قبل الآخرة.




غزا السلطان 'محمود' بعد ذلك أقاليم : 'ويهنده'، و'الملثان'، و'بهاتندة'،
ثم حارب 'أناندابال'، وانتصر عليه، وأزال حكمه من شمال 'الهند' تماماً
وقضى على سلطانه في 'البنجاب' وبعد ذلك مباشرة عمل على نشر الإسلام الصحيح
في كل نواحى 'السند' إلى حوض 'البنجاب' .




تصدى السلطان 'محمود' لمحاولة أمراء شمال 'الهند' استعادة ما أخذ
المسلمون، وانتصر عليهم في معركة هائلة سنة 398 هجرية، وفتح أحصن قلاع
'الهند' قلعة 'بيهيمنكر' على جبال 'الهملايا'، وأخضع مدينة 'ناردبين' أحصن
وأقوى مدن إقليم 'الملتان' .




وفي سنة 408 هجرية فتح السلطان 'محمود' إقليم 'كشمير'، وحوله لبلد مسلم،
وكان لهذا الفتح صدى بعيد نتج عنه دخول العديد من أمراء 'الهند' في
الإسلام، وعبر السلطان 'محمود' بجيوشه نهر 'الكنج' أو 'الجانح' وهدم نحو
عشرة آلاف معبد هندوسى، ثم هاجم أكبر مراكز 'البراهمة' في 'موجهاوان'
وواصل تقدمه وهو يحطم أية قوة هندية تبرز له، ويحول المعابد الهندوسية إلى
مساجد يعبد الله فيها وحده، وقد أخذ السلطان 'محمود' على عاتقه نشر
الإسلام في بلاد الهند والقضاء على الوثنية فيها، وبلغ في فتوحاته إلى حيث
لم تبلغه في الإسلام راية ولم تتل به قط سورة ولا آية .





فتح سومنات



استمر السلطان 'محمود بن سبكتكين' في حملاته وفتوحاته لبلاد 'الهند' وكان
كلما فتح بلداً أو هدم صنماً أو حطم معبداً قال الهنود : إن هذه الأصنام
والبلاد قد سخط عليها الإله 'سومنات' ولو أنه راض عنها لأهلك من قصدها
بسوء، ولم يعر السلطان 'محمود' الأمر اهتمامه حتى كثرت القالة، وأصبحت
يقيناً عند الهنود، فسأل عن 'سومنات' هذا فقيل له : إنه أعظم أصنام وآلهة
الهنود، ويعتقد الهنود فيه أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه على
عقيدة التناسخ فيعيدها فيمن شاء، وأن المد والجزر الذي عنده إنما هو عبادة
البحر له .




يقع 'سومنات' على بعد مائتي فرسخ من مصب نهر 'الجانح' بإقليم 'الكوجرات'
في غرب الهند، ولهذا الصنم وقف عشرة آلاف قرية، وعنده ألف كاهن لطقوس
العبادة، وثلاثمائة رجل يحلقون رءوس ولحى زواره، وثلاثمائة رجل وخمسمائة
امرأة يغنون ويرقصون على باب الصنم، وأما الصنم 'سومنات' نفسه فهو مبنى
على ست وخمسين سارية من الصاج المصفح بالرصاص، و'سومنات' من حجر طوله خمسة
أذرع، وليس له هيئة أو شكل بل هو ثلاث دوائر وذراعان .




عندما اطلع سلطان الإسلام السلطان 'محمود' على حقيقة الأمر عزم على غزوه
وتحطيمهن وفتح معبده : ظناً منه أن 'الهند' إذا فقدوه ورأوا كذب ادعائهم
الباطل دخلوا في الإسلام، فالسلطان 'محمود' لا يبغى من جهاده سوى خدمة
ونشر الإسلام فاستخار الله عز وجل،وخرج بجيوشه ومن انضم إليه من المتطوعين
والمجاهدين وذلك في 10 شعبان سنة 416 هجرية، واخترق صحارى وقفار مهلكة لا
ماء فيها ولا ميرة، واصطدم بالعديد من الجيوش الهندية وهو في طريقه إلى
'سومنات'، مع العلم أنه أعلم الجميع بوجهته وهدفه، ليرى الهنود إن كان
'سومنات' سيدفع عن نفسه أو غيره شيئاً .




بلغ السلطان 'محمود' بجيوشه مدينة 'دبولواره' على بعد مرحلتين من
'سومنات'، وقد ثبت أهلها لقتال المسلمين ظناً منهم أن إلههم 'سومنات'
يمنعهم ويدفع عنهم، فاستولى عليها المسلمون، وحطموها تماماً، وقتلوا جيشها
بأكمله، وساروا حتى وصلوا إلى 'سومنات' يوم الخميس 15 ذي القعدة سنة 416
هجرية، فرأوا حصناً حصيناً على ساحل النهر، وأهله على الأسوار يتفرجون على
المسلمين واثقين أن معبدوهم يقطع دابرهم ويهلكهم .




وفي يوم الجمعة 16 ذي القعدة وعند وقت الزوال كما هي عادة المسلمين
الفاتحين زحف السلطان 'محمود' ومن معه من أبطال الإسلام، وقاتلوا الهنود
بمنتهى الضراوة، بحيث إن الهنود صعقوا من هول الصدمة القتالية بعدما ظنوا
أن إلههم الباطل سيمنعهم ويهلك عدوهم، ونصب المسلمون السلالم على أسوار
المدينة وصعدوا عليها وأعلنوا كلمة التوحيد والتكبير وانحدروا كالسيل
الجارف داخل المدينة، وحينئذ اشتد القتال جداً وتقدم جماعة من الهنود إلى
معبدوهم 'سومنات' وعفروا وجوههم وسألوه النصر، واعتنقوه وبكوا، ثم خرجوا
للقتال فقتلوا جميعاً وهكذا فريق تلو الآخر يدخل ثم يقتل وسبحانه من أضل
هؤلاء حتى صاروا أضل من البهائم السوائم، قاتل الهنود على باب معبد الصنم
'سومنات' أشد ما يكون القتال، حتى راح منهم خمسون ألف قتيل، ولما شعروا
أنهم سيفنون بالكلية ركبت البقية منهم مراكب في النهر وحاولوا الهرب،
فأدركهم المسلمون فما نجا منهم أحد، وكان يوماً على الكافرين عسيراً، وأمر
السلطان 'محمود' بهدم الصنم 'سومنات' وأخذ أحجاره وجعلها عتبة لجامع غزنة
الكبير شكراً لله عز وجل .






أعظم مشاهد المعركة



لهذا المشهد نرسله بصورة عاجلة لكل الطاعنين والمشككين في سماحة وعدالة
الدين الإسلامي، وحقيقة الجهاد في سبيل الله وأن هذا الجهاد لم يرد به
المسلمون أبداً الدنيا وزينتها، بل كان خالصاً لوجه الله، ولنشر دين
الإسلام وإزاحة قوى الكفر وانطلاقاً من طريق الدعوة الإسلامية .




أثناء القتال الشرس حول صنم 'سومنات' رأى بعض عقلاء الهنود مدى إصرار
المسلمين على هدم 'سومنات' وشراستهم في القتال حتى ولو قتلوا جميعاً عن
بكرة أبيهم، فطلبوا الاجتماع مع السلطان 'محمود' ، وعرضوا عليهم أموالاً
هائلة، وكنوزاً عظيمة في سبيل ترك 'سومنات' والرحيل عنه، ظناً منهم أن
المسلمين ما جاءوا إلا لأجل الأموال والكنوز فجمع السلطان 'محمود' قادته،
واستشارهم في ذلك، فأشاروا عليه بقبول الأموال للمجهود الضخم والأموال
الطائلة التي أنفقت على تلك الحملة الجهادية، فبات السلطان 'محمود' طول
ليلته يفكر ويستخير الله عز وجل، ولما أصبح قرر هدم الصنم 'سونمات'، وعدم
قبول الأموال وقال كلمته الشهيرة (وإنى
فكرت في الأمر الذي ذكر، فرأيت إذا نوديت يوم القيامة أين 'محمود' الذي
كسر الصنم ؟ أحب إلى من أن يقال : الذي ترك الصنم لأجل ما يناله من
الدنيا؟!)




وهكذا نرى هذا الطراز العظيم من القادة الربانيين الذين لم تشغلهم الدنيا
عن الآخرة، ولا أموال الدنيا وكنوزها عن نشر رسالة الإسلام وخدمة الدعوة
إليه، والذين ضربوا لنا أروع الأمثلة في بيان نصاعة وصفاء العقيدة
الإسلامية، وأظهروا حقيقة الجهاد في سبيل الله وغاياته النبيلة .






المصادر:


الكامل في التاريخ / التاريخ الإسلامي / تاريخ الخلفاء

أطلس تاريخ الإسلام / البداية والنهاية / النجوم الزاهرة

أيعيد التاريخ نفسه / سير أعلام النبلاء / فتوح البلدان

وفيات الأعيان / موسوعة التاريخ الإسلامي

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: معركة البويب الطاحنة   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:14


size]






الهزيمة الطارئة :



منذ
أن رفعت راية الجهاد على الجبهة العراقية فى بداية السنة الثانية عشرة من
الهجرة على يد القائد المظفر 'خالد بن الوليد'، وخاض المسلمون معارك طاحنة
هائلة، وكلها متقاربة فى التوقيت، واستطاع المسلمون بفضل الله عز وجل وحده
أن يحققوا النصر فيها كلها، حتى جاء يوم الجسر بعد أن تغيرت القيادة لحاجة
الجبهة الشامية للعبقرية الخالدية، وأصبح القائد الجديد هو 'أبو عبيد
الثقفى'، ولم يكن على نفس المستوى الفنى لقيادة الجيوش المسلمة بالعراق،
فحقق عدة انتصارات، حتى وقع فى غلطة عسكرية كبيرة أثناء معركة الجسر أدت
لهزيمة المسلمين لأول مرة من الفرس، ومما ساعد على مضاعفة حجم الخسائر
تهور أحد الجنود المسلمين حين قطع الجسر الذى كان يمثل خط الرجوع الوحيد
للمسلمين، مما أدى لغرق كثير من المسلمين بنهر الفرات، وإصابة الكثير من
المسلمين بجراحات خطيرة أثناء محاولاتهم إعادة ربط الجسر المقطوع، ومن
هؤلاء المصابين القائد 'المثنى بن حارثة'، والذى تولى قيادة المسلمين بعد
استشهاد 'أبى عبيد الثقفى' .


كان
لوقع هذه الهزيمة الطارئة على المسلمين أثر بالغ فى سياسة الخليفة 'عمر بن
الخطاب' من حيث إرسال الإمدادات، وتجهيز الجيوش المسلمة،خاصة بعد أن فر
كثير من الجنود من أرض معركة الجسر، وهاموا على وجوههم خجلاً وحزناً من
مصابهم، ولم يبق مع الأسد الجريح 'المثنى بن حارثة' سوى ثلاثة آلاف فقط،
فسمح الخليفة ولأول مرة
لمن سبقت ردته بالاشتراك مجاهداً فى سبيل الله، وذلك بعد أن حظر عليهم
الاشتراك فى الفتوحات، وكان كثير منهم يتحرق شوقاً لذلك تكفيراً عن خطيئته
السابقة، وقام الفاروق أيضاً بتجميع قبيلة 'بجيلة' وكانت متفرقة بين القبائل
وذلك بناء على طلب سيدهم الصحابى الجليل 'جرير بن عبد الله البجلى'، وصارت
تلك القبيلة عماد الجيوش الإسلامية بالعراق، وبذلك استطاع الخليفة 'عمر بن
الخطاب' أن يسد الفراغ الناشىء بعد الهزيمة الطارئة بمعركة 'الجسر' .






أليس الصغرى :



دائماً
يظن أعداء الإسلام أن المسلمين أضعف وأقل من أن يفيقوا من الضربات التى
توجه إليهم، ولكن جند الإسلام المخلصين لا توهنهم أمثال هذه العثرات
الطارئة، فهم على استعداد تام لتلقين الأعداء الدرس تلو الآخر، ففى اليوم
التالى لمعركة الجسر مباشرة خرج قائدان من أكبر قواد الفرس وهما 'جابان'
و'مرادنشاه' للتنزه على ظهور الخيل فرحاً بانتصارهم على المسلمين، وهم
يحسبون أن المسلمين قد فروا بلا رجعة من العراق، ولكن أسد الله الجريح
'المثنى' قد بث عيونه وجواسيسه بالمنطقة خوفاً من أن تصل إمدادات فارسية
جديدة للمنطقة، بينما المسلمون عددهم ثلاثة آلاف فقط، وبالتالى يكون على
استعداد تام لمواجهة كافة الاحتمالات .


نقلت
هذه الاستخبارات خبر خروج 'جابان' و'مرادنشاه' للنزهة فى قلة من حراسهم،
نقلوا ذلك للقائد 'المثنى' الذى قرر توجيه ضربة موجعة للفرس، حتى لا
يتمادوا فى طغيانهم، فقاد 'المثنى' مجموعة مختارة من فرسانه للقيام بعملية
فدائية ضد 'جابان' و'مرادنشاه'، وبالفعل استطاع 'المثنى' أن يأسرهما، وفى
الحال قرر 'المثنى' إعدامهما فوراً، وقال لهما فى غيظ : 'أنتما غررتماه
وكذبتماه واستفززتماه' ثم ضرب عنقيهما بيده فى الحال، ليعلم أعداء الإسلام
أنه لا رحمة فى قلوب المسلمين تجاه أعدائهم، وكانت هذه الضربة المؤلمة عند
منطقة 'أليس'، وقد جعلت الفرس يفيقون من سكرتهم ونشوتهم بالنصر الطارىء
الذى حققوه على المسلمين .





الكافر بن المؤمن :



كان
القائد الكبير 'رستم' بحكم خبرته العسكرية الكبيرة والطويلة يعلم أن
الهزيمة الطارئة يوم الجسر لا تمثل تغييراً كبيراً فى ميدان القتال، فقرر
التجهيز والتحضير لجيش جرار للقضاء على جيش المسلمين الصغير بالعراق، لذلك
طلب الاجتماع مع ملكة الفرس 'بوران بنت كسرى'، وكانت ذات حكمة مشهورة، ومن
أذكى النساء وأدهاهن، وأعلمهن بشئون الحرب، اجتمع بها كى يطلب منها
اعتمادات مالية ضخمة لتجهيز جيش جديد، ويكون ذلك على وجه السرعة، وقبل
وصول الإمدادات للمسلمين والتى قد وصل خبر قدومها لرستم وبالفعل وافقت 'بوران' على ذلك .



قرر
'رستم' أن يعد جيشاً جديداً يحشد فيه أقوى الأسلحة الفارسية إلا وهو سلاح
الفرسان، وجعل على قيادته القائد 'مهران بن باذان'، والعجيب أن 'مهران'
هذا والذى يعتبر من أمهر قادة الفرس
هو بن 'باذان'، وهو من جملة الصحابة، وكان عاملاً لكسرى على اليمن، ودخل
فى الإسلام بعدما تيقن من نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبلى 'باذان'
فى حروب الردة بلاءً حسناً حتى مات مسلماً فى جملة الصحابة، فكان هذا
القائد الجديد 'مهران' يستحق وصف الكافر بن المؤمن، فالأب مؤمن يحارب فى
سبيل الله ونصرة الإسلام والابن كافر، قائد لجيوش الكفر، يحارب فى سبيل
المجوسية وعبادة النار .


بالفعل
تم إعداد جيش فارسى من أقوى الجيوش التى أعدت لحرب المسلمين، ويتكون من
مائة ألف فارس، وخمسين ألفاً من المشاة، يقودهم أمهر القادة الفرس :'مهران
بن باذان'، مدعوماً من القيادة الملكية الفارسية، وموعوداً بأعظم المكافآت
والإقطاعات فى حالة النصر على المسلمين .



استراتيجية القيادة الإسلامية :



كان
القائد المثنى بن حارثة من أمهر وأقدر وأخبر القادة المسلمين بالعقلية
الفارسية والبيئة العراقية، لأنه من قبيلة 'شيبان' المجاورة للفرس، فهو
يعلم تماماً كيف يفكر الفرس، ويعلم تحركاتهم وردود أفعالهم، لذلك اتبع
استراتيجية عسكرية حكيمة، فقرر نقل مركز القيادة المسلمة من الحيرة إلى
منطقة 'البويب' غرب نهر الفرات، حتى لا يصبح صيداً سهلاً للجيش الفارسى
الجرار، وكان اختيار 'البويب' دليلاً على العبقرية الفذة، 'فالبويب' تقع
على أطراف الصحراء العربية، وهو مكان واسع المطرد يصلح لحرب الصاعقة التى
يجيدها أبناء الإسلام العرب، وفى نفس الوقت أرسل 'المثنى' إلى قادة
الإمدادات الإسلامية القادمة ليتوجهوا إلى منطقة 'البويب' بدلاً من
'الحيرة' على وجه السرعة، مما جعل قادة الإمدادات يقررون ترك النساء
والذرية خلفهم فى منطقة 'القادسية'، مع ترك حامية خاصة للدفاع عنهم، وهذا
الفعل جعل حركة الإمدادات فى منتهى السرعة .


لم
يكن 'المثنى' مخطئاً فى تصرفه هذا، فما كادت الإمدادات تصل لأرض 'البويب'
حتى طلع الجيش الفارسى العرمرم على ضفة نهر الفرات الشرقية، ولنا أن نتخيل
هذا اللقاء الدامى بين جيش الفرس الذى يقدر بمائة وخمسين ألفاً من الفرسان
والمشاة، جاءوا فى أفضل تسليح، وكانوا فى غاية الحنق والغيظ ضد المسلمين،
وكذلك فى غاية الكبر والتيه لانتصارهم الطارىء فى معركة الجسر، وجيش
المسلمين المكون من أثنى عشر ألفاً من المقاتلين الأشداء الذين يتحرقون
شوقاً للشهادة فى سبيل الله، وللانتقام لقتلاهم يوم الجسر، والتكفير عن
ذنب الفرار من المعركة يومها، وهى معادلة من وجهة النظر المادية المجردة
من أسباب السماء محسومة لصالح الفرس المتفوقين فى كل شىء إلا الإيمان،
والذى لا ترجح معه أعظم قوة فى العالم .



حاول
القائد الفارسى 'مهران' استدراج القائد المسلم 'المثنى' لأن يقع فى نفس
الخطأ الذى وقع فيه قائد معركة الجسر 'أبوعبيد الثقفى'، وعرض عليه أن يعبر
المسلمون النهر 'الفرات'، لتكون أرض المعركة فى الضفة الشرقية، وبالتالى
يكون المسلمون محاصرون بين الضغط الفارسى أمامهم ومياه النهر فى ظهورهم،
وكان الخليفة الراشد 'عمر بن الخطاب' بعد يوم الجسر قد أوصى قادة الفتح
بوصية نافعة ، فقال : {لايعبر المسلمون بحراً ولا جسراً إلا بعد ظفر}،
فامتنع 'المثنى' من تكرار غلطة 'أبى عبيدة'، وعمل بنصيحة أمير المؤمنين،
ورفض أن يعبر النهر، وطلب من الفرس أن يعبروا هم النهر إلى 'البويب' .






***[
يجب على المسلمين أن يتعلموا من أخطائهم السابقة، ليستفيدوا فى مواجهات
المستقبل التى مازالت تتكرر وتقع على المسلمين، عملاً بحديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم : {لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين}
والعجيب أن المسلمين ما زالوا يكررون أخطاء الماضى، فى غفلة غريبة وذهول
مريب كأنه ما من دماء أريقت ولا أرض ضاعت ولا مقدسات سلبت، مازال المسلمون
يصدقون أعدائهم، ويثقون فيمن لا عهد له ولا ذمة، والضحية الحقيقية لهذه
الغفلة هى أمة الإسلام] .



طلب
القائد 'المثنى بن حارثة' من جيش المسلمين أن يفطروا، لأن المعركة كانت فى
شهر رمضان، والصوم يضعف قوة المقاتل فى المعركة، فنادى فى الجند :{إنكم
صوام، والصوم مرهقة مضعفة، وإنى أرى من الرأى أن تفطروا، ثم تقووا بالطعام
على قتال عدوكم}، فأطاع الجند وأفطروا جميعاً .



**[
وهكذا تكون الجندية طاعة كاملة لأوامر القائد الحكيم الفقيه، إذ ربما
يعترض البعض ويؤثر الصيام على الفطر، فيضعف عن القتال، وربما يكون سبباً
للهزيمة، وحالهم يشبه من قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما
رفضوا الفطر، وأصروا على الصيام فأضعفهم : {أولئك العصاة'، وقال صلى الله عليه وسلم {ليس من البر الصيام فى السفر} ] .



لما
تهيأ الفرس للهجوم كان لهم زجل وهمهمات، وأصوات عالية مشوبة بالكبر
والخيلاء والغطرسة، يؤدونها على صورة الأناشيد والأهازيج العالية، فلما
سمعهم 'المثنى بن حارثة' قال لجنوده :'إن الذى تسمعون فشل، فالزموا الصمت،
وائتمروا همساً'، وكان 'مهران' يقصد من وراء ذلك إضعاف الروح المعنوية
للمسلمين، وما درى أن تلكم الروح الثابتة مصدرها العقيدة السليمة،
والإيمان بالله عز وجل، وهو سلاح لا يقهر، وكان للقائد 'المثنى' فرس شموس
لا يركبها غيره، وكان لا يركبها إلا عند القتال، فاستوى على ظهرها، رغم
جراحه الشديدة التى مازال يعانى منها من معركة الجسر، ووقف يسوى الصفوف،
وأثناء ذلك رأى جندياً من المسلمين يحاول أن يستقل، فخرج عن الصف قبل
الالتحام فقال 'المثنى' : 'ما بال هذا ؟!' فقالوا له : 'هو ممن فر من
الزحف يوم الجسر وهو يريد أن يستقتل' يعنى تكفيراً عن فعلته، فقرعه
'المثنى' بالرمح تأديباً له على إخلاله بالانضباط، ثم قال له :'لا أباً لك
ألزم موقفك، فإن أتاك قرنك فأعنه عن صاحبك، ولا تستقتل' .



*'
فى ذلك درس عظيم لهؤلاء الذين يستعجلون من أجل مصلحة ومنفعة على حساب
المصلحة العامة، فهذا الجندى يريد أن ينال الشهادة ليكفر بها عن خطيئته ،
من الممكن جداً أن يكون سبباً للهزيمة، وسريان روح التسيب وعدم الالتزام
بالأوامر والنظام، ولربما يقتدى به غيره، فالمصلحة العامة، وطاعة القائد
المسلم مقدمة على المصلحة الخاصة وهوى ورغبات النفس، وإن كانت فى الشهادة
نفسها'



المعركة الطاحنة :


استعد
الفريقان للصدام المرعب 'بالبويب'، الفرس فى أكثر من مائة ألف، والمسلمون
فى أثنى عشر ألفاً لا غير، وكانت تعليمات 'المثنى بن حارثة' ألا يهجم
المسلمون إلا بعد ثلاث تكبيرات، ولكنه ما إن كبر التكبيرة الأولى حتى هجم
الفرس بكل قوتهم، وعاجلوا المسلمين فى ثلاث صفوف ضخمة، ومعهم سلاح الفيل،
وهم يرفعون أصواتهم بالزجل والأناشيد المجوسية، وكان الالتحام شديداً
للغاية، وتوازنت الكفتان أول الأمر لصبر الفريقين، وهذا الصبر جعل أمر
القتال يطول نسبياً، دون حسم من أى من الطرفين، والمثنى يجول على فرسه
الشموس يراقب سير المعركة، ويشد أزر المسلمين فى القتال، وأثناء ذلك رأى
خللاً فى صفوف قبيلة 'بنى عجل'، وكان القتال عند المسلمين على أساس قبلى
لإثارة الحمية والحماس، فأرسل إليهم رسولاً يقول لهم : 'إن الأمير يقرأ
عليكم السلام ويقول لا تفضحوا المسلمين اليوم'، فاعتدلوا فى القتال حتى
صاروا من أشد الناس فى القتال .



خالط
المسلمون الفرس، والتحم القلبان، واشتد القتال بصورة لم ير المسلمون
والفرس مثلها، وكان 'مسعود بن حارثة' أخو 'المثنى' هو قائد الفرسان، وكان
من أشجع الناس فى القتال، فنادى فى الناس وكأنه شعر بدنو أجله، واشتم رائحة الجنة، ورآها رأى العين فقال :
'إن رأيتمونى قتلت فلا تدعوا ما أنتم فيه فألزموا مصافكم، وأغنوا غناء من
يليكم' وفعلاً نال ما طلبه، وفاز بما سعى إليه، وسقط شهيداً، ولما رأى
أخوه 'المثنى' مصرعه، وتضعضع المسلمين نادى فيهم بأعلى صوته : 'يا معشر
المسلمين لا يرعكم مصرع أخى، فإن مصارع خياركم هكذا ' .






تطور القتال :



رأى
القائد الحكيم 'المثنى' أن أمر القتال سيطول جداً، وأن الفرس يقاتلون
بمنتهى الضراوة والشدة، فقرر تغير خطة القتال، ومحاولة اختصار سير المعركة
وذلك عن طريق ما يلى :



1. قتل
قائد عام جيش الفرس 'مهران' وذلك أقصر طريق لإنهاء القتال، ذلك لأن مقتل
القائد عادة يكون من أهم سبب فى الهزيمة، وقد جرب المسلمون ذلك فى عدة
معارك .



2. شن
هجوم مركز بقيادة 'المثنى' نفسه على قلب الجيش الفارسى لزحزحته وإبعاده
إلى الخلف، لخلخلة الثبات الفارسى فى القتال، وإحداث فوضى وارتباك فى
قطاعات الجيش الفارسى .



وبالفعل
قاد الأسد الجريح هجوما شرساً ومركزاً بأسلوب الصاعقة المفزع، لتحطيم
النفسية الفارسية المتكبرة، وكذلك النفسية المرعبة من المسلمين، وقاد
مجموعة من أفضل وأمهر فرسان المسلمين : مثل 'جرير البجلى' و'ابن الهوبر'
و'قرط بن جماح' و'المنذر بن حسان' وغيرهم، وضغطوا على القلب بمنتهى القوة
حتى أزالوه من القلب إلى ناحية اليمين،ثم واصل المسلمون ضغطهم حتى أجبروا
القلب على التراجع للخلف، ثم دب الوهن فى نفوس وحدات القطاع الأوسط،
فتراجعت هى الأخرى عن مواقعها، وبالتالى أصبحت أجنحة الفرس مكشوفة .



كان
قائد الفرس 'مهران' يقاتل مع قواته الخاصة قتالاً شرساً فى القلب رغم
تراجعه، وكان 'المثنى' حريصاً على قتل 'مهران' بأية صورة، وبأى ثمن، وكان
'مهران' على فرس وردى اللون، مدرعاً بنحاس أصفر واختلف فيمن تولى قتل
'مهران'، هل قتله 'المثنى' أم 'جرير بن عبد الله' أم 'المنذر بن حسان'
والخلاصة أنه قتل فى النهاية، وانهارت معنويات الفرس رغم المقاومة الشديدة
من جانبهم، إلا أن ضغط المسلمين على جوانب الجيش الفارسى دفعهم فى النهاية
للفرار من أرض المعركة، بعد أن انفصلت ميمنة الفرس عن ميسرتها، وهجمات
المسلمين الصاعقة تطحن فيهم من كل جانب، حتى عمت الهزيمة الجيش الفارسى،
وصار أقصى همهم أن ينجوا بحياتهم من هذه المعركة .



يوم الانتقام :


سبق
أن قلنا أن القائد المحنك والأسد الجريح 'المثنى بن حارثة' لم يقع فى نفس
الخطأ الذى وقع فيه القائد 'أبو عبيد الثقفى' فى معركة الجسر ولم يعبر
النهر، وتركهم يعبرون النهر حتى صاروا محاصرين بين جيش المسلمين ونهر
'الفرات'، فلما وقعت الهزيمة على الفرس وأرادوا الفرار من أرض المعركة
'بالبويب'، وكانوا قد عقدوا جسراً على النهر للعبور، فلما رأى القائد
'المثنى' هزيمة الفرس انطلق كالسهم مخترقاً صفوف الفرس المنهزمة حتى وصل
إلى الجسر، وقام بقطعة، ذلك ليقطع خط الرجعة على الفرس، وبالفعل وقع الفرس
بين كماشة المسلمين الطاحنة الفتاكة، ودب الفزع والذعر فى قلوب الفرس،
وأصابهم ما يشبه الهستيريا، وفقدوا صوابهم بعدما رأوا أنفسهم لا ملجأ لهم
ولا مفر من سيوف المسلمين التى حصدتهم حصداً تاماً، واعتورتهم سيوف ورماح
المسلمين حتى أبادتهم تماماً، وقتل منهم أكثر من مائة ألف، واستمر
المسلمون فى أعمال مطاردة فلول المنهزمين من الفرس يوماً وليلة، حتى
أبادوا البقية الباقية، وانتقم المسلمون لمصابهم فى يوم الجسر وبنفس
الطريقة، ولكن بعد أن قتلوا من الفرس أكثر من مائة وخمسين ألفاً فداءً
للأربعة آلاف شهيد يوم الجسر .






كان
هذا الانتصار الرائع فى 'البويب' من أعظم الفتوحات والانتصارات التى حققها
المسلمون فى 'العراق'، وقد فاقوا فيها كل الانتصارات السابقة، ولولا شهرة
معركة القادسية لكانت معركة 'البويب' هى أشهر وأعظم معارك المسلمين
'بالعراق' .



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: محمد بن القاسم   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:15


إن سيرة هذا البطل الذى سوف نتكلم عنه هذه المرة، لهى مصدر فخر وعز
وإستعلاء للأمة الإسلامية والدين الإسلامى، الأمة التى كان من أبنائها مثل
هذا البطل الذى قاد الجيوش الجرارة وولى الأقاليم الكبيرة وفتح المدن
العريقة وأدخل الإسلام إلى بلاد السند والهند وأباد ملوك الكفر وحطم
الأوثان والمعابد الشركية، قام بذلك كله وهو فتى فى ريعان شبابه ولم يبلغ
العشرين، فحرى بكل أب مسلم أن يربى أبناءه على سيرة أمثال هذا البطل الذى
ينبغى أن يكون قدوة للشباب الذين تاهت عقولهم فى أودية الدنيا ولم يعد
أمامهم مثل هذا البطل القدوة .





من هو محمد بن القاسم ؟

اسمه
بالكامل محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبى عقيل الثقفى، ولد سنة 72
هجرية بأرض العراق وكان أبوه القاسم بن محمد مما جاء لأرض العراق عند
الحرب بين ابن الزبير رضى الله عنه وعبد الملك بن مروان، فأقام بها وهو
ابن عم الوالى الشهير والمثير للجدل بشدة الحجاج بن يوسف الثقفى، وهذا
الرجل رغم مساويه الكثيرة والشناعات العظيمة التى أثرت عنه، إلا أنه محباً
للجهاد مهتماً بتدبير الجيوش ونشر الإسلام، وكانت له عين فاحصة فى إختيار
الأبطال ومعرفتهم وبخبرته الواسعة بشئون الجهاد، وقعت عينه على ابن عمه
الصغير 'محمد بن القاسم' فبدأ فى تقريبه وإسناد بعض المهام الصغيرة من أجل
إختبار مدى عزمه وكفاءته وترقى فى إختباراته له حتى أبان الصغير عن همة
عالية وكفاءة قيادية منقطعة النظير .





بيئة الأبطال :

كانت
دولة بنى أمية معنية أشد الاعتناء بنشر الإسلام فى ربوع المعمورة، لذلك
كان سوق الجهاد قائمة فى بنى أمية ليس لهم شغل إلا ذلك، فعلت كلمة الإسلام
فى مشارق الأرض ومغاربها وبرها وبحرها وقد أذلوا الكفر وأهله، وامتلأت
قلوب المشركين من المسلمين رعباً فلا يتوجه المسلمون إلى بلد إلا أخذوه،
ولم تنكسر لهم راية أو يديل عليهم عدو أو يخرج من أيديهم بلد فتحوه، وفى
ظل هذه البيئة الجهادية ظهر بطلنا المقدام محمد بن القاسم .



المسلمون وبلاد السند :

كانت
بلاد السند [باكستان الآن] هدفاً لحركة الفتح الإسلامى المباركة أيام
الخليفة الراشد 'عمر بن الخطاب' رضى الله عنه، فلقد أرسل عامله على
البحرين 'عثمان بن أبى العاص' جيشاً بقيادة أخيه 'الحكم' إلى ساحل الهند
عند مدينة 'تانة' وذلك سنة 15 هجرية ثم إلى مدينة 'بروص' ثم إلى 'خور
الدبيل' وحقق خلالهما عدة إنتصارات ولكن الخليفة خاف من مواصلة الغزو
خوفاً على المسلمين من بعد الديار، وكان ذلك أيضا رأى أمير المؤمنين
'عثمان' رضى الله عنه، فلما تولى 'على بن أبى طالب' رضى الله عنه الخلافة
أرسل الحارثة بن مرة العبدى إلى السند فأغار على أطرافها وظفر منها وظل
بها حتى استشهد فى عهد 'معاوية' رضى الله عنه سنة 42 هجرية .





حدث
تطور كبير فى غزو السند أيام 'معاوية بن أبى سفيان' حيث أمر القائد الشهير
المهلب بن أبى صفرة بغزو السند ثم غزاها عبد الله بن سوار العبدى ثم سنان
بن سلمة الهذلى ففتح 'مكران' ومصرها وأسكنها العرب وهذا أول جزء من غربى
البنجاب يدخل فى دولة الإسلام، وبعد ذلك فصل المسلمون بين بلاد الهند
وبلاد السند، فلما تولى الحجاج الثقفى جعل من أولوياته فتح هذا الثغر
العظيم خاصة بعد قتل عامله 'محمد بن هارون النمرى' فى قتاله مع ملك السند
'داهر' وقد رأى أن هذا الفتح لن يتم إلا بجيش قوى على رأسه قائد شجاع لا
يبالى بجيوش 'داهر' الضخمة ولا يستوحش من بعد المسافة وطول الطريق إلى
السند، وبعد بحث وتقليب نظر فى قائمة القادة الأبطال، وقع الإختيار على
بطلنا 'محمد بن القاسم' وكان وقتها فى السابعة عشر من العمر، وكان ذلك سنة
89 هجرية حيث بدأت فصول المجد والبطولة فى حياة هذا القائد الصغير .



معالم البطولة :


عندما
تولى 'محمد بن القاسم' قيادة الحملة الجهادية المتجه إلى بلاد السند اشترط
على 'الحجاج بن يوسف الثقفى' عدة شروط تبرهن على مدى الكفاءة القيادية
والقتالية لمحمد بن القاسم منها :



1. أن
يكون الجيش كامل التجهيز والإعداد والمؤن حتى لا تتوقف سيرة الفتح، فأمده
الحجاج بجيش يقدر بستة آلاف مقاتل مجهزين بكل شىء حتى المسال والإبر
والخيوط .


2. أن يرافق الجيش البرى أسطول بحرى ليكون الهجوم مزدوجاً وفى إتجاهين، ووافق الحجاج .

3. أن يواصل الجهاد والسير حتى ينتهى من فتح بلاد السند كلها، ووافق الحجاج .




رحلة الفتح المبارك :

كان
لمحمد بن القاسم فى رحلته للفتح المبارك هدفان الأقرب الانتقام من 'داهر'
ملك السند الوثنى الذى قتل المسلمين بأرضه وآخرهم 'محمد هارون النمرى'،
والأبعد فتح بلاد السند وما ورائها من بلاد الهند ونشر الإسلام فى هذه
الربوع الشاسعة .



تحرك
محمد بن القاسم بجيشه القوى إلى 'مكران' فأقام بها عدة أيام يستجمع قوته
بعد سير طويل وذلك لفتح مدينة 'الدبيل' أحصن مدن السند، وفى الطريق إليها
فتح مدينة 'قنزبور' و'أرمانيل' ثم واصل السير حتى نزل على مدينة 'الدبيل'
وذلك يوم جمعة ووافاه الأسطول بآلات الحصار ومنها المنجنيق الكبير المشهور
باسم 'العروس' وكان يلزمه 500 رجل لتشغيله، وضرب 'محمد بن القاسم' حصاراً
شديداً على المدينة الحصينة، واستمات الكفار الهندوس فى الدفاع عن مدينتهم
وفكر 'محمد بن القاسم' فى فكرة عبقرية لفتح المدينة تعتمد فى الأساس على
خبرته بنفسية الأعداء وطبيعة تفكيرهم، فلقد كان فى المدينة معبد ضخم لصنم
معروف عندهم على قمته سارية خشبية طويلة جداً فى نهايتها راية حمراء كبيرة
إذا هبت الرياح تحركت هذه الراية كأنها كالمروحة الدائرة، وهى مقدسة
عندهم، فأمر 'محمد بن القاسم' بتوجيه قذائف المنجنيق إلى هذه السارية حتى
كسرها، وهو يعلم بتشاؤم الهندوس من ذلك، وبالفعل مع إنهيار السارية إنهارت
معنويات الكفار واقتحم المسلمون المدينة،وفتحوها بعدمعركةطاحنة وبنى 'محمد
بن القاسم' بها مسجداً واستقدم أربعة آلاف من المسلمين وأسكنهم فى المدينة
للتأكيد على إسلام هذه المدينة وطمس الهوية الوثنية عنها .





يوم الإنتقام :

بعد
فتح مدينة 'الدبيل' أحصن مدن السند، واصل محمد بن القاسم سيره، فكان لا
يمر على مدينة إلا فتحها وهدم معابد الوثنية والبوذية بها وأقام شعائر
الإسلام وأسكنها المسلمون وبنى المساجد حتى غير خريطة البلاد تماماً
وصبغها بصبغة إسلامية تامة .



استطاع
محمد بن القاسم أن يبهر الهندوس بشخصيته القوية الحازمة وقد تعجبوا من
شجاعته وحسن قيادته لجيش كبير وهو دون الثامنة عشر، وبالفعل أسلم عدد كبير
من الزط وهم من بدو الهنود وانضم منهم أربعة آلاف رجل يقاتلون مع محمد بن
القاسم وكان لهم أثر كبير فى القتال لخبرتهم بالبلاد ومعرفتهم للغة الهنود
.





كانت
الأخبار قد وصلت إلى ملك الهند الوثنى 'داهر' فاستعد للقاء المسلمين بجيوش
كبيرة مع سلاح المدرعات الشهير وهم الفيلة، وقد داخله الكبر والعجب لضخامة
جيوشه واستخف بالمسلمين لقلتهم، ولكنه فوجىء بالإعصار الإسلامى يعبر نهر
'مهران' الفاصل بينه وبين المسلمين، ويجد 'داهر' الذى كان على ظهر فيل
كبير نفسه وجهاً لوجه مع محمد بن القاسم وجنوده، ويقتتل الفريقان قتالاً
مهولاً لم تشهد مثله أرض السند من قبل ويرى 'داهر' جنوده صرعى من حوله
تتخطفهم سيوف المسلمين، فنزل من على ظهر فيله المنيع ويقاتل بنفسه حتى
يأتيه قدره المحتوم ويقتله المسلمون وينشد قاتله هذه الأبيات : ـ



الخيل تشهد يوم داهر والقنا ***** ومحمد بن القاسم بن محمد


إنى فرجت الجمع غير معرد ******* حتى علوت عظيمهم بمهند


فتركته تحت العجاج مجندلاً ******** متعفر الخدين غير موسد


وبمقتله
أدرك المسلمون ثأرهم وانفتحت أمام بلاد السند على مصراعيها وقد قامت امرأة
'داهر' بحرق نفسها هى وجواريها ووقعت 'صيتا' ابنة داهر فى الأسر .


بعد
مقتل 'داهر' واصل محمد بن القاسم سيره ليحقق الهدف الأكبر والأبعد كما
قلنا بعد أن أنتقم من عدو الإسلام 'داهر' ففتح مدينة 'راور' ثم
'رهماناباذ' ثم استسلم إقليم 'ساوندرى' وأعلنوا إسلامهم ثم 'سمند' ثم فتح
محمد بن القاسم مدينة 'الملتان' وذلك بعد قتال عنيف إذ كانت معقل البوذية
بالسند وغنم منها أموالاً طائلة حملت كلها إلى الحجاج وقدرت بمائة وعشرين
مليون درهم، ومع الغنائم رأس الطاغية 'داهر' وكانت الحملة قد تكلفت ستين
مليون درهم فقال الحجاج كلمته الشهيرة [شفينا غيظنا وأدركنا ثأرنا وازددنا
ستين ألف ألف درهم ورأس 'داهر' .



دوهر بعد داهر :

بعد
ان نجح محمد بن القاسم فى القضاء على ملك السند الكبير 'داهر' برز ملك آخر
كان بمثابة الذراع اليمنى لداهر واسمه دوهر وكان ملكاً على إقليم 'الكيرج'
وهى أقصى بلاد السند على حدود بلاد الهند، فاستعد دوهر للقاء المسلمين
وغره الشيطان بأنه سيحقق ما لم يحققه 'داهر' واصطدم مع المسلمين فنزل به
من حر سيوفهم ما لم يطيق فحاول الفرار ولكن ولات حين فرار أدركته سيوف
المسلمين فقتل كما قتل الذى من قبله والتحق رأسه برأس من سبقه وقال فيه
قاتله أيضا :ـ



نحن قتلنا داهراً ودوهر **** والخيل تروى منسراً فمنسراً


فى
هذه الفترة مات الحجاج والى العراق الشهير وابن عم محمد بن القاسم، ولكن
هذا لم يرد عزم محمد بن القاسم عن مواصلة الفتح حيث أصبح الطريق مفتوحاً
إلى بلادالهند وبالفعل بدأ محمد بن القاسم فى فتح مدن الهند فبدأ بمدينة
'سرست' فدخل أهلها فى طاعة المسلمين وكانوا بحارة مهرة استفاد منهم
المسلمون، وبدا للجميع أن محمد بن القاسم لن يرجع حتى يفتح بلاد الهند
أيضا ولكن حدث تطور مأساوى سريع فى حياة محمد بن القاسم .





مأساة بطل عظيم :

بدأت
فصول هذه المأساة والمحنة العظيمة التى تعرض لها بطلنا العظيم الصغير،
عندما توفى الخليفة الوليد بن عبد الملك وذلك سنة 96 هجرية وتولى مكانه
أخوه سليمان بن عبد الملك وكان شديد الكره للحجاج بسبب جرائم الحجاج وسفكه
لدماء الكثيرين لأقل شبهة، فلما تولى الخلافة قام بتعيين واحد من أشد خصوم
الحجاج وهو 'صالح بن عبد الرحمن' أميراً على العراق فقام هذا الرجل بعزل
كل رجال الحجاج من مناصبهم ومنهم بالقطع محمد بن القاسم أمير السند
وفاتحها وعين مكانه 'يزيد بن أبى كبشة السكسكى' .





ولما
وصل نبأ العزل لمحمد بن القاسم حاول البعض إقناعه بالعصيان والانفراد بهذه
البلاد البعيدة عن مركز الخلافة، خاصة وأن جنوده يحبونه وكذلك من أسلم من
أهل السند والهند، وسبق أن ثار بهذه البلاد ثائران من العرب هما محمد
ومعاوية ابنا الحارث العلافى ولكن وجود 'داهر' حال دون انفرادهما بهذه
البلاد، وحاولوا إقناعه بأنه مظلوم ولا ذنب له وتخويفه من صالح بن عبد
الرحمن، ولكن محمد بن القاسم كان من الطراز النادر للقادة الذين يعملون
لخدمة الإسلام ولا يريدون من الدنيا شيئاً فلا مناصب تهمه ولا دنيا تغريه،
وخاف من عاقبة الخروج على الخلافة وما سيؤدى إلى تفرق الأمة وتمزق
المسلمين وسفك الدماء بين المسلمين فى فتنة الخروج، ووافق على قرار العزل
مع قدرته على المقاومة والانفراد، وأنشد فى ذلك قوله :ـ



ولو كنت أجمعت الفرار لوطئت ***** إناث أعدت للو غى وذكور


وما دخلت خيل السكاسك أرضنا ** ولا كان من عك على أمير


وهكذا توقفت سيرة فتح الهند بعزل هذا البطل ولكن الذى حدث بعد ذلك كان أشد إيلاماً ومأساوية .


مر
بنا من قبل أن 'صيتا' ابنة 'داهر' قد وقعت فى الأسر بعد مقتل أبيها
وانتقلت من العز والملك والغنى والسيطرة إلى أن قتل أبوها وانتحرت أمها
وضاع ملكها وصارت مملوكة بعد أن كانت ملكة، فامتلأ قلبها غيظاً وحنقاً
وبغضاً على البطل الشاب محمد بن القاسم فلما عزل محمد بن القاسم من منصبه
وعلمت أن أيامه قد ولت أرادت أن تدرك ثأرها وتشفى غليلها فتقدمت للوالى
الجديد 'يزيد بن أبى كبشة' بشكوى ادعت فيها أن محمد بن القاسم قد اغتصبها
بالقوة بعد وقوعها فى الأسر وهى تهمة عظيمة وفرية دنيئة من وثنية مشركة
على بطل عظيم .





و
لان التهمة كبيرة قرر الوالى الجديد القبض على محمد بن القاسم وإرساله إلى
والى العراق 'صالح بن عبد الرحمن' للتحقيق، وبالفعل حمل محمد بن القاسم
مقيداً بالأغلال إلى العراق فأنشد قائلاً بيته المشهور الذى صار بعد ذلك
مثلاً سائراً ويعبر عن صدق إخلاص هذا الرجل ومدى حزنه على توقيفه عن
الجهاد فى سبيل الله، قال :ـ



أضاعونى وأى فتى أضاعوا ***** ليوم كريهة وسداد ثغر


وكان
مشهد خروج محمد بن القاسم مكبولاً شديد الأثر على أهل السند، فلقد اصطفوا
لوداعه وهم يبكون على فراقه وما صار إليه، والعجب العجاب أن الله عز وجل
قد أظهر آيه سريعة وباهرة لبراءة البطل العظيم، حيث لم يمض على خليفته فى
ولاية السند 'يزيد بن أبى كبشة' سوى سبعة عشر يوماً ثم مات فجأة .



وقد
فرح كفار السند لخروج محمد بن القاسم وتنفسوا الصعداء وخلعوا الطاعة
وعادوا للكفر وهموا بإخراج المسلمين، كل ذلك لأن الساحة قد غاب عنها أسدها
وأشدها .






النهاية الحزينة :


كان
والى العراق الجديد 'صالح بن عبد الرحمن' شديد الكراهية والبغضاء للحجاج
الثقفى، ذلك لأن الحجاج قد قتل آدم أخا صالح وكان يرى رأى الخوارج، فأراد
صالح أن يدرك ثأره من الحجاج وذلك بالانتقام من أقربائه وهذا هو عين
التعصب والظلم والجور وهو ما كان يفعله الحجاج أيضا مع خصومه، فإن الله عز
وجل قال {ولا تزر وازرة وزر آخرى} .



قام
صالح بن عبد الرحمن بحبس محمد بن القاسم فى سجن مدينة واسط الذى طالما زج
فيه الحجاج خصومه لأدنى شبهة وبنفس آلات التعذيب أمر صالح بتعذيب محمد بن
القاسم حتى يعترف هل ارتكب هذه الجناية الشنيعة التى افترتها الوثنية
'صيتا' عليه، ومحمد بن القاسم يقسم أنه برىء ويصر على ذلك، وينشد أشعاراً
مؤثرة يقول فيها :ـ



فلئن ثويت بواسط وبأرضها ***** رهن الحديد مكبلاً مغلولاً


فلرب قنية فارس قد رعتها ***** ولرب قرن قد تركت قتيلاً


ويظل
محمد بن القاسم صامداً تحت التعذيب مستمسكاً ببراءته وطهارته من هذه
الفرية الحقيرة ولا ذنب له سوى فتوحاته العظيمة وقهره لملوك الكفر، ولكونه
ابن عم طاغية أخذت عشيرته بجريرته، حتى جاءت اللحظة الحزينة التى مات فيها
مظلوماً شهيداً إن شاء الله وتنطفىء شمعة لو قدر لها البقاء لصارت شمساً
محرقة لأعداء الإسلام ولفتح المسلمون الهند التى تأخر فتحها بعد ذلك بعدة
قرون .



وقد مدحه شعراء زمانه ورثوه وبكوا عليه فهذا حمزة بن بيض الحنفى يقول :


إن المروءة والسماحة والندى **** لمحمد بن القاسم بن محمد


ساس الجيوش لسبع عشرة حجة *** يا قرب ذلك سودداً من مولد


فرحمه
الله رحمة واسعة وعوض شبابه الغض الطرى بالفردوس الأعلى، والأمر العجيب
حقاً أن 'صيتا' ابنة داهر لما علمت بوفاة محمد بن القاسم تحت التعذيب بكت
وتحرك ضميرها وذهبت لوالى العراق واعترفت بجريمتها فرفع أمرها للخليفة
سليمان بن عبد الملك، فأمر بقتلها جزاء وفاقاً وقصاصاً بهذا البطل العظيم .



وهكذا ينصر الله عز وجل أولياءه وجنوده ولو بعد حين ويظهر براءتهم للعالمين حتى لا تبقى فى صدور أى من الناس شىء عنهم .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: معركة أجنادين ـ أمير الدهاء   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:17

مما
يجب الإشارة إليه قبل سرد أحداث هذه المعركة أنها مذكورة فى كتب التاريخ
مرتين : بأحداث مختلفة، وسياق مختلف، وفى أوقات مختلفة، ولكن تحت نفس
المسمى، ونفس القيادة :'عمرو بن العاص' ومع نفس العدو 'الروم' وهذا أدى
بالكثيرين إلى أن يجعلوهما معركة واحدة أو يحدث عندهم نوع خلط ودمج بين
المعركتين، أو حتى يعرضوا بالكلية عن ذكر إحداهما اكتفاء بالأخرى، حتى
صارت هذه المعركة من ألغاز التاريخ، ولذلك وجب الفصل بين أحداث المعركتين
بسرد كلتيهما فى نفس المكان، مع المقارنة بينهما حتى يتضح الفارق، خاصة أن
كلتيهما بها الكثير من الفعاليات والعبر والعظات .



أجنادين الأولى [28 جمادى الأولى 13 هجرية]



بعد
أن انتهى المسلمون من القضاء على حركة الردة التى نجمت إثر وفاة الرسول
صلى الله عليه وسلم تفرغوا بعدها لمهمتهم الأولى، وهى نشر دعوة الإسلام فى
أرجاء المعمورة، فانطلق الأسد الضارى 'خالد بن الوليد' إلى أرض العراق
يزيح عن أهلها وطأة الفرس، ويطفىء نارهم، ودخل الناس فى دين الله أفواجاً،
ومن بعد العراق كانت الشام وهى الأحب للمسلمين، وبالفعل شرع الخليفة
الراشد 'أبو بكر الصديق' فى أعداد الجيوش واستدعاء القادة الكبار، وأبطال
الإسلام لنيل شرف فتح بلاد الشام، ونشر دعوة الإسلام بها، فجاء 'عمرو بن
العاص' و'يزيد ومعاوية ابنا أبى سفيان' و'الوليد بن عقبة' و'خالد بن سعيد'
و'شرحبيل بن حسنة' هذا بالإضافة لكبيرهم 'أبى عبيدة بن الجراح' .



نصيحة الصليبى



كانت
المدينة يطرقها التجار والجوال من أهل البلاد الأخرى للتجارة وغيرها،
فوافق إعداد الجيوش المسلمة لغزو 'الشام' وجود أحد النصارى العرب من أهل
الشام بالمدينة للتجارة، فرأى وسمع عن الإعداد للغزو فعاد مسرعاً إلى بلاد
الشام، وكان 'هرقل' ملك 'الروم' فيها يحج، ويستجم فى 'دمشق' فطلب هذا
العربى المتنصر الإذن فى الدخول على 'هرقل' ليخبره وينصحه عما يعده
المسلمون، فدخل عليه وقص عليه الخبر، وكان 'هرقل' أعلم أهل الكتاب وقتها،
فلما سمع الخبر قال – واسمع ما قال : 'إن هذا الأمر لا يتم إلا لرجل منهم طوال كالأسد الوثاب' –
وذكر صفة 'عمر بن الخطاب' وعندها شهق العربى المتنصر شهقة عظيمة كادت أن
تخرج معها روحه وقال: هذا والله الذى يسير معه ويصحبه فى كل موطن واسمه
'عمر بن الخطاب'، وعندها أصدر 'هرقل' قراراً عاماً بالتجنيد الإلزامى على
عرب 'الشام' النصارى، وأعد جيوشاً جرارة من الروم وحلفائهم من العرب، وجعل
القيادة العامة للجيوش المتحالفة لتلميذه 'سقلاب' .



***[وانظر
إلى هذا التناصح الذى يقوم به أعداء الإسلام فيما بينهم ضد المسلمين
وشعورهم بأنهم نسيج واحد رغم أن هذا العربى الناصح لا توجد روابط بينه
وبين 'هرقل' إلا الدين 'فهرقل' ليس عربياً، وأيضاً هو محتل للشام، ولكن
انظر إلى عقيدة الولاء والبراء التى يطبقها أعداء الإسلام فيما بينهم،
وننساها نحن، فهذا العربى يرفض حكم العرب له، ويؤثر حكم الأعاجم له لاتفاق
العقيدة، فهل وعى المسلمون هذا الكلام ؟ وهل أفاقوا من تخدير الشعارات
العفنة مثل القومية، والعروبة وغير ذلك من الشعارات الباطلة والتى هوت
بالأمة للحضيض
] .



أول الجيوش المسلمة



كان
أول جيش مسلم وصل للأراضى الشامية بعد جيش الاستطلاع الإسلامى، والذى كان
يقوده 'خالد بن سعيد' هو جيش 'عمرو بن العاص' المتوجه إلى فلسطين وكان
الجيش الرومى المكلف بمواجهة المسلمين فى تلك المنطقة مرابطاً فى منطقة
'أجنادين' 'بوادى العربات' من 'غور فلسطين' ويقوده القائد الرومى
'القبقلار' وكان 'الروم' وقتها لا يولون قيادة الجيوش إلا أعلمهم بالكتاب،
ومن يحظى برضا القساوسة والرهبان عليه، وكان أيضاً عاقلاً حكيماً، فلما
سمع بنزول المسلمين إلى الشام أراد أن يتعرف على هؤلاء الوافدين الجدد،
حيث لم يكن قد اشتبك معهم من قبل، فأرسل عربياً من أهل 'الشام' ليندس فى
معسكر المسلمين حتى يأتيه بالأخبار، فدخل الجاسوس العربى ومكث فيهم يوماً
وليلة، ثم عاد سريعاً وقال للقائد الرومى كلاماً أفزعه بشدة قال له :
بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سرق فيهم ابن ملكهم قطعوه، ولو زنى
رجموه لإقامة الحق فيهم، فقال 'القبقلار' : إن كنت صدقتنى لبطن الأرض خير
من ظهرها ومن لقاء هؤلاء عليها، لوددت أن حظى من الله أن يخلى بينى وبينهم
فلا ينصرنى عليهم ولا ينصرهم على .



*** [ونحن
نقول : وهل ينتصر إلا أمثال هؤلاء ؟ وهل تعود للأمة كرامتها إلا على أيدى
هؤلاء ؟ رهبان الليل وفرسان النهار الذين تفتقدهم الأمة الآن، إن مجرد ذكر
هؤلاء يلقى الرعب فى قلوب الأعداء، حتى إن الواحد منهم يتمنى ألا يلقى
المسلمين فى ميادين القتال، أما الآن فنحن كما يقال عنا : صديق لا فائدة
منه، وعدو لا يخاف منه -أى صديق لا ينفع وعدو لا يضر
] .



الصدمة المرعبة



يروى أنس رضى الله عنه فيقول :'كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت لهم أحد فى القتال فواق ناقة'
من شدة هجمتهم وقوتهم فى القتال، وهذا ما طبقه القائد 'عمرو بن العاص' حيث
لم يمهل عدوه كثيراً، بل انقض بالمسلمين كالأسود الكواسر فى ضراوة أفزعت
'الروم'، حيث هذا القتال كان أول لقاء وصدام مسلح بين المسلمين والروم،
ومن قبل كان الصدام بين السرايا الخفيفة باستثناء مؤتة، وكشر المسلمون عن
أنيابهم، وكانت الصدمة مرعبة لدرجة جعلت قائد 'الروم' 'القبقلار' يقول لمن
معه :'لفوا رأسى بثوبى هذا'، فقالوا له :'ولم ؟'، قال : 'هذا يوم البئيس
ما أحب أن أراه، ما رأيت فى الدنيا يوماً أشد من هذا اليوم' ، واجتز
المسلمون رأسه وإنه لملفف.



شد
المسلمون على 'الروم' بكل قوة، وأبدى أبطال المسلمين نوادر رائعة فى
الشجاعة والفداء، فلقد وقف الروم على مضيق بين جبلين ليمنعوا تقدم
المسلمين، فبرز لهم بمفرده الصحابى الجليل 'عمرو بن سعيد بن العاص' وكان
من الأولين، ومن مهاجرى الحبشة، واشتبك وحده مع 'الروم'، وظل يقاتلهم حتى
أزالهم عن المضيق، ثم استشهد رحمه الله عند المضيق تماماً، فلما أراد
المسلمون العبور أحجموا خشية أن يطأوا جثته بحوافر الخيل، فقال لهم القائد
'عمرو بن العاص' : 'لقد صعدت روحه إلى الجنة، وإنما هو جثة لا يشعر بشىء'
فعبر المسلمون على جثته وتبعوا 'الروم' حتى هزموهم شر هزيمة، ثم عاد 'عمرو
بن العاص' ونزل من على فرسه، وجمع أشلاء الشهيد ووضعها فى جراب من جلد
وكفنها ثم دفنه .



***[ وهذا
من فقه القائد الذى يعرف قياس المصالح والمفاسد، وكيفية تطبيق وتنزيل
الأحكام الشرعية على الوقائع، وما أحوجنا لقادة من هذا النوع الفذ
].



واستشهد
فى هذه المعركة رجال من الأولين مثل 'نعيم بن عبد الله النحام' وكان
إسلامه قبل إسلام 'عمر بن الخطاب' وأيضاً 'عبد الله بن الطفيل الدوسى'،
وأيضاً 'عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب' بعد أن قتل مائة من أبطال
'الروم' مبارزة واشتباكاً، ثم استشهد رحمه الله وهو ابن اثنتين وثلاثين
سنة، وكان هذا النصر فاتحة للنصر الأكبر يوم 'اليرموك'.



أجنادين الثانية [صفر 15 هجرية]



بعد
أن حقق المسلمون انتصاراتهم الهائلة فى الجبهة الشامية وفتحوا مدنها
الكبار أمثال 'دمشق' و'حمص' و'قيسارية' و'حلب' و'بعلبك' وغيرها، وبعد أن
تشرذمت معظم القوة الرومية بعد معركة 'اليرموك' الهائلة انحازت فلول من
'الروم' الساخطين على هزائمهم المتتالية من المسلمين وتجمعوا فى ثلاث نقاط
مثلت بؤراً ملتهبة لمحاولة إحياء التحالف الرومانى العربى النصرانى، وهذه
البؤر كانت فى 'أجنادين' و'غزة' و'بيسان'، واتخذ القادة المسلمون قراراً
بحتمية تصفية الوجود الرومى فى تلك البؤر قبل أن يستفحل خطرها، ولا يتدارك
أمرها .



تمثلت
خطة تصفية الوجود الرومى فى عزل منطقة غزة الكبيرة نسبياً، والقريبة من
حدود مصر التى كانت وقتها مازالت تحت الاحتلال الرومى عن منطقة 'أجنادين'
و'بيسان'، ثم توجيه الجيوش المسلمة إلى كل نقطة على حدة، فتوجه 'عمرو بن
العاص' إلى 'أجنادين'، وتوجه 'شرحبيل بن حسنة' إلى 'بيسان'، وما لبث
'شرحبيل' حتى فتح 'بيسان' بمنتهى السهولة .



أرطبون الروم وأرطبون العرب



كان
يقود الحامية الرومية فى 'أجنادين' رجل اسمه 'الأرطبون'، ويعد من أدهى
قادة 'الروم' وأبعدهم غوراً، وأنكاهم فعلاً، وأشدهم بغضاً للمسلمين الذين
حطموا الكبرياء الرومانى تحت أقدام خيولهم، ونصال سيوفهم فلما وصل الخبر
للخليفة 'عمر بن الخطاب' قال كلمته الشهيرة : 'قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب
فانظروا عم تنفرج، وضرب 'عمرو' حصاراً شديداً على 'أجنادين' ولكن
'الأرطبون' صمد هو الآخر بشدة، فلم يستطع 'عمرو' أن يعرف له ثغرة، لشدة
دهائه وذكائه، أما الجواسيس الذين يرسلهم 'عمرو بن العاص' لا يستطيعون نقل
ما يشفى صدره، ويمكنه من هزيمة 'الأرطبون'، فقرر 'عمرو' القيام بعمل جرىء،
لايقدم عليه إلا من هو مثله .



قرر 'عمرو' دخول الحصن بنفسه على هيئة سفير من قبل قائد المسلمين –
يعنى 'عمرو بن العاص' _ ليستطيع الدخول والنظر داخل الحصن، والتعرف على
ثغراته وكيفية اقتحامه، وبالفعل دخل الحصن، وتكلم مع 'الأرطبون' وتفاوض
معه، وأثناء ذلك تأمل الحصن جيداً حتى عرف ما أراد ولكن 'الأرطبون'
الداهية توسم فيه أنه 'عمرو بن العاص'، أو على أدنى تقدير هو ساعده الذى
يشير عليه، فأمر جندياً من الجيش أن يكمن 'لعمرو' أثناء خروجه، ويقتله
غيلة، فلما هم 'عمرو' بالخروج قال له أحد عرب الشام وقد عرف غدر
'الأرطبون' : 'أحسن الخروج كما أحسنت الدخول'، وكانت مجرد إشارة فهمها
أمير الدهاء 'عمرو بن العاص'، فعاد مرة أخرى ل'الأرطبون' وقال له : 'يا
أيها الأمير قد سمعت منى وسمعت منك وقد وقع قولك منى موقعاً، وأنا واحد من
عشرة بعثنا الخليفة إلى هذا الوالى 'عمرو بن العاص' لنشير عليه ويشهدنا
أموره، فإن شئت رجعت فآتيك بهم الآن، فإن رأوا الذى عرضت على الآن فقد رآه
الأمير وأهل العسكر وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، وكنت على رأس أمرك'
فقال 'الأرطبون' وقد سال لعابه أن يوقع بالعشرة كما يظن دفعة واحدة :
'نعم'، وأرسل للمتربص 'بعمرو' أن يكف عنه حتى يمر، فانطلق 'عمرو' من عنده
وفطن 'الأرطبون' بعدها للأمر، وعلم أنها خدعة قد خدعه بها 'عمرو بن العاص'.



عرف
'عمرو' ما يريده من كيفية اقتحام الحصن، ووضع الخطة اللازمة لذلك، ونهض
ومن معه على الحصن، وهاجموا 'الروم' الذين استماتوا فى القتال، وكان
القتال يومها شبيهاً بقتال 'اليرموك' من كثرة القتلى من الجانبين، وصبر
المسلمون صبراً بليغاً، حتى فتح الله عز وجل عليهم، وانهزم 'الأرطبون' ومن
معه إلى بيت المقدس، ونزل 'عمرو بن العاص' والمسلمون بأجنادين، وكان هذا
الفتح تقدمة وتوطئة لفتح بيت المقدس فى نفس السنة بعد ذلك بشهرين .



خاتمة السوء



الجدير
بالذكر أن 'الأرطبون' هذا ظل على عداوته وبغضه للمسلمين فلما فتح المسلمون
'بيت المقدس' وكان موجوداً بها وقت الفتح رفض الصلح الذى فتحت البلد
بموجبه، وخرج متوجهاً إلى 'مصر'، ولما فتحها المسلمون أصر على مواصلة
القتال ضد المسلمين، وظل يقاتل المسلمين فى كل موطن، ويتولى بنفسه مباشرة
القتال والطعان، رغم أنه كان أكبر القواد، والذين لا يقاتلون عادة
بأنفسهم، ولكن بغضه وكرهه للإسلام دفعه لمواصلة قتال المسلمين، حتى كانت
خاتمة السوء فى إحدى المعارك مع المسلمين، عندما التقى هو وأحد فرسان
المسلمين واسمه 'ضريس القيسى' فضرب 'الأرطبون' 'ضريساً' فقطع يده، ولكن
'ضريساً القيسى' ضربه فقتله، ثم أنشد قائلاً :-



فإن يكن أرطبون الروم أفسدها *** فإن فيها بحمد الله منتفعاً

وإن يكن أرطبون الروم قطعها *** فقد تركت بها أوصاله قطعاً



المصادر :-



تاريخ الرسل والملوك

تاريخ الخلفاء

فتوح البلدان

المنتظم

محاضرات فى الأمم الإسلامية

الكامل فى التاريخ

البداية والنهاية

موسوعة التاريخ الإسلامى

التاريخ الإسلامى

الخلفاء الراشدين

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: معركة عين التمر- أسرع هزيمة في التاريخ   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:18

بعد
أن فتح الله عز وجل معظم بلاد 'العراق' للمسلمين، وذلك في أربعين يوماً
فقط، وبعد أن فتحت 'الحيرة' عاصمة الفرس العربية، وأهم مدينة بالعراق بعد
'المدائن'، جاء الأمر من الخليفة 'أبو بكر الصديق' 'لخالد بن الوليد' أن
يتوجه سريعاً لإنقاذ المسلمين المحاصرين في منطقة 'دومة الجندل'، وكنا قد
عرضنا من قبل في أثناء سردنا لبداية الحملة الجهادية لفتح العراق أن
الخليفة 'أبا بكر' قد كلف كلاً من 'خالد بن الوليد' من ناحية الجنوب،
و'عياض بن غنم' من ناحية الشمال ، ليوجد بذلك حالة من التنافس بينهما، حيث
جعل من يصل أولاً هو القائد العام ، فتقدم 'خالد'، وتعثر 'عياض' ومن معه،
وحوصروا في منطقة 'دومة الجندل'، حاصرتهم أعداد ضخمة من القبائل العربية
الموالية للفرس، وكان القائد 'خالد بن الوليد' تواقاً لأن يهجم على
المدائن عاصمة الفرس، لينهي الوجود الفارسي تماماً في العراق، ولكنه امتثل
لأوامر قائده العام الخليفة 'أبى بكر' .



**[النظام
والانضباط والجدية، وطاعة أولى الأمر في غير معصية الله عز وجل من أهم
عوامل النجاح، والله عز وجل علم أمة الإسلام درساً عظيماً في عاقبة مخالفة
الأوامر، وذلك يوم أحد، وبين ذلك بقوله عز وجل
: {أَوَلَمَّا
أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى
هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ
} [165] سورة آل عمران 165



خطر الحاميات الفارسية



كان
القائد الحربي 'خالد بن الوليد' من الطراز النادر في إدارة العمليات
الحربية، بل ربما هو نسيج وحده، فقد رأى قبل التوجه لإنقاذ المسلمين
المحاصرين 'بدومة الجندل' ضرورة تأمين وضع المسلمين في المدن المفتوحة،
خاصة في ظل وجود حاميات فارسية قوية في المناطق المحيطة بمدينة 'الحيرة'
أهم مدن العراق، وعاصمة الفرس العربية، والتي كان لسقوطها في أيدي
المسلمين دوى كبير في أركان البيت الفارسي، وكانت هذه الحاميات تتركز فى
منطقتين هما : منطقتا 'الأنبار' و'عين التمر'، وبالفعل قرر 'خالد' الهجوم
على تلك الحاميات، وإزالة التهديد الفارسي للوجود الإسلامي بالحيرة .



لم
يكن 'خالد' من القواد الذين ينتظرون المفاجآت، بل كان يعمل دائماً على بث
عيونه واستخباراته قبل خوض أية معركة، وقد نقل له سلاح الاستطلاع أوضاع
المدينة من حيث موقعها، وموقفها التحصيني، وكانت هذه المدينة شديدة
التحصين مما يجعل مسألة السيطرة عليها أمراً صعباً، وذلك لعدة أسباب منها
: موقع هذه المدينة على الشاطئ الشرقي لنهر 'الفرات'، مما يجعل بين
المسلمين والفرس حاجزاً مائياً يهابه المسلمون، ومنها وجود أسوار منيعة
حول المدينة، هذا غير وجود خندق عميق متسع يحيط بالمدينة من كل ناحية،
ولكن كل ذلك لم يفت في عضد المسلمين وخطتهم الجهادية، وكان معظم أهل
المدينة من النصارى، وعليهم قائد فارسي اسمه 'شيرازاد'، وقد جعل 'خالد بن
الوليد' قائداً على هذه المعركة، وهو الصحابي 'الأقرع بن حابس'، رغم أنه
ليس من السابقين في الإسلام، ولكنه صاحب كفاءة حربية ممتازة .



**[الحكمة
تقتضي أن يتولى قيادة العمل من عنده الخبرة والكفاءة اللازمة لذلك العمل،
فالأصلح قد يكون ليس هو الأفضل دينياً، ولقد علمهم ذلك الرسول صلى الله
عليه وسلم عندما ولى 'عمرو بن العاص' قيادة جيش فيه 'أبو بكر' و'عمر'
و'أبو عبيدة' ولم يكن مر على إسلام 'عمرو' أربعة أشهر
]



ذات العيون

بدأ
المسلمون زحفهم على المدينة الحصينة، فبدأوا أولاً باجتياز نهر 'الفرات'
على الرغم من فيضان مائه في ذلك الوقت، وعلى الضفة الأخرى كان الرعب
مستولياً على أهل المدينة، فلم يجرؤ أحد على الخروج من المدينة لصد العبور
الإسلامى، وذلك للسمعة الكبيرة للمسلمين وفتوحاتهم السريعة والهائلة في
أيام معدودات، والتي جعلت الجميع مكتوفي الأيدي، وبعد أن عبر المسلمون
ظهرت أولى محاولات المقاومة عندما قامت مجموعة من أهل المدينة بارتقاء
أسوارها، ورشق المسلمين بالسهام، وكان هذا الرمي وبالاً عليهم، إذ اكتشف
القائد الفذ 'خالد بن الوليد' أن هؤلاء المقاتلين سذج لا يعرفون شيئاً من
فنون القتال والرمي، ولا خبرة لهم بالحرب .



أمر
'خالد بن الوليد' كتيبة خاصة في الجيش الإسلامي مكونة من أمهر رماة العرب
برمي المحاربين رمياً واحداً كثيفاً، ويركزون على عيون المحاربين، وبالفعل
انطلقت تلك السهام كالطير الأبابيل، وأصابت هدفها بدقة بالغة، وفقأت قرابة
الألف عين، فصاح أهل المدينة جميعاً:'ذهبت عيون أهل الأنبار' وسمى هذا
اليوم بذات العيون، وصاحوا وماجوا، وعمتهم الفوضى وخرج 'شيرازاد' يسأل عن
الخبر، فلما علم أسرع لعقد صلح مع المسلمين، ولكنه اشترط شروطاً لا يقرها
الإسلام في الحرب، فلم يوافق 'خالد' عليها .



**[ ليس
كل صلح يوافق عليه، وليست كل معاهدة يصدق عليها، دون النظر لأوامر
الإسلام، وكم من معاهدة واتفاقية أخذت مطية لسلب الحقوق، واغتصاب الأرض
المسلمة، وما اتفاقية 'كامب ديفيد' و'أوسلوا' منكم ببعيد
]



جسر الجمال



كان
الخندق المائي يمثل مشكلة حقيقية للمسلمين، لأنه عميق ومتسع، ويحيط
بالمدينة من كل مكان، ولكن ذلك لم يكن ليمنع الأسد الضاري 'خالد' صاحب
العقلية العسكرية الفذة، حيث قام بالدوران حول سور المدينة لدراسة هذا
الخندق جيداً، حتى وقف عند نقطة معينة من الخندق وتأملها طويلاُ، ثم تفتق
ذهنه عن فكرة عبقرية،حيث وقف على أضيق نقطة في الخندق، وأمر بذبح كل
الجمال الهزيلة والمريضة، وإلقائها عند هذه النقطة، فردم تلك النقطة بصنع
جسر من الجمال، واستطاع المسلمون أن يعبروا بسهولة، وأصبح الجيش المسلم
محيطاً بأسوار المدينة من كل مكان استعداداً لاقتحامها، فأسرع 'شيرازاد'
وطلب الصلح من 'خالد' بشروط الإسلام، على أن يخرج 'شيرازاد' سالماً بأهله
وماله إلى مكان آمن، فوفى له 'خالد' ذلك الشرط، وأبلغه مأمنة، ودخل
المسلمون المدينة وأمن الناس على معايشهم .



**[الوفاء بالعهد أصل قرآني حافظ عليه المسلمون في كل موطن، وكان سبب إسلام كثير من الناس] .



عندما
عاد 'شيرازاد' إلى قائد الفرس العام على العراق 'بهمن جاذوية' مهزوماً من
الأنبار لامه 'بهمن' بشدة على مصالحة المسلمين، والتفريط في هذه المدينة
الحصينة رغم ضخامة قواته، وكان 'شيرازاد' رجلاً عاقلاً فقال: 'إن هؤلاء
القوم ـ يعنى أهل الأنبار ـ قد قضوا على أنفسهم بالهزيمة عندما رأوا جيش
المسلمين، وإذا قضى قوم لأنفسهم بالهزيمة كاد هذا القضاء أن يلزمهم' ففهم
'بهمن' كلامه واقتنع به .



**[وصدق
شيرازاد فيما قاله، فإن الهزيمة النفسية هي الهزيمة الحقيقية، هي الهزيمة
التي تحطم القلوب، وتفل العزائم، وتخور معها الهمم، فلا يستطيع صاحبها
معها أن يتقدم ولو خطوة واحدة للأمام، بل يظل عمره أسير ضعفه، ورهين وهمه،
فهلا تدبر ذلك المسلمون ؟ !
] .



الغرور الصليبي :



كانت
الحامية الأخرى متمركزة في مدينة عين التمر، وكانت على طريق 'دومة الجندل'
تراقب الأوضاع عن كثب، وكانت الحامية الموجودة 'بعين التمر' مكونة من
قوتين كبيرتين : قوة فارسية بقيادة 'مهران بن بهرام'، وقوة عربية نصرانية
مكونة من خليط من قبائل 'تغلب' و'إياد' بقيادة 'عقة بن أبى عقة'، وكان
أحمقاً مغروراً، دفع ثمن هذا الحمق والغرور غالياً، حيث طلب هذا الصليبي
الحاقد المغرور 'عقة' من القائد الفارسي 'مهران' أن يخلي الساحة ليقاتل هو
المسلمين وحده دون مساعدة من الفرس، وقال له : 'إن العرب أعلم بقتال
العرب، فدعنا وخالداً'، ولنا أن نفهم النفسية المريضة التي دفعت 'عقة'
لهذا الطلب الغريب، فالغرور والحقد والرغبة في الفخر والزهو، وتحقيق
الأمجاد بالانتصار على المسلمين، وقائدهم 'خالد بن الوليد' صاحب الراية
الميمونة، والانتصارات الباهرة كل ذلك دفع 'عقة' لهذا الطلب، بل تمادى في
غيه وغروره، وقرر الخروج لقتال المسلمين خارج المدينة : في الصحراء
المفتوحة، كأنه بذلك يسعى لحتفه بقدميه كما يقولون، لأن الصحراء المفتوحة
هي أصلاً ميدان المسلمين المفضل في القتال، وعندما سمع 'مهران' هذا الكلام
من 'عقة' قال له :'صدقت لعمري لأنتم أعلم بقتال العرب، وإنكم مثلنا في
قتال العجم، دونكموهم، وإن احتجتم إلينا أعناكم' ، وكان 'مهران' قد بيت في
نفسه أمراً، وهو الانسحاب من أمام المسلمين لعلمه أنهم لا يقهرون، وقد
انتقد قادة الفرس ذلك الأمر من 'مهران' وقالوا له : 'ما حملك على أن تقول
هذا القول لهذا الكلب' يعنون عقة، فقال لهم 'مهران' : 'دعونى، فإنى لم أرد
إلا ما هو خير لكم وشر لهم، إنه قد جاءكم من قتل ملوككم، وفل حدكم،
فاتقيته بهم، فإن كانت لهم على 'خالد' فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا
منهم حتى يهنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم ضعفاء ' .

**[ إن
أعداء الدين مهما حاول أحد خدمتهم ـ ولو بروحه ـ فلن يعدوا قدره عندهم إلا
قدر الكلب، كما قالت الفرس عن أعوانهم من العرب، وهكذا وصل أعداء الإسلام
لمآربهم الخبيثة قديما وحديثاً على أكتاف طابور طويل من الكلاب، وما أكثرهم ‍‍‍‍‍!!
] .



أسرع هزيمة في التاريخ :



خرج
'عقة' المغرور ومن معه من العرب المتنصرة من المدينة للصدام مع المسلمين،
وأوغل في الصحراء غروراً منه لمبادرة المسلمين بالهجوم، ووصل إلى منطقة
'الكرخ' وعبأ قواته النصرانية، ووصل المسلمون إلى أرض المعركة وعبأ 'خالد'
الجيش بسرعة، وأستعد للقتال، ولم يكن 'خالد' قد رأى 'عقة' من قبل، ونظر
إليه نظرة الفاحص الخبير بنفوس المحاربين، فعلم أن هذا الرجل شديد الغرور،
فقرر القيام بحيلة بارعة شجاعة، جريئة في نفس الوقت، وهى خطف القائد 'عقة'
نفسه في عملية فدائية أشبه ما تكون بعمليات الصاعقة، فانتخب مجموعة خاصة
من أبطال المسلمين، وأطلعهم على الفكرة الجريئة، فوافق عليها الجميع،
فالكل أبطال، والجميع 'خالد'، وبالفعل انقض 'خالد' ومجموعته الفدائية على
صفوف العدو ـ وهم يقدرون بعشرات الآلاف ـ كما ينقض الأسد عل فريسته، وكان
'عقة' مشغولاً بتسوية الصفوف، واندهش العدو من هذه المجموعة الصغيرة التي
تهجم على عشرات الآلاف، ولم يفيقوا من هول الصدمة وإلا و'خالد' قد أسر
'عقة' وحمله بين يديه كالطفل الصغير وعاد به إلى صفوف المسلمين، وعندها
تجمدت الدماء في عروق العرب المتنصرة، وركبهم الفزع الشديد، ففروا من أرض
المعركة دون أن يسلوا سيفاً واحداً في أسرع هزيمة في التاريخ .

واصل
المسلمون سيرهم بعد هذه الضربة الخاطفة حتى وصلوا إلى أسوار المدينة، وكان
'مهران' وحاميته الفارسية قد عرفوا بما حل للمغرور 'عقة' ومن معه، ففروا
هاربين تاركين أعوانهم النصارى لمصيرهم المحتوم وعندها أسقط في يد نصارى
المدينة ماذا يفعلون ؟ فأرسلوا إلى 'خالد' يطلبون منه الصلح، ولكن
'خالداً' علم أن هؤلاء الذين يطلبون الصلح هم المحاربون الذين انهزموا في
أرض المعركة وهم بالتالي لا يستحقون الأمان والصلح، وإنما أجبرهم على ذلك
قرب أجلهم، ودنوا هزيمتهم، فرفض 'خالد' الصلح معهم، إذ لا أمان مع هؤلاء
الخونة الكفرة، الذين باعوا أنفسهم للمشركين الأصليين عباد النار، وقاتلي
بنى جلدتهم وأهل كتاب مثلهم، لا لشيء إلا بدافع الحقد والحسد، أصر 'خالد'
على عدم الصلح حتى ينزلوا على حكمه، وهذا معناه في عرف الحروب أن يكون
'خالد' مخيراً في فعل أي شيء معهم : يقتلهم، يسبيهم، يعفو عنهم، المهم
أنهم تحت حكمه وأمره، فلما يئس المتنصرة من نجدة الفرس لهم نزلوا على حكم
'خالد بن الوليد' ، فألقى القبض على جميع من يقدر على حمل السلاح ثم حكم
في الحال بإعدام المحاربين ، وبدأ بزعيمهم الأحمق 'عقة' وسبى الذرية
والأموال .



**[ ليس
في ذلك قسوة ولا غدر كما يظن البعض ممن يتعاطفون مع المنهزم وينسون
إجرامه، فما حدث لهم جزاء وفاقا لهؤلاء المحاربين الذين خرجوا وفي نيتهم
استئصال المسلمين بدافع من الحقد الصليبي المحض، كما أن هذا الحكم هو حكم
الله عز وجل كما حدث يوم أن حكم الصحابي 'سعد بن معاذ' بنفس الحكم على
إخوانهم في الحقد والشقاء يهود بنى قريظة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم
:' لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات']



وقد
وجد المسلمون بمدينة 'عين التمر' كنيسة يتعلم فيها أربعون صبياً الأنجيل،
فلم يتعرض لهم 'خالد' بالقتل، بل اعتبرهم من جملة السبي، وذلك من عدل
الإسلام، فلم يأخذ هؤلاء بجريرة بنى جلدتهم المقاتلين، وكان من بينهم شاب
اسمه 'نصير' هو أبو الفاتح الكبير 'موسى بن نصير' فاتح الأندلس، وأيضا
'سيرين' أبو عالم زمانه، ومفتى الأمة في عصره 'محمد بن سيرين' .



***** وبتلك
المعركة استطاع المسلمون إخلاء المنطقة الواقعة بين الحيرة ودومة الجندل
من أية قوات معادية للمسلمين، وهى مساحة تقدر بخمسمائة كيلومتر مربع .




المصادر :ـ



تاريخ الرسل والملوك

تاريخ الخلفاء

فتوح البلدان

المنتظم

محاضرات في الأمم الإسلامية

الكامل في التاريخ

البداية والنهاية

موسوعة التاريخ الإسلامي

التاريخ الإسلامي

الخلفاء الراشدين

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: معركة أليس 'نهر الدم'   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:20

هذه المعركة رسالة شديدة الوضوح، ظاهرة الدلالة لهؤلاء الحمقى والمغفلين الذين يتحدثون عن الوثن الكبير المسمى 'بالقومية العربية' إلى هؤلاء الأشقياء الذين يقولون :'إن الدين يفرقنا، والعروبة تجمعنا'
والذين جعلوا القومية العربية بديلاً عن عقيدة الولاء والبراء الناصعة،
التي تجمع تحت لوائها كل مسلم في شتى بقاع الأرض، وإن نأت دياره، واستعجم
لسانه، وتطرد عنها غير المسلم وإن كان من ذوى الأرحام، أو من أقرب
الجيران، هذه المعركة تظهر المشاعر الحقيقية لغير المسلمين تجاه المسلمين،
وإن كانوا من بنى جلدتهم، ويتحدثون بلسانهم، ولا عزاء للقوميين العرب في
كل مكان وزمان ‍‍‍‍.



التحالف المجوسي الصليبي :



بعد
الانتصار الباهر الذي حققه المسلمون على 'الفرس' في معركة 'ذات السلاسل'
و'المذار'، وسقوط مدينة 'الأبلة' منفذ 'الفرس' الوحيد على الخليج العربي
أمرت القيادة العليا لفارس بإعداد جيشين من أقوى الجيوش الفارسية يقودهما
أمهر القادة 'الفرس' وهما [1] 'الأندر زغر' [2] 'بهمن جاذوية
وأمرهما كسرى بالتوجه سريعاً إلى منطقة 'الولجة' للوقوف في طريق 'خالد بن
الوليد'، حتى لا يستولي على 'الحيرة' عاصمة العراق العربية، وانضمت قبائل
'بكر بن وائل' العربية وأغلبها نصارى إلى الجيش الفارسي، وانضم نصارى
'الحيرة' ونصارى 'تغلب' للجيش الفارسي .



استطاعت
الاستخبارات العسكرية أن تنقل الأخبار للقائد 'خالد بن الوليد' عن حقيقة
المخطط الفارسي الذي يقوم على فكرة الكماشة، وتلك المعلومات جعلت 'خالد'
يعيد ترتيب أوراقه ، ويغير خطط السير، حيث سلك طرقاً مختلفة، ويعكس اتجاه
السير عدة مرات، حتى لا يتضح اتجاه سيره، ثم اتجه إلى الجنوب، ووضع
الحاميات القوية في المناطق المفتوحة، وأمرهم أن يقوموا بحماية ظهره من
العدوان .



الغلطة العسكرية :



كانت
الخطة التي رسمها كسرى لجيوشه تقتضي أن يتبع 'بهمن' الطريق الذي يسير فيه
'الأندر زغر'، والاتحاد عند الاصطدام مع المسلمين، وبقدر الله عز وجل
يرتكب القائد 'بهمن' غلطة عسكرية شنيعة، حيث يخالف الأوامر، ويسلك طريقاً
مخالفاً للخطة، على أمل أن يوقع المسلمين في الكماشة، ولكن 'خالداً'
بذكائه العسكري الفذ استطاع أن يفلت من هذه المصيدة، ويسلك طريقاً طويلاً،
ولكنه خال من الكمائن الفارسية، في حين أن 'بهمن جاذوية' بمحاولته هذه قد
سار في طريق بعيد عن 'الولجة'، مما سهل 'لخالد' مهمته في الانفراد بجيش
'الأندر زغر' .

كان
جيش 'الأندر زغر' عظيم التسليح، ضخم الحجم، يوجد به معظم نصارى العراق،
وقد دفعه غروره وضخامة جيشه إلى التفكير في محاولة استرجاع المناطق
المفتوحة من قبل المسلمين، ووصلت هذه الأخبار للقائد الفطن 'خالد بن
الوليد' عبر سلاح الاستخبارات الإسلامية .



**[وهذا
يوضح أهمية الحذر، والأخذ بالأسباب، والفطنة الدائمة لقادة المسلمين في
تعاملهم مع عدوهم، ليس حال الحرب فقط ولكن حال السلم أيضاً، عملاً بقوله
عز وجل :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا} [71] سورة النساء.]



قام
'خالد' بتعبئة جيوشه، ونصب كمينين خلفه من ناحية اليمين واليسار وطلب
منهما ألا يدخلا في القتال إلا قبل النهاية بقليل، وعندما تظهر بوادر
الضعف على 'الفرس'، واستطاع 'خالد' بخطته العسكرية العبقرية أن ينفرد بجيش
'الأندر زغر'، ويصطدم معه في 22 صفر سنة 12 هجرية، وثبت 'الفرس' ثباتاً
هائلاً أمام الصدمة الإسلامية، حتى خشي المسلمون من الهزيمة، وفى اللحظة
الحاسمة ينقض الكمين الإسلامي من ناحية اليمين ثم الشمال، ويقع 'الفرس'
بين فكي الأسد، ويفر الكثيرون من أرض المعركة هائمين على وجوههم في
الصحراء، وعلى رأسهم القائد 'الأندر زغر' الذي مات عطشاً في الصحراء، وقتل
كثير من النصارى في هذا الصدام: منهم ابني أكبر زعماء النصارى العرب 'جابر
بن بجير' و'عبد الأسود' .



الحقد الصليبي :



كانت
الصدمة والصفعة الشديدة التي نالها النصارى من المسلمين في القتال السابق
قاسية، لدرجة أن صوابهم قد طاش، من كثرة ما فقدوه من القتلى، من خيرة
شبابهم، فاشتعلت قلوبهم حقداً وغلاً على المسلمين رغم رابطة العروبة
والجوار، إلا أنهم فضلوا الانضواء تحت لواء 'الفرس' الذين كانوا يحتقرون
العرب جداً، ورغم ذلك فضلوا الانضمام إليهم لا لشيء إلا لعداوتهم للإسلام،
وقرر زعماء نصارى العراق التجمع بأعداد كبيرة واستغاثوا بكسرى، وطلبوا منه
الإمدادات، فانتعشت آمال كسرى وفرح بكتاب نصارى 'أليس' له، وكتب لقائده
'بهمن جاذوية'،[ وقد بقى بالمنطقة مرابطاً بجيشه بعد غلطته الفظيعة، والتي
أتت على جيش 'الأندر زغر'] للانضمام إلى نصارى العراق في حربهم ضد
المسلمين، ثم عاد كسرى وطلب من 'بهمن جاذوية' أن يعود سريعاً إلى
'المدائن'، لوجود اضطرابات داخلية بها، وعين مكانه في قيادة الجيش القائد
'جابان'، وكان رجلاً محنكاً، ولكنه ضعيف الشخصية .



عاقبة الغرور :



كانت
الإمدادات الفارسية أقرب إلى منطقة تجمع الجيش الصليبي 'بأليس' من جيوش
المسلمين، فوصلت قبلها، ورتب 'جابان' جيوشه ترتيباً جيداً، واستعد للقتال،
وكان الجيش 'المجو صليبي' كبير العدد جداً، حيث بلغ عدد مقاتليه مائة
وخمسين ألفاً، مما جعل الغرور يملأ القلوب والنفوس، وكذا جعل الثقة بحتمية
النصر أكيدة، ووصل المسلمون بجيشهم الذي لا يتجاوز الثمانية عشر ألفاً،
وصادف قدوم المسلمين وجود الجيوش 'المجوصليبية' على موائد الطعام في وقت
الغداء، وفى الحال أمرهم القائد العام 'جابان' بترك الطعام والتهيؤ للقتال
ضد المسلمين، ولكن الغرور والكبر منعهم من الاستماع لصوت العقل وظنوا أنهم
لا يغلبون، فخالفوا أمر قائدهم العام، واستمروا في تناول الطعام، ثم عاد
'جابان' وأمرهم بوضع السم في الطعام، فإن دارت الدائرة عليهم، وغنم
المسلمون الطعام وأكلوه ماتوا من السم، وهو رأى لا يصدر إلا من رجل داهية
حقاً، ولكنهم أيضاً خالفوه وتكبروا، وسول لهم الشيطان سوء أعمالهم، وبخلوا
حتى بطعامهم !



نهر الدم



أدرك
'خالد' وجنوده أن عدوهم مغرور متكبر، فأصدر 'خالد' أوامره المباشرة
بالهجوم فوراً وبكل القوة والثقل على هؤلاء المغترين، وبالفعل هجم
المسلمون عليهم، وهم مازالوا على موائدهم الأخيرة، وبدأ القتال الذي ينتقل
من طور إلى آخر أشد منه، لقوة وشراسة الحقد الصليبي على المسلمين، وأيضاً
صبر 'الفرس' في القتال، وعلى أمل أن يصل القائد 'بهمن جاذوية' بالإمدادات
من المدائن، ولقي المسلمون مقاومة عنيفة جداً من التحالف 'المجوصليبي'
وعندها دعا القائد 'خالد بن الوليد' ربه، ونذر فقال : 'اللهم إن لك على إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقى منهم أحداً قدرنا عليه، حتى أجرى نهرهم بدمائهم' .



حمى المسلمون بعد ذلك النذر في القتال، وازدادت قوتهم – خاصة مسلمي قبيلة 'بكر بن وائل' – حيث كانوا أشد الناس على نصارى قبيلتهم .



**[مما
يبين حقيقة فهم المسلمين الأوائل لعقيدة الولاء والبراء، حيث تنقطع كل
الروابط من رحم، وقرابة، ومصاهرة، وجوار أمام رابطة الإسلام وحبل العقيدة،
كما قال الحق في محكم التنزيل
:{ {لَا
تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ
مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ
أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ
فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ
حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
} [22] سورة المجادلة



لم
يطل الأمر كثيراً حتى انتصر المسلمون انتصاراً باهراً، وأمر 'خالد' بإمساك
الأسرى، وأخذهم جميعاً عند نهر 'أليس'، وسد عنه الماء، ومكث يوماً وليلة
يضرب أعناقهم، حتى يجرى النهر بدمائهم وفاءً بنذره لله عز وجل، ومع ذلك لم
يجر النهر بدمائهم، فقال له 'القعقاع بن عمرو': 'لو أنك قتلت أهل الأرض
جميعاً لم تجر دماؤهم- ذلك لأن الدم سريع التجلط كما هو معروف طبياً-
فأرسل الماء على الدماء، يجرى النهر بدمائهم' ففعل 'خالد' ذلك فسمى النهر
من يومها 'نهر الدم' وقتل يومها أكثر من سبعين ألفاً من جنود التحالف
'المجوصليبي' .



**[وليس
في ذلك قسوة ولا دموية كما قد يظن البعض، لأن هؤلاء كانوا من مجرمي الحرب،
وليس لهم أن يدخلوا الحرب أصلاً ضد المسلمين، فهي ليست حربهم، ولا هم طرف
فيها، وهم الذين بدأوا المسلمين بالعداوة، واتحدوا مع عباد النار من أجل
إفناء المسلمين، ومن يقع من المسلمين بأيديهم كانوا يمثلون بجثته،
ويقتلونه شر قتلة، فهؤلاء وأمثالهم ممن تمتلئ قلوبهم بكره وبغض المسلمين
ينطبق عليهم قول الله عز وجل
: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [4] سورة محمد ، وقوله عز وجل : {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ
الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ
مَعَ الْمُتَّقِينَ
} [123] سورة التوبة



عندما وصلت الأخبار بالنصر للخليفة 'أبى بكر الصديق' قال كلمته الشهيرة :[يا معشر 'قريش' عدا أسدكم- يعنى 'خالداً'- على الأسد- يعنى كسرى- فغلبه على خراذيله- أى على فريسته- عجزت النساء أن ينشئن مثل 'خالد' ] .





المصادر



تاريخ الرسل والملوك

تاريخ الخلفاء

فتوح البلدان

المنتظم

محاضرات في الأمم الإسلامية

الكامل في التاريخ

البداية والنهاية

موسوعة التاريخ الإسلامي

التاريخ الإسلامي

الخلفاء الراشدين

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
ابو بكر السكندري
مدير عام
مدير عام


ذكر عدد الرسائل : 1233
تاريخ التسجيل : 23/08/2006

مُساهمةموضوع: معركة ذات السلاسل – القتال حتى الموت   السبت 06 سبتمبر 2008, 18:21

أمة
الإسلام أمة جهادية، جعل الله عز وجل رزقها تحت ظل رمحها، وجعل الصغار على
من خالفها، وهى أيضاً أمة خاتم الرسل، وهى مكلفة بنشر الإسلام في ربوع
المعمورة، وإزالة كل قوى الكفر والشر التي تحول دون سماع دعوة الحق، تلك
القوى التي تحارب الدعاة لدين الله عز وجل، وتضع العوائق والحواجز ليبقى
الناس في ظلمات الشرك والجهل، وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم ذلك
الأمر تماماً، فانطلقوا في ربوع ما علموه من المعمورة يدعون لدين الله،
ويحاربون كل قوى الكفر والشر، ليرفعوا راية 'لا إله إلا الله' لا
يعبد على الأرض سواه، وهذه واحدة من سلسلة طويلة من الفتوحات الإسلامية
التي تجلت فيها عظمة المنهج الإسلامي، ومنزلة الصحابة رضوان الله عليهم
ودورهم في نشر الدين .



الخليفة أبو بكر وأرض العراق



بعد
أن انتهى الخليفة 'أبو بكر' من القضاء على حركة الردة الشريرة التي نجمت
بأرض العرب، قرر أن يتفرغ للمهمة الأكبر وهى نشر دين الله بعد أن مهد
الجبهة الداخلية، وقضى على هذه الفتنة، وكان 'أبو بكر' يفكر في الجبهة
المقترحة لبداية الحملات الجهادية عملاً بقوله عز وجل {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ
الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ
مَعَ الْمُتَّقِينَ}
[123] سورة التوبة وكانت الدولة الإسلامية تقع بين فكي أقوى دولتين في العالم وقتها، دولة 'الفرس'
المجوسية من ناحية الشرق بأرض العراق وإيران، ودولة'الروم' الصليبية من
ناحية الشمال بأرض الشام والجزيرة، وكان 'أبو بكر' يفضل الجبهة الشامية
على الجبهة العراقية، ولكنه فضل البدء بدولة 'الفرس' لقوتها وشدة بأسها،
وأيضاً لكفرها الأصلي، فهي أشد كفراً من دولة 'الروم' الذين هم أهل كتاب،
وأخيراً استقر رأى الخليفة على البدء بالجبهة العراقية .



بعد
أن انتهى القائد الكبير 'خالد بن الوليد' والمسلمين معه من حربه على
المرتدين من 'بني حنيفة' أتباع 'مسيلمة الكذاب' جاءته الأوامر من الخليفة
أبى بكر بالتوجه إلى الأراضي العراقية، مع عدم إكراه أحد من المسلمين على
مواصلة السير معه إلى العراق، ومن أحب الرجوع بعد قتال المرتدين
فليرجع،فانفض كثير من الجند، وعادوا إلى ديارهم، ليس خوفاً ولا فراراً من
لقاء 'الفرس' ولكن تعباً وإرهاقاً من حرب الردة، فلم يبقى مع 'خالد' سوى
ألفين من المسلمين .

***[وما
قام به 'أبو بكر' هو عين الصواب والبصيرة الثاقبة فإنه لن ينصر دين الله
إلا من كان عنده الدافع الذاتي، والرغبة التامة في ذلك، مع الاستعداد
البدني والنفسي لذلك، فمن تعلق بشواغل الدنيا، أو كان خاطره وقلبه مع بيته
وأهله لا يصمد أبداً في القتال، كما أن هذا الجهاد جهاد طلب، وهو فرض
كفاية كما قال أهل العلم
] .



العبقرية العسكرية



وضع
الخليفة 'أبو بكر' خطة عسكرية هجومية، تجلت فيها عبقرية 'الصديق' الفذة،
حيث أمر قائده 'خالد بن الوليد' أن يهجم على العراق من ناحية الجنوب، وفي
نفس الوقت أمر قائداً آخر لا يقل خبرة عن 'خالد بن الوليد' وهو 'عياض بن
غنم الفهرى' أن يهجم من ناحية الشمال، في شبه كماشة على العدو، ثم قال
لهما :{من وصل منكما أولاً إلى 'الحيرة' واحتلها فهو
الأمير على كل الجيوش بالعراق، فأوجد بذلك نوعاً من التنافس الشريف
والمشروع بين القائدين، يكون الرابح فيه هو الإسلام
} .



كانت
أول مدينة قصدها 'خالد بن الوليد' هي مدينة 'الأبلة'، وكانت ذات أهمية
استراتيجية كبيرة، حيث أنها ميناء 'الفرس' الوحيد على الخليج العربي،
ومنها تأتى كل الإمدادات للحاميات الفارسية المنتشرة بالعراق، وكانت هذه
المدينة تحت قيادة أمير فارسي كبير الرتبة اسمه 'هرمز'، وقد اشتق من اسمه
اسم المضيق القائم حالياً عند الخليج العربي، وكان رجلاً شريراً متكبراً،
شديد البغض للإسلام والمسلمين، وللجنس العربي بأسره، وكان العرب بالعراق
يكرهونه بشدة، ويضربون به الأمثال فيقولون : {أكفر من هرمز ، اخبث من هرمز
فلما وصل 'خالد' بالجيوش الإسلامية هناك، وكان تعداد هذه الجيوش قد بلغ
ثمانية عشر ألفاً بعد أن طلب الإمدادات من الخليفة، أرسل برسالة للقائد
'هرمز' تبين حقيقة الجهاد الإسلامي، وفيها أصدق وصف لجند الإسلام، حيث جاء
في الرسالة :-

**{أما
بعد فأسلم تسلم، أو اعتقد لنفسك ولقومك الذمة، وأقرر بالجزية، وإلا فلا
تلومن إلا نفسك، فلقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة}.


[وهذا
أصدق وصف لجند الإسلام، وهو الوصف الذي جعل أعداء الإسلام يهابون
المسلمين، وهو النفحة الغالية التي خرجت من قلوب المسلمين، وحل محلها
'الوهن' الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سبب تكالب الأمم
علينا، وهو كما عرفه الرسول صلى الله عليه وسلم
{حب الدنيا وكراهية الموت} ] .



حرب الاستنزاف



'هرمز'
يرفض الرسالة الإسلامية التي تدعوه إلى الإسلام أو الجزية، ويختار بيده
مصيره المحتوم، ويرسل إلى كسرى يطلب الإمدادات، وبالفعل يرسل كسرى إمدادات
كبيرة جداً، ويجتمع عند 'هرمز' جيش جرار عظيم التسليح، ويبنى 'هرمز' خطته
على الهجوم على مدينة 'كاظمة' ظناً منه أن المسلمين سوف يعسكرون هناك،
ولكنه يصطدم أمام العقلية العسكرية الفذة للقائد 'خالد بن الوليد' .



قام
'خالد بن الوليد' بما يعرف في العلوم العسكرية الحديثة بحرب استنزاف،
ومناورات مرهقة للجيش الفارسي، فقام 'خالد' وجيشه بالتوجه إلى منطقة
'الحفير'، وأقبل 'هرمز' إلى 'كاظمة' فوجدها خالية وأخبره الجواسيس أن
المسلمين قد توجهوا إلى 'الحفير'، فتوجه 'هرمز' بسرعة كبيرة جداً إلى
'الحفير' حتى يسبق المسلمين، وبالفعل وصل هناك قبل المسلمين، وقام
بالاستعداد للقتال، وحفر خنادق، وعبأ جيشه، ولكن البطل 'خالد' يقرر تغير
مسار جيشه ويكر راجعاً إلى مدينة 'الكاظمة'، ويعسكر هناك ويستريح الجند
قبل القتال .



تصل
الأخبار إلى 'هرمز' فيستشيط غضباً، وتتوتر أعصابه جداً، ويتحرك بجيوشه
المرهقة المتعبة إلى مدينة 'الكاظمة' ليستعد للصدام مع المسلمين، وكان
'الفرس'أدرى بطبيعة الأرض وجغرافية المكان من المسلمين، فاستطاع 'هرمز' أن
يسيطر على منابع الماء بأن جعل نهر الفرات وراء ظهره، حتى يمنع المسلمين
منه، وصدق الحق عندما قال { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ
} [216] سورة البقرة فقد كان سبباً لاشتعال حمية المسلمين وحماستهم ضد
الكفار، وقال 'خالد بن الوليد' كلمته الشهيرة تحفيزاً بها الجند : 'ألا انزلوا وحطوا رحالكم، فلعمر الله ليصيرن الماء لأصبر الفريقين، وأكرم الجندين' .



وقبل
أن يصطدم 'هرمز' قائد الجيوش الفارسية مع جيوش المسلمين أرسل بصورة الوضع
إلى كسرى، الذي قام بدوره بإرسال إمدادات كبيرة يقودها 'قارن بن قرباس'
يكون دورها الحفاظ على مدينة 'الأبلة' في حالة هزيمة 'هرمز' أمام
المسلمين، لأهمية هذه المدينة كما أسلفنا .



سلاسل الموت



كان
'هرمز' رجلاً متكبراً أهوجاً، لا يستمع إلا لصوت نفسه فقط، حيث رفض
الاستماع لنصائح قواده، وأصر على أن يربط الجنود 'الفرس' أنفسهم بالسلاسل،
حتى لا يفروا من أرض المعركة، كناية عن القتال حتى الموت، لذلك فقد سميت
المعركة بذات السلاسل .



**[والمسلمون أولى بهذا الصبر والثبات لأنهم على الحق والدين، وعدوهم على الباطل والكفر، وشتان بين الفريقين] .



كان
أول وقود المعركة وكما هو معتاد وقتها أيام الحروب أن يخرج القواد
للمبارزة، كان أول الوقود عندما خرج القائد الفارسي 'هرمز' لمبارزة القائد
المسلم 'خالد بن الوليد'، وكان 'هرمز' كما أسلفنا شديد الكفر والخيانة،
فاتفق مع مجموعة من فرسانه على أن يهجموا على 'خالد' ويفتكوا به أثناء
المبارزة ، وبالفعل خرج المسلم للقاء الكافر، وبدأت المبارزة، ولم يعهد أو
يعلم عن 'خالد بن الوليد' أنه هزم قط في مبارزة طوال حياته قبل الإسلام
وبعده ، وقبل أن تقوم مجموعة الغدر بجريمتهم الشريرة فطن أحد أبطال
المسلمين الكبار لذلك، وهو البطل المغوار 'القعقاع بن عمرو'، صنو 'خالد'
في البطولة والشجاعة، فخرج من بين الصفوف مسرعاً، وانقض كالأسد الضاري على
مجموعة الغدر فقتلهم جميعاً، وفي نفس الوقت أجهز 'خالد بن الوليد' على
الخائن 'هرمز' وذبحه كالنعاج، وكان لذلك الأمر وقعاً شديداً في نفوس
'الفرس'، حيث انفرط عقدهم، وانحل نظامهم لمقتل قائدهم، وولوا الأدبار،
وركب المسلمون أكتافهم، وأخذوا بأقفيتهم، وقتلوا منهم أكثر من ثلاثين
ألفاً، وغرق الكثير في نهر الفرات، وقتل المربطون بالسلاسل عن بكرة أبيهم،
وكانت هزيمة مدوية على قوى الكفر وعباد النار، وفر باقي الجيش لا يلوى على
شيء .



الفزع الكبير



لم
تنته فصول المعركة عند هذا الحد، فمدينة 'الأبلة' لم تفتح بعد، وهناك جيوش
قوية ترابط بها للدفاع عنها حال هزيمة جيوش 'هرمز' وقد كانت، ووصلت فلول
المنهزمين من جيش 'هرمز' وهى في حالة يرثى لها من هول الهزيمة، والقلوب
فزعة ووجلة، وانضمت هذه الفلول إلى جيش 'قارن بن قرباس' المكلف بحماية
مدينة 'الأبلة'، وأخبروه بصورة الأمر فامتلأ قلبه هو الآخر فزعاً ورعباً
من لقاء المسلمين، وأصر على الخروج من المدينة للقاء المسلمين خارجها،
وذلك عند منطقة 'المذار'، وإنما اختار تلك المنطقة تحديداً لأنها كانت على
ضفاف نهر الفرات، وكان قد أعد أسطولاً من السفن استعداداً للهرب لو كانت
الدائرة عليه، وكانت فلول المنهزمين من جيش 'هرمز' ترى أفضلية البقاء داخل
المدينة والتحصن بها، وذلك من شدة فزعهم من لقاء المسلمين في الميدان
المفتوح .



كان
القائد المحنك 'خالد بن الوليد' يعتمد في حروبه دائماً على سلاح الاستطلاع
الذي ينقل أخبار العدو أولاً بأول، وقد نقلت له استخباراته أن 'الفرس'
معسكرون 'بالمذار'، فأرسل 'خالد' للخليفة 'أبو بكر' يعلمه بأنه سوف يتحرك
للمذار لضرب المعسكرات الفارسية هناك ليفتح الطريق إلى الأبلة، ثم انطلق
'خالد' بأقصى سرعة للصدام مع 'الفرس'، وأرسل بين يديه طليعة من خيرة
'الفرسان'، يقودهم أسد العراق 'المثنى بن حارثة'، وبالفعل وصل المسلمون
بسرعة لا يتوقعها أحد من أعدائهم .



الفطنة العسكرية



عندما
وصل المسلمون إلى منطقة المذار أخذ القائد 'خالد بن الوليد' يتفحص
المعسكر، وأدرك بخبرته العسكرية، وفطنته الفذة أن الفزع يملأ قلوب
'الفرس'، وذلك عندما رأى السفن راسية على ضفاف النهر، وعندها أمر 'خالد'
المسلمين بالصبر والثبات في القتال، والإقدام بلا رجوع، وكان جيش 'الفرس'
يقدر بثمانين ألفاً، وجيش المسلمين بثمانية عشر ألفاً، وميزان القوى
المادي لصالح 'الفرس' .

خرج
قائد 'الفرس' 'قارن' وكان شجاعاً بطلاً، وطلب المبارزة من المسلمين فخرج
له رجلان 'خالد بن الوليد' وأعرابي من البادية، لا يعلمه أحد، اسمه 'معقل
بن الأعشى' الملقب 'بأبيض الركبان' لمبارزته، وسبق الأعرابي 'خالداً'،
وانقض كالصاعقة على 'قارن' وقتله في الحال، وخرج بعده العديد من أبطال
'الفرس' وقادته فبارز 'عاصم بن عمرو' القائد 'الأنوشجان' فقتله، وبارز
الصحابي الجليل 'عدى بن حاتم' القائد 'قباذ' فقتله في الحال، وأصبح الجيش
الفارسي بلا قيادة .



كان
من الطبيعي أن ينفرط عقد الجيش الفارسي بعد مصرع قادته، ولكن قلوبهم كانت
مشحونة بالحقد والغيظ من المسلمين، فاستماتوا في القتال على حنق وحفيظة،
وحاولوا بكل قوتهم صد الهجوم الإسلامي ولكنهم فشلوا في النهاية تحت وطأة
الهجوم الكاسح، وانتصر المسلمون انتصاراً مبيناً، وفتحوا مدينة 'الأبلة'،
وبذلك استقر الجنوب العراقي بأيدي المسلمين، وسيطروا على أهم مواني
'الفرس' على الخليج، وكان هذا الانتصار فاتحة سلسلة طويلة من المعارك
الطاحنة بين 'الفرس' والمسلمين على أرض العراق كان النصر فيها حليفاً
للمسلمين في جملتها، وانتهت بسقوط مملكة عباد النار .



المصادر

تاريخ الرسل والملوك .

الكامل في التاريخ .

الخلفاء الراشدين .

التاريخ الإسلامي .

البداية والنهاية .

تاريخ الخلفاء .

محاضرات في الأمم الإسلامية.

موسوعة التاريخ الإسلامي .

فتوح البلدان .

المنتظم .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
 
صفحات منسية (متجدد).
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي الطريق الي الجنة علي منهج السلف الصالح :: طرق العلوم الشرعية :: طريق التاريخ الاسلامي و السيرة-
انتقل الى: