منتدي الطريق الي الجنة علي منهج السلف الصالح يرحب بكم
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 المنة شرح اعتقاد أهل السنة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الأربعاء 04 أبريل 2007, 02:07

مقدمة لدراسة علم التوحيد
لفضيلة الشيخ الدكتور ياسر برهامي حفظه الله



سوف نبدأ -إن شاء الله- في شرح أصول أهل السنة
والجماعة من كتاب المنة. وقبل أن نبدأ نود أن نذكر مقدمة في أهمية الإيمان
كما بينه النبي -صلى الله عليه سلم-.



دراسة التوحيد والعقيدة، وتطبيق ذلك عملياً مر عبر التاريخ بمراحل مختلفة
حتى صار طريق القرآن والسنة طريقاً مهجوراً إلا من رحم الله من عباده
المؤمنين السائرين عليه.



نشبه أمر الإيمان وما جاء به النبي -صلى الله عليه سلم- بالقصر العظيم
الذي من دخله وجد فيه أنواع السعادة كلها، وقد عدا على هذا القصر الأعداء
ورموه بأنواع من الحجارة، وقد هدموه في نفوس الكثيرين، وبقيت بعض المعالم
في نفوس البعض، وعبر الزمان تعرض هذا القصر لأنواع من الهجمات، على أيدي
فرق البدع والضلال التي هي في الحقيقة امتداد لعقائد المشركين والملل
المنحرفة الأخرى، والمنافقون هم الذين ترأسوا هذه الفرق محاولة لإفساد
الدين كما أفسدوا قبل ذلك ما جاء به الأنبياء من دين موسى وعيسى -عليهما
السلام-.



فكان ما وقع من أنواع الانحراف في الاعتقاد من أول انحراف الخوارج وغلوهم
في مسائل الإيمان، ثم انحراف التشيع والغلو في أهل البيت في أواخر عصر
الخلافة الراشدة، ثم بعد ذلك بدع التجهم من نفي الأسماء والصفات، ومعه بدع
نفي القدر، وبدعة الإرجاء. أنواع من البدع أدت إلى هدم هذا القصر في نفوس
الكثيرين من الناس.



وكان لابد في كل زمن من وجود معالم تحدد حدود هذا القصر الذي بناه
الأنبياء على -سبيل المثال- ليتمكن كل مؤمن من بناء قصره الداخلي في حدود
هذه المعالم.



ولابد من التمييز بين الحجار التي قصد بها هدم القصر، وصار كومة لدى كثير
من المنتسبين كومة من الحجار، وعبارة عن لبنات من البناء الأول وأحجار
كانت أسباب هدم في هذا القصر. فكان تحديد معالم عقيدة أهل السنة والجماعة
في المسائل المختلفة منذ أن انحرف أهل البدع، كان مثل ترسيم الحدود ووضع
الأسس التي يبني عليها البناء.



كان من أخطر ما تعرضت له دراسة العقيدة والتوحيد المنهج المختلف في تناول
أمور الغيب والإيمان -أعني بذلك دخول الفلسفة وعلم الكلام-. فإنه مازال له
الأثر الخطير إلى يومنا هذا في دراسة العقيدة والتوحيد.



ولابد من تحديد المعالم، وكل زمن يظهر فيه الانحراف ينص أهل السنة على
مسائل بعينها يظهر بها حدود البناء الذي يحتاج كل منا أن يبنيه لنفسه.



تحديد هذه المعالم قد يزداد زمناً بعد زمن، فقد كان في الزمن الأول هناك
من يخالف في مسائل الإيمان، فأصبحت مسائل الإيمان والكفر من أهم المسائل
التي يُنَصُ عليها، ويبين أن مرتكب الكبيرة ليس بكافر، وأنه لا يخلد في
النار، وأن الإيمان يزيد وينقص، مع أن هذا المسائل لم تذكر في أصول في
حديث جبريل الذي هو مثل فهرس الكتاب الذي جمع فيه معالم الدين، ولكنها
أُبرِزت وبُيِّنَت لما ظهر أهل البدع المخالفون.



وفي مخالفة أهل البدع في علو الله على عرشه صارت مسألة العلو والفوقية إحدى المسائل التي ينص عليها أهل السنة.



وعندما ظهرت في عصر المعتزلة مسألة خلق القرآن صار ينص في عقيدة أهل السنة
على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، مع أن هذا لم يكن في الزمن الأول، ولم
تنقل عن الصحابة هذه العبارة، ولكنها مقتضى الدليل الثابت من الكتاب
والسنة، ومقتضى ما نقل عنهم في صفات الله -تعالى-.



والبدع الخطيرة التي وقعت في ترك نصوص الكتاب والسنة والانشغال بالفلسفة
وعلم الكلام الذي هو في الحقيقة ميراث عقيدة أخرى غير عقيدة أمة الإسلام،
وميراث من خالف أنبياء الله ورسله.



وقد وقع لأمتنا دخول الفلسفة الإغريقية على يد الفلاسفة ثم المتكلمين
الذين هذبوا الفلسفة ثم صبوها في قالب إسلامي، وقد أدى إلى وجود قدر عظيم
من الانحراف. وقد أدى إلى أن يقف أهل السنة موقفا محدداً في مسائل بعينها،
وكان من آخر ما تعرض للعدوان والهجوم من عقائد أهل الإيمان ما يتعلق
بتوحيد الألوهية وصرف العبادة لغير الله، وذلك أنها أعظم المسائل وضوحاً
ولذا نجد في الكتب المتقدمة التي ألفت قبل عصور الانحطاط الشديد الذي شهد
مولد الغلاة من عباد القبور بعد أن سيطر الرافضة والباطنية زمناً طويلاً
على كثير من بلاد المسلمين أدت إلى أن يخترق الأعداء هذا الحاجز عند
الكثيرين، وصارت عبادة القبور والغلو فيها وعبادة الصالحين أمراً موجوداً
كان يخشى منه النبي -صلى الله عليه سلم-على أمته ويحذر منه، ووقع الإطراء
في الأنبياء والصالحين الذي حذر منه النبي -صلى الله عليه سلم-. ولذا قد
لا نجد في الكتب المتقدمة على هذا العصر إشارة إلى أهم قضايا التوحيد وهي
توحيد الألوهية، وترك الشرك بالله؛ لأنها كانت مستقرة في ذلك العهد. ومثل
الرجوع إلى شرع الله والتزام طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه سلم-،
ونبذ أحكام الجاهلية. وكذلك قضية أن الإسلام هو وحده الدين الحق، وأن ما
سواه من الملل والأديان باطلة.



وهذا البدع المحدثة لها جذورها في الفرق الضالة قديماً، لكن لم تظهر بقوة،
ولم تطرح بقوة على أسماع المسلمين كما ظهرت في زماننا، فاحتاج الأمر إلى
مزيد من التحديد ووضع المعالم، ولذا دخلت كثير من مسائل توحيد الألوهية
التي لم تذكر في الكتب المتقدمة، والتي يحرص البعض على الرجوع إلى دراسة
ما كتبه المتقدمون، وهذا أمر ينبغي أن يكون، ولكن بشرط أن يضم إليه ما
يحتاج إليه الناس.



لو تأملت مثلاً كتاب العقيدة الطحاوية وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد
الوهاب، تجد أن كتاب التوحيد تعرض لكثير من المسائل التي لم يتناولها كتاب
العقيدة الطحاوية ولا شرحه، وكان السبب في ذلك أن هذه البدع لم تكن ظهرت
في العهد الأول، فاحتاج الأمر إلى مزيد من التحديد والتوضيح.



وعندما اختلط المسلمون بأعدائهم بعد احتلال الأعداء لمعظم بلاد المسلمين،
ولم تزل آثار هذا الاحتلال تضر المسلمين جميعاً، فظهرت مناهج هؤلاء الكفار
في التحاكم وفرض قضية الموالاة على غير الدين، وفرض أن ملل الكفار ملل
مقبولة، وسائل أنواع المعاملات التي تدخل في حيز موالاة الكفار المنهي
عنها، دخلت هذه المسائل في تحديدات أهل السنة، وأصبحوا ينصون على ذلك
وينبهون عليه، مع أنك ربما لا تجد في كتب المتقدمين الذين تكلموا عن
الأسماء والصفات والقضاء والقدر والإيمان والكفر لا تجدهم يكثرون الكلام
عن موالاة المشركين، ولا على التحاكم إلى شرع الله حتى ظن البعض أن هذه
ليست من قضايا التوحيد والإيمان.



كما ذكرنا أن جانباً من القصر بل هو أعظم أجزائه هدم لدى الكثيرين ممن
ينتسبون إلى الإسلام، وصار تحديد هذه المعالم أمراً لازماً بالإضافة إلى
المعالم الأولى فإن أهل البدع فيها لم ييأسوا خصوصا أنهم بعد أن دحروا
وهزموا على أيدي أئمة السنة في الأزمنة المختلفة تدثروا بثياب أخرى وتسموا
بأسماء أخرى، لا تجد أحداً يكاد يقول إنه معتزلي، أو أنه من الخوارج،ولكن
عقيدة هؤلاء موجودة لديه.



أما الشيعة الذين ينتسبون إلى التوحيد وقول لا إله إلا الله محمد رسول
الله فأمرهم أخطر على أهل الإسلام، بالإضافة إلى فرق الصوفية الغلاة ممن
تربى في حضن التشيع، وأخرج لنا أنواعاً من المخاطر الهائلة على الأمة
الإسلامية.



لذلك كان لابد من تحديد المعالم المختلفة للعقيدة الصحيحة حتى تتحدد معالم القصر الذي نريد بناءه.



طريقة القرآن طريقة بناء عظيم لا يوجد لها مثيل، يختلط فيها الإيمان مع
العمل مع الأحوال القلبية مع سيرة الأنبياء، مع مواقف تُغيِّر من داخل
الإنسان.



اكتفى البعض بتحديد المعالم، مع أن رسم الحدود ليس هو بناء القصر، فهناك
مسئولية شخصية على كل إنسان في أن يبني قصر الإيمان في قلبه بناءً محكماً،
لا يُدخِل فيها الأحجار الغريبة التي ساعدت في هدم القصر من العقائد
الفاسدة، ولا تبن على غير الأساس، ولكن لا تكتفِ فقط بتحديد المعالم،
وتبيين ما هو منهج أهل السنة ومنهج أهل البدع، فهذا هو جانب التطهير
والتنقية والنفي للباطل، وهناك جانب إيجابي، وهذا لا يؤخذ إلا بطريقة
القرآن.



لابد أن نبني في داخلنا حقائق الإيمان في كل أصل من هذه الأصول، وهذا الذي
نرجو الله سبحانه وتعالى- أن يوفقنا له من خلال شرحنا لهذا الكتاب الذي
نريد أن نهتم في هذه المرة من الشرح بمعاني الإيمان التي تتأثر بها
القلوب، وليس فقط أن نحدد المعالم التي يبنى عليها البناء.



لابد أن نهتم بطريقة القرآن ونقف عند الآيات ونتعبد لله بمقتضى هذه
الآيات، وما تدل عليه من معرفة أسماء الله -تعالى- وصفاته، ومحبة رسله
الكرام، والتشبه بصفاتهم العظيمة، ومحبة كتابه الذي أنزله، ومعرفة قدر
كتبه التي تضمنها هذه الكتاب.



ويصل للإنسان من خلال دراسة آيات القرآن العقيدة الصحيحة والرد على البدع
والضلالات، ويحصل له تحصل الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم
الآخر والقدر، كل ذلك مرتبطاً بالعبادة لأن حقائق الإيمان إنما تحصل من
خلال العبادات ومن خلال الإسلام الذي بينه النبي -صلى الله عليه وسلم-،
ويحصل من خلال ذلك تهذيب النفس، وتحصل مرتبة الإحسان التي بينها النبي
-صلى الله عليه وسلم-، كل ذلك من خلال آيات القرآن وحديث النبي -صلى الله
عليه وسلم-



ولذا كان من أكبر الجنايات على الإسلام وأهله الانحراف في منهج التلقي،
وجعل طريقة الفلاسفة والمتكلمين هي الطريقة التي تتناول بها العقيدة، ولا
تزال في كثير من المعاهد الإسلامية تتناول العقيدة على طريقة علم الكلام
وتعريف الجوهر العرض، وواجب الوجود وممكن الوجود ومستحيل الوجود، ونحو ذلك
من الاصطلاحات التي يعلم كل ناظر في القرآن أن القرآن بعيد عنها، وأن دعوة
الأنبياء تختلف عن هذه الطريقة؛ لذلك نريد أن نركز على بناء الإيمان في
النفوس، وكل منا له دور، ونحن إنما نعطي مفاتيح الأبواب، فليس مجرد أنك
أخذت المفتاح أنك قد حصلت المطلوب.



وغرضنا في هذا الشرح أن يكن في صورة متوسطة بين الاختصار والإطناب على أن
يتبع ذلك -إن شاء الله- مزيد من البناء الداخلي من خلال عبادات الإسلام
(الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة)، ومن خلال الإحسان ومراقبة الله
والإخلاص له -سبحانه وتعالى-؛ لتنمو شجرة الإيمان في قلوبنا لأن هذا هو
مفتاح كل تغيير وإصلاح مراد لأمة الإسلام.



ولاشك أن أعداء الإسلام عرفوا أن الأمة في عقيدتها ومنهجها، وأنه مهما كان
الضعف المادي الذي يحصل لأهل الإسلام إلا أن دعوة الحق فيها لا تموت
مصداقاً لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق
ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى تقوم الساعة)، فعرف الأعداء ذلك
وعلموا أن الحل البديل في التخلص من هذا الدين أن يحرفوا هذا الدين من
داخله، ولذا نجد التحالف المشبوه والمعلن والمستتر مع أهل البدع، وتعاون
أكيد ضد أهل السنة والحق، ولا يقبلون التنازل مع أهل الحق، ولو كانوا من
أضعف الضعفاء مادياً.



لذلك كان التمسك بمنهج أهل الحق ونشره هو جهاد ولابد أن يكون بالقرآن كما
قال الله -عز وجل-: (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ
جِهَاداً كَبِيراً) (الفرقان:52)، فهذا جهاد في أن تعاد طريقة القرآن، وأن
لا يطاع الكافرون في ترك هذا القرآن الكريم.



ونسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا من خلال هذه الدروس لبيان طريقة القرآن
والمنهج الرباني في بناء الإيمان في نفوسنا. نسأل الله -عز وجل- أن يرزقنا
الإسلام والإيمان والإحسان وأن يجعلنا من عباده المخلصين.


www.salafvoice.com

موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الأربعاء 04 أبريل 2007, 02:08

آيات الصفات لها فضل خاص


كتبه/ ياسر برهامي.



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،



معرفة الله أصل الدين، وركن التوحيد، وأول الواجبات، فإن الرسل بعثوا لكي
يعرف الناس ربهم -عز وجل-، وركن التوحيد الأساسي أن يعرف الإنسان ربه
-تعالى-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه- لما أرسله
إلى اليمن: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ
أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ فَإِذَا عَرَفُوا
اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ
صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ
أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ
عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ
كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ) رواه البخاري ومسلم. دل ذلك على أن من لم
يوحد الله -تعالى- لم يعرف الله -عز وجل-، فالواجب أن يعرف الإنسان ربه
-تعالى-، ويوحده، وذلك بمعرفة ما له من الأسماء والصفات.



وهذا الحديث صدَّر به البخاري كتاب التوحيد من صحيحه، وهو دليل على أن هذا أول واجب على المكلف.


وآيات الصفات لها فضل خاص كما في صحيح مسلم وغيره: أن أعظم آية في
كتاب الله آية الكرسي، ففي حديث أُبَيّ بن كعب -رضي الله عنه- أن رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ
آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ
مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ لا إِلَهَ
إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ:
وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ). رواه البخاري ومسلم.
فهنَّأه النبي -صلى الله عليه وسلم- على العلم، لأنه علم أن أعظم آية في
كتاب الله آية الكرسي، وكل هذه الآية أسماء وصفات، فهذا حديث صحيح يدل على
أن الآيات التي ذُكِرَت فيها أسماء الله -تعالى- وصفاته وأفعاله هي أعظم
الآيات.



كما حب الآيات والسور المتضمنة للأسماء والصفات سبب لدخول الجنة، كما في
حديث البخاري: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ رَجُلا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ
لأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ،
فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟
فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ؛ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ
أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ-: أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ. رواه البخاري ومسلم.



فكان حب لـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وكلها أسماء وصفات الله -عز وجل-،
وقد صرح بأنها صفة الرحمن، من أسباب حب الله -تعالى-، وقد علمنا أن (قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن، وذلك لأنها محض ذكر توحيد الله -عز
وجل-.

www.salafvoice.com

موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الأربعاء 04 أبريل 2007, 02:08

الفرق بين المسلمين واليهود والنصارى هو في الأسماء والصفات


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،



قولنا: (والفرق بين المسلمين واليهود والنصارى هو في الأسماء والصفات)،



هذا أيضاً ضمن بيان أهمية مسألة الأسماء والصفات، لأنها من أعظم القضايا
أهمية، أما اليهود، فقد قال الله -تعالى- عنهم: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ
قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ)(آل
عمران:181)، وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)(قّ:38-39)، قال هذا -سبحانه- للرد على من
يقولون: إن الله -تعالى- تعب من خلق السموات والأرض، واستراح في اليوم
السابع، وقال -تعالى-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)(المائدة:64)، وغير ذلك مما
ينسبونه لله -تعالى-، كما ينسبون له العجز والجهل والمرض، فعندهم في
التوراة التي فيها التحريف أنه بينما الرب يطوف في الأرض إذ أمسك به يعقوب
من حقوه -وسطه- فصارعه فصرعه، ولم يتركه يصعد حتى أعطاه لقب "إسرائيل"،
الذي يفسرونه بـ "اصرع إيل"، أي: الذي صرع الرب، و"إيل" يعني الله، وهذا
كلام غاية في الضلال والكفر، فيعقوب إنما كان عبداً لله -تعالى- غلب نفسه
لله -تعالى-، وهذا معنى كلمة "إسرائيل"، وليس أنه صارع الرب -سبحانه
وتعالى-.



وينسبون أيضاً له الجهل فيزعمون أن آدم اختبأ منه بعد أن أكل من الشجرة،
فجعل الرب يبحث عنه، فقال: يا آدم، أين أنت؟ فقال: أنا هاهنا، فكلمه،
وقال: لماذا أكلت من الشجرة؟!



وكذلك ينسبون إليه -تعالى- المرض، وأنه بعد أن أهلك ألأرض بالطوفان، حزن حزناً شديداً، وبكى حتى رمدت عيناه، وعادته الملائكة.



وهذا يدلنا على سمو العقيدة الإسلامية، وأنه بحمد الله -تعالى- أنقى عقيدة
في الوجود على الإطلاق، ونحمد الله -تعالى- على ما أنعم به علينا، فلا
يلزمنا بفضل الله -تعالى- إلا أن نعتقد لله كل كمال، أما اليهود والنصارى
فيلزمهم أن يعتقدوا ويصدقوا -ليكونوا على دينهم- أنواع المحالات، وأنواع
الضلالات.



فاللهم لك الحمد أن عافيتنا من ذلك الكفر والضلال، فلو أن إنساناً ظل عمره
كله يتعبد لله وهو يعتقد أنه -تعالى- مغلول اليد، وأنه فقير، وأنه يتعب
ويعجز ويمرض، فهل ينفعه ذلك؟!



لذلك نقول: إنه لا يصح أن يقول قائل: ما فائدة البحث في هذه المسائل، وليس
وراءها عمل؟ بل وراءها ما هو أعظم وأهم من العمل وهو الاعتقاد، وفي
الحقيقة كل معرفة من هذه المعارف وراءها عمل، ألا وهو عمل القلب الذي هو
من أهم الأعمال.



ثم إن القرآن كفَّر هؤلاء اليهود والنصارى من أجل فساد الاعتقاد في الله
-تعالى- فكيف يقول قائل بعد ذلك أن هذا الموضوع غير ذي أهمية، فضلاً عن
ألا يعِّرف الناس بربهم، ولا يُعَلِّمهم أسماء الله وصفاته؟!



والفرق بيننا وبين والنصارى -أيضاً- في الأسماء والصفات، إذ نسبوا لله
-تعالى- الصحابة والولد، قال -تعالى-: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ
وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ
يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا
(90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا) (مريم 88-91)، (لَقَدْ جِئْتُمْ
شَيْئًا إِدًّا)، أي عظيماً، (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ
مِنْهُ)، أي يتشققن منه، (وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ
هَدًّا)، لمجرد أن يوجد من يدعوا للرحمن ولداً، يكاد الكون أن ينشق فرقاً
من الله -تعالى-، سبحان الله، فكيف بأمر عظيم هائل بهذه المثابة؟! ومع ذلك
نجد كثيراً من الناس يرون أن الأمر يسير، ونحن نعلم أن الرهبان منهم من
عاش عمره يعذب نفسه بأنواع العبادات البدعية، ظناً أن ذلك يقربه إلى الله،
ولو كانت البدعة وحدها عنده لما صَلِيَ النار الحامية، وإنما يَصْلى ناراً
حامية لفساد العقيدة أصلاً، لفساد ظنه في الله -تعالى-، لذلك كانت هذه
الوجوه الخاشعة العاملة الناصبة يوم القيامة تصْلى نارا حامية.



فعلى أحد الوجهين في التفسير أنها وجوه عاملة ناصبة تتعب في الدنيا في
العبادة، ومع ذلك تَصْلى ناراً حامية في الآخرة، الوجه الآخر أنها يوم
القيامة عاملة ناصبة يعني في النار، وهذا أصح.



كما نسبوا إلى الله -تعالى- الموت والبكاء وسائر صفات المخلوقين، حين
قالوا: "المسيح ابن الله"، وذلك أنهم يعتقدون أن المسيح هو الله، أو أنه
ابن الله، أو أنه ثالث ثلاثة، ونسبوا إليه أنه صُلِبَ ومات، وبقي ثلاثة
أيام ميتاً، ثم قام من بين الأموات.



ثم تجد ناساً من المسلمين الجهلة يذهبون فيهنئون النصارى بما يسمونه عيد
القيامة المجيد، ونصارى الشرق الأرثوذكس يعتقدون أن المسيح طبيعة واحدة
أي: "ناسوت ولاهوت معاً"، وليس طبيعتين، ويقولون: رب السموات والأرض هو
الذي مات شخصياً، فمثل هذا الاعتقاد كفر مستقل، قال -تعالى-: )َقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ
مَرْيَمَ)(المائدة: من الآية17).



وكل هذا يؤكد أن قضية الإيمان بأسماء الله وصفاته قضية عظيمة الخطر،
فتوحيد الأسماء والصفات والاعتقاد في الله -تعالى- هو أساس الإيمان.





www.salafvoice.com

موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الأربعاء 04 أبريل 2007, 02:09

عقيدة السلف فى الصفات




الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،



يجب الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه، وكلمة "كل" ترد على من يأخذون سبعاً
أو ثلاث عشرة أو عشرين، بل نؤمن بكل ما ورد، فالتزام الأشاعرة بالمنهج
العقلي جعلهم يقولون: إن صفة الرحمة لا تليق بالله، ما أننا نكررها كل يوم
مرات عديدة فنقول: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، يقولون إن
الرحمة لا تليق الله لأن الرحمة -عندهم- ضعف وخور، وأما معنى الرحمة
-الواردة في النصوص- عندهم هي إرادة الثواب، لأنهم يردون كل الصفات
الواردة إلى صفة من الصفات السبع السالفة الذكر، التي زعموا أن العقل
أثبتها، مع أن عقل المعتزلي ينفي ما أثبته عقل الأشعري، وعقل الجهمي ينفي
ما أثبته عقل المعتزلي، وعقل الفيلسوف ينفي ما أثبته عقل الجهمي، بل ينفي
ذات الرب -عز وجل- أصلاً!!



لكن عقل السني يثبت كل ما أثبته الكتاب والسنة، ويقول: إن من يوصف بالرحمة
-مع نفي العجز والضعف والخور عنه- وأنه يضع الرحمة في مواضعها، فهذا -بلا
شك- أكمل ممن لا يتصف بذلك، لاشك أن الذي يتصف بالرحمة أكمل، والذي يرحم
كل من سواه، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، لاشك أن ذلك كمال وليس نقصاً،
لكن لأنهم في الحقيقة وقعوا في التشبيه أولاً، واعتقدوا أن الرحمة تستلزم
انفطار القلب، والبكاء مثلاً، فقاسوا رحمة الخالق على رحمة المخلوق،
فوجدوها لا تليق فنفوها، وهذا من أبطل الباطل.



وليس هناك فرق بين بعض الصفات وبعضها، وليست صفات الله -عز وجل- مقتصرة
على سبع كما يعتقد الأشاعرة أو غيرهم، بل كل ما ورد في الكتاب والسنة يجب
الإيمان به كالحياة والسمع والبصر والقدرة والإرادة والعلم والكلام
والرحمة والمحبة والرضا، فالله يحب عباده المؤمنين، يحب المتقين، يحب
المحسنين، ويرضى عن المؤمنين، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يرضى عن القوم
الفاسقين.



وكذلك السخط على الكافرين، كما قال -تعالى-: (أَنْ سَخِطَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ)(المائدة:80)، فالله -عز
وجل- يسخط على الكفار.



والفرح بتوبة العبد حين يتوب إليه، كما قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة)



والضحك لرجلين يقتل أحدهما الآخر فيدخلان الجنة، كما قال -صلى الله عليه
وسلم-: (يضحك الله لرجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة. قالوا:
كيف يا رسول الله؟ قال: يُقتَل هذا فيَلِجُ الجنة ثم يتوب الله على الآخر
فيهديه إلى الإسلام ثم يجاهد في سبيل الله فيُستشهد).



وكذلك صفة اليدين: كما قال -تعالى-: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ
أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ
الْعَالِينَ) (صّ:75)، وقال -تعالى-: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)(المائدة:64)



وصفة القَدَم: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال جهنم تقول:
هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة -تبارك وتعالى- قدمه فتقول: قط قط
وعزتك، ويزوي بعضها إلى بعض)، ولو قلنا صفة القدمين فهو صحيح أيضاً، لأن
ابن عباس -رضي الله عنه- ثبت عنه أنه قال: "الكرسي موضع القَدَمين".



كل ذلك على ما يليق بعظمة الله -عز وجل-، نثبت هذه الصفات على ما يليق
بالله -تعالى-، ولا نقول إنها تشبه صفات المخلوقين أو أن المخلوقات هي عين
الله -عز وجل-، ولا نثبت المماثلة بين الخالق والمخلوقين كما سيأتي.



التعطيل



التعطيل هو: نفي المعنى الحق الذي دلت عليه الصفة.



والتعطيل -كاعتقاد- على درجات منها:



1-تعطيل الباطنية: نُفاة النَّقيضين، وهم أسوأ أنواع المعطلة وأضلهم،
وعقيدتهم فيها جمع بين المتناقضات، فيقولون: لا سميع ولا ليس بسميع، لاحي
ولا ليس بحي، لا عليم ولا ليس بعليم، لا موجود ولا ليس بموجود، فكلامهم
خرافة وأباطيل، وصفوا الرب بالمستحيل وجعلوه عدماً، وهم فعلاً يعقتدون
ذلك، ويخدعون الناس أنهم يؤمنون بالله، ويقولون لا إله إلا الله.



2-تعطيل الفلاسفة: وأشهرهم -من المنتسبين إلى الإسلام- ابن سينا
والفارابي، فقد كانا يقولان بعقيدة الفلاسفة مثل أرسطو وأفلاطون وأمثال
هؤلاء الذين يثبتون الوجود المطلق، وهو الوجود الواجب، أو يسمونه واجب
الوجود، لا ذاتاً ولا اسماً، ولا صفة ولا فعلاً، بل هو وجود مطلق أي وجود
فقط، بدون أي تقييدات.



3-تعطيل الاتحادية من الصوفية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض:



والصوفية بالتأكيد تأثروا بهم أعظم التأثر، وأدخلوا كلام الفلاسفة في
معتقدهم، وقد تأثر الغزالي -رحمه الله وغفر له- بمصطلحات الفلاسفة كالعقل
الكلي والعقل الجزئي والنفس الكلي والنفس الجزئي، وظلت آثار هذا الكلام
موجودة في كتاباته، وإن كان رجع عن ذلك وكفَّر الفلاسفة القائلين بِقِدَم
العالم في كتابه "تهافت الفلاسفة". وكذا تعطيل الحلولية كالحلاج القائل:
"لا إله إلا الله ما في الجبة إلا الله"، وهؤلاء وإن كان ظاهرهم الإثبات،
ولكنهم في الحقيقة ينفون علو الله -تعالى- على خلقه، وأنه -تعالى- بائن من
خلقه، فهم يقولون بوجود الرب في كل وجود، ويقولون: إن الله في كل مكان،
ويعتقدون ذلك، وبعض جهلة المسلمين يحفظون أن الله في كل وجود، لكن لو قلت
له: هل الله موجود -تعالى- في ال*** والخنزير ودورة المياه؟!! يقول: "أعوذ
بالله" ويأنف من هذا تماماً، أما الاتحادية والحلولية فيقولون ذلك صراحة
ويعتقدونه، فإذا كان النصارى قد كفروا بأعيانهم لاعتقادهم حلول الرب في
ذات المسيح، فكيف بمن يعتقد انه يحل في كل المخلوقات، وانه سارٍ فيهم
سريان الملح في الماء، والسمن في اللبن، أو أنه هذا الهواء الذي نتنفسه؟؟
-نعوذ بالله من كفرهم- وهذا قول جهم أصلاً، فهو لا يثبت صفةً ولا فعلاً
لله -عز وجل- ولا انفصالاً، ويقول: سارٍ وحالٌّ في الوجود، كل شيء في
الوجود الله، وهذا كلام الحلولية، وهؤلاء كفار بلا نزاع.



وكذا الاتحادية وهم أشد منهم كفراً، لا يقولون بذات حلت في الأخرى، كالملح
في الماء يحل فيه، بل يقولون إنها شيء واحد، وينكرون على الحلولية قولهم.



والاتحادية هم أئمة الصوفية كابن عربي وابن الفارض وابن سبعين، كل هؤلاء
أئمة كبار عند فرق الصوفية، ومنهم كذلك الدسوقي الذي له أبيات شعرية فظيعة
جداً في هذا الشأن، والشاذلي، ومنهم المرسي أبو العباس تلميذ ابن عطاء
الله السكندري تلميذ أبي الحسن الشاذلي، الذين يقولون في جميع أوراد
الطائفة الشاذلية بتفرعاتها المختلفة: "اللهم انشلني من أوحال التوحيد،
وأغرقني في عين بحر الوحدة"، فمن سمى التوحيد أوحالاً فهذا وحده- كفر،
وقولهم: "عين بحر الوحدة"، فهذا هو الاتحاد، أن يكون كله شيئاً واحداً،
ولا يوجد تعدد عندهم، وأحد قدمائهم -ويُدعى التلمساني- يقول: " وما ال***
والخنزير إلا إله".



وكذلك ابن الفارض صاحب القصية التائية المليئة بأنواع الكفر البواح، الذي لم يوارِ ول يدار، يقول:



وكل الجهات الست نحوي توجهت





بما تم من نُسْكٍ وحج وعمرةِ



لــها صــلواتي بالمقــام أقيمـــــها





وأشــهد فيـــها أنـها لي صَلَّتِ



كلانــا مصــلِّ واحـــد ساجـــد إلى





حقيقته بالجمع في كل سجدةِ



وما كان لي صلَّى سواي ولم تكن





صلاتي لغيري في أدا كل ركعةِ



ثم يقول:



وبي موقفي لا بل إلىَّ توجُّهي





كذاك صلاتي لي ومنِّي كعبتي



فلاتك مفتوناً بحسنــك معجباً





بنفسك موقوفاً على لَبسِ غرة



وفارقْ ضَلال الفرق فالجمع منتج





هدى فرقة بالاتحاد تحدَّتِ



ثم يقول:



إلي رســولاً كنت منـــي رسلاً





وذاتي بآياتي عليَّ استدلت



ثم يقول:



ولولاي لم يوجد وجود ولم يكن





شهود ولم تعهد عهود بذمةِ



فلا حيَّ إلا من حيــــاتي حياتــــه





وطوع مرادي كل نفس مُريدةِ



ثم يقول:



وما عقد الزنار حكماً سوى يدي





وإن حُلَّ بالإقرار بي فهي حلَّتِ



وإن نار بالتنزيل محراب مسجد





فما بار بالإنجيل هيكــــــل بيعةِ



وأسفار توراة الكليـــــــم لقومه





يناجي بها الأحبار في كل ليلةِ



وإن خر للأحجار في الــبُّدِ عاكفٌ





فلا وجه للإنكـــــــار بالعصبيةِ



فقد عبد الديــــنار معنــــى منزَّه





عن العــــار بالإشراك بالوثنية



وقد بلغ الإنذار عني من بـــــغى





وقامت بي الأعذار في كل فرقة



وما زاغت الأبصار من كل مــلة





وما زاغت الأفكار من كل نِحلةِ



يقول:إن سجد للأصنام شخص في صحراء، فلا تكن متعصباً، وتنكر عليه السجود
للأصنام، فإن الذي عقد الزنار هو يدي، والذي حله بالإسلام هو أنا، فكله
شيء واحد، وهذه هي وحدة الأديان، وابن عربي يقول: "كنت أبغض المرء إن لم
كين دينه ديني، فأصبح يستوي عندي اليوم كعبة طائف، ودير رهبان، وبيت
أوثان، ومرتع غزلان"، كل ذلك واحد عنده، وهذا خروج من الملة بإجماع أهل
الإسلام، ولذلك كان السلف يقولون: (إن الله مستوٍ على عرشه بائن من خلقه"،
يعني منفصل عن الخلق، وكلام الأشاعرة الذين يقولون: "لا نثبت له الاتصال،
ولا الانفصال"، كلام خطير مخالف للسلف، لأن السف لم يزالوا يقولون "بائن
من خلقه"، فإن الاستواء هنا استواء يقتضي البينونة، لأن وجود الرب غير
وجود المخلوق، ولا نقول بالمماسة، بل هو بائن من خلقه.




www.salafvoice.com

موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الأربعاء 04 أبريل 2007, 02:10

عقيدة السلف في الصفات






الحمد لله، والصلاة السلام على رسول الله، أما بعد،



تعطيل الجهمية الأوائل النُفاة لصريح الكتاب والسنة: لا يثبتون اسماً ولا
صفة لله -عز وجل- ولا فعلاً، وناشر عقيدتهم الجهم بن صفوان، وهو تلميذ
الجعد بن درهم، والجعد هو أول من أظهر هذا الاعتقاد علانية، وقال: "إن
الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يَسْتَوِ على
العرش" قال ذلك صراحةً باللفظ، فكَفَّره أهلُ زمانه من التابعين، وقتله
خالد بن عبد الله القسري على زندقته ـ أحد ولاة بني أمية ـ وكان ظالماً
شديد البطش، ولكنه أحسن في قتله الجعد بن درهم ، وكان في بني أمية شدةٌ
على أهل البدع، وهذا من محاسنهم، فقال : «يا أيها الناس، ضَحُّوا تقبل
الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍ بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ
إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً
كبيراً»، فذبحه يوم عيد الأضحى ونزل عن منبره فذبحه في أصل المنبر .



تعطيل المعتزلة: الذين أخذوا عن الجهمية ذلك، ولكن صاغوه بعبارات أخف،
فأثبتوا ذاتَ الرب وأسماءَه الحسنى، ونفوا صفاته، فقالوا سميع بلا سمع،
بصير بلا بصر، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، وهذا كلام متناقض في الحقيقة،
والذي أدى بهم إلى هذا التناقض محض شبهات باطلة في أذهانهم، قالوا لو
أثبتنا لله سمعاً قديماً، فقد أثبتنا إلهين، ولو أثبتنا بصراً، لصاروا
ثلاثة آلهة، ولو أثبتنا قدرة لصاروا أربعة، وهكذا فيصير عندنا آلهة شتى،
وهذا ينافي التوحيد، فنفوا صفات الرب -جل وعلا-، وهذا كلام باطل بالقطع،
فالصفات إنما تقوم بذات الرب -سبحانه وتعالى- ولا تقوم منفردة ولا مستقلة،
فالانفصال بين الصفة والموصوف أو بين الذات والصفات إنما هو انفصال في
الذهن فقط وليس في الخارج، فليس هناك سمع مستقل، ولا بصر مستقل ليكون هناك
تعدد، بل الانفصال في الذهن، أما في الخارج وفي الحقيقة فلا، فالله -عز
وجل- واحد لا شريك له، لم يزل بأسمائه وصفاته -سبحانه وتعالى-.



تعطيل الأشاعرة: وهو الاعتداد بسبع صفات أو ثلاث عشرة أو عشرين دون باقي
الصفات ، ويقولون إن العقل يثبتها، إذاً فمنبع البدعة هي بدعة الجهمية
الأوائل وبدعة الفلاسفة، وهي أن العقل مصدر التلقي كما ذكرنا ذلك، وقد مر
بنا عرض مختصر لعقيدتهم .



والفرق الخارجة من الملة مــن المعطلة هم : «الحلولية، والاتحاديـة،
والباطنية، والفلاسفة، والجهمية الأوائل النافون لصريح الكتاب والسنة
الذين يقولون: لم يتخذ اللهُ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم اللهُ موسى
تكليماً»، أما المعتزلة فأقوالهم أقوال كفرية، ولكن لا يكفر المعين منهم
حتى تقام عليه الحجة لوجود الشبهة .



أما الأشاعرة فهم أهل بدع وضلال، وإقرارهم بالصفات المشهورة المعلومة من
الدين بالضرورة في الجملة منع من تكفيرهم، وإن كان عندهم تعطيل للاستواء
ونحو ذلك من الصفات، ولكنه ليس على سبيل الإنكار لصريح القرآن بل على سبيل
التأويل، فيقولون : «استوى بمعنى استولى»، وهذا في الحقيقة هو كلام
الجهمية الأوائل لكن على سبيل التأويل، وهذا هو التحريف الذي سنبينه إن
شاء الله -تعالى-، فالذي يقول : استوى بمعنى استولى ، واليد بمعنى القدرة
والنعمة، والرِجْل بمعنى المقام العظيم، أو غير ذلك، كل هذا من البدع
والضلال الموروث عند الأشاعرة عن المتقدمين من المعتزلة.



التحر يف



أما التحريف فهو نوعان :



1- التحريف اللفظي: ومعناه التغيير في لفظ الآية أو الحديث ، كقول بعض
المعتزلة في قوله -تعالى-: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء
:164) ، يقرؤها : « وكَلَّمَ اللهَ مُوسَى تكْلِيماً » ، ليثبت أن الكلام
لموسى وليس صفة لله ، فجعله من فعل موسى -عليه السلام- ليهرب من إثبات صفة
الكلام لله -عز وجل- ، وهذا لا يمكنه في مثل قوله -تعالى-: (وَلَمَّا
جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) (الأعراف : 143) ، فهي
لا تحتمل إلا وجهاً واحداً وهو أن الله -عز وجل- هو الذي كَلَّمَ موسى
-عليه السلام- .



2- التحريف المعنوي: هو تحريف المعنى ، بحيث يبقى اللفظ على ما هو عليه
ولكن يُحرِّف المعنى ، ويدخل في التحريف التأويل المذموم الذي ابتدعه بعض
الخلف لشبهات عقلية فاسدة كقول المعتزلة ومن وافقهم فيما بعد من الأشاعرة
في قوله -تعالى- : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه : 5)، أي «
استولى » ، تحريفاً للمعنى ، فَهُم يُثبتون اللفظ ، ويحرِّفون المعنى
الحقيقي ، وهو معنى العلو والارتفاع ، فالله -عز وجل- على العرش استوى ،
بمعنى علا وارتفع ، فينفون ذلك ، ويقولون: لا يجوز أن يوصف بالاستواء
والفوقية ، ولكن الاستواء هو الاستيلاء ، واستوى بمعنى استولى.



ومثل قولهم في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَنْزِلُ رَبُّنَا
تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ كُلَّ
لَيْلَةٍ ، فَيَقُولُ : مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟؟ مَنْ يَدْعُونِي
فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ؟؟ حَتَّى
يَطْلُعَ الفَجْرُ)، فيقولون : ينزل أمر ربنا ، أو ينزل مَلَك من ملائكة
ربنا ، ولا يُثبتون نزول الرب -سبحانه وتعالى- ، لماذا ؟! لأنهم يقولون إن
هذا النزول لا يليق بالله ، ولا يجوز أن يوصف الرب -سبحانه وتعالى-
بالنزول والصعود والارتفاع ونحو ذلك ، وهذا كله جهل عظيم ، وذلك لأن صفات
الله -تعالى- وأفعاله نأخذها من كتاب ربنا ومن سنة نبينا -صلى الله عليه
وسلم- ، فقد سبق أن : مصدر التلقي في عقيدة أهل السنة والجماعة وفي عقيدة
السلف هو : الكتاب والسنة ، وليس العقول التي تخطئ وتصيب ، فالرسول -صلى
الله عليه وسلم- قد أخبر أن الله ينزل إلى السماء الدنيا .



وأخبر الله -عز وجل- عن صفة اليد بقوله : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ
اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ
يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)(المائدة : 64) ، فلا يجوز بعد ذلك لعبد أن يقول :
« إن اليد التي وصف الله بها نفسه هي جارحة ، أي جزء من الأجزاء ، وهذا لا
يليق بالله ، ونحن نعرف ما يليق بالله ، فنصرف اللفظ الذي ورد إلى معنى
آخر ، هو معنى القدرة أو النعمة » .



وكذلك لا يجوز لعبد أن يقول أن قوله -تعالى-: (بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانِ) معناه قدرته أو نعمته ، لأن اللفظ لا يحتمل ذلك ، لماذا؟!
لأن صفة القدرة صفة واحدة فلا نقول : إن لله قدرتين ، ولا أن لله نعمتين ،
لأن الله نعمه لا تحصى -سبحانه وتعالى- وقدرته صفة ذاتية قائمة به -عز
وجل- وكيف يقول في قوله : (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) قدرتاه أو نعمتاه
؟!.



فالذي يُحَرِّف يُسمِّي ما يفعله تأويلاً ، والتأويل هي الكلمة المشهورة
عندهم ، فلا يسمون التحريف تحريفاً ، ولكن يسمونه تأويلاً لنصوص متشابهة
كما يزعمون ، يسمون نصوص آيات الصفات نصوصاً متشابهة تحتاج إلى تأويل ،
فيؤولونها بهذه الألفاظ ، فعلى سبيل المثال لماذا ينفون الاستواء ؟! لأنهم
يقولون : يلزم منه الجِهَة ، والجِهَة يلزم منها التَحَيُّز ، أي يكون
الله -عز وجل- في حَيِّز ، وفي مكان معين .



والجواب عن ذلك أن الاستواء لا يلزم منه التَحَيُّز ، ولا أن الجِهَة
بمعنى المكان المخلوق ، نحن نُثبت ما أثبته الكتاب والسنة من أن الله فوق
العرش ، ولفظ فوق التي يسمونها الجِهَة لا يلزم أن يكون مكاناً محدوداً
يَحِلُّ فيه الرب -عز وجل- ، بل الله -سبحانه وتعالى- العلي الكبير ، فهو
-عز وجل- أكبر ، نقول : الله أكبر ، أكبر من كل شيء ، فلا يحيط به شيء ،
بل هو -عز وجل- بكل شيء محيط ، هو -سبحانه وتعالى- لا يَحِلُّ في شيء من
مخلوقاته ، بل هو كما يقول السلف : «مُسْتَوٍ عـلى عرشه بائِنٌ من خلقـه»
، وبائنٌ أي منفصل ، لا يَحِلُّ في المخلوقات ، فالسموات السبع والأرضون
السبع في كَفِّ الرحمن كخَرْدَلَة في كَفِّ أحدكم ، والخَرْدَلَة شيء خفيف
جداً مثل الحبوب التي تكون في زهرة النبات ، والله أعلى وأعلم .



ونقول : إن هذا الذي حَرَّفَ كأنه يقول لله -عز وجل- إن الصفة التي وصفتَ
بها نفسك ، ووصفكَ بها رسولك -صلى الله عليه وسلم- لا تليق بك ، وأنا
ألغيها وآتي بما يليق بك ، فما أقبح هذا وما أشد سوء أدبه ، فالله -عز
وجل- أعلم بنفسه ، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعلم بربه ، ولا يجوز
أن نقول إن الكتاب والسنة يظهر منهما الباطل .

فلذلك نقول لا يجوز أن نَصِفَ الرب -سبحانه وتعالى- إلا بما وصف به نفسه
ووصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا نُحرِّف ، والتحريف نوع من
التعطيل وإن كان دون التصريح بالتعطيل ، فالذي يُحرِّف يحاول ألا يُكَذِّب
صريح القرآن فيُؤوِّل ، وهذا فعل المعتزلة والأشاعرة ، وأصل هذه التأويلات
هي تأويلات الجهمية لما فشلت حيلتهم في رد الكتاب صراحةً ، وفي رد السنة
صراحةً ، لجؤوا إلى التأويل ، ولكن لأجل عدم معرفة المتأخرين بعقيدة السلف
، أصبحت عقيدة هؤلاء الجهمية هي عقيدتهم ، وإن كانوا لا يُسَمُون أنفسهم
بالجهمية.

www.salafvoice.com

موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الأربعاء 04 أبريل 2007, 02:15

عقيدة السلف في الصفات








الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،



أكثر الذين وقع منهم في التاريخ الإسلامي ترويج لعقيدة الجهمية بين الناس
على أنها عقيدة أهل السنة، هم أئمةٌ أشاعرة لهم منزلة كبيرة في الفقه لكن
علمهم بعقيدة السلف والأحاديث قليل، فقـدَّموا علم الكلام والتأويلات
المنحرفة التي فيه إلى الناس على أنها منهج أهل السنة ، لأن أبا الحسن
الأشعري هو الذي قاوم المعتزلة ورد عليهم، لكن تأثر كثيرٌ جداً من تلامذته
ومن انتسب إليه بعقيدة هؤلاء المعتزلة، ولم يَسْلَمُوا من التخلص منها
بالكلية، وهؤلاء الأئمة لهم كتب جيدة في الفقه والأصول ونحو ذلك، ولهم
كلمة مسموعة، وهم مشهورون كعلماءَ في المذاهب التي ينتسبون إليها، مذاهب
الأئمة الأربعة، لكنهم فتحوا باباً خطيراً في التأويل، وصار الناس بسببهم
يقولون عن هذه العقيدة -عقيدة تأويل الأسماء والصفات- إنها عقيدة أهل
السنة ، معتقدين أن الأشاعرة هم أهل السنة، وليسوا كذلك، لأن الأشاعرة
فرقة فيها انحراف بلا شك، وإن كانوا من أهل القبلة، فليسوا كفاراً، ولكنْ
فيهم انحراف في فهم الاعتقاد، خاصةً في قضية الأسماء والصفات كما سبق
بيانه.



لذلك قضية تأويل الأسماء والصفات أصبحت علامة مميزة تميز أهل السنة -على
طريقة السلف- عن أهل البدع الذين ينتسب بعضهم إلى السنة وليسوا منها، وهم
من يُعْرَفُون بالخَلَف، وهم كما قلنا لهم منزلة كبيرة في الفقه والأصول
لكنهم أدخلوا -لعدم معرفتهم بطريقة السلف وضعف علمهم بالحديث- طريقة أهل
البدع في العقيدة .



و قال بعض المتأخرين: «إن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم»،
كأنه يقول إن المسلمين لا يستطيعون الرد على الكفار إلا بانتهاج طريقة
الخلف، وهي التأويل، وطريقة السلف أسلم حتى لا نخوض في علم الكلام.



ولا شك أن طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم، والعبارة السابقة التي قالوها
غير صحيحة ولا تليق، إذ لا يليق أن نقول إن السلف -رضوان الله عليهم- أقل
علماً من الخلف، فهذا الكلام باطل قطعاً، بل أعلم الأمة بعد نبيها -صلى
الله عليه وسلم- هم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم التابعون،
ثم أتباع التابعين، وهم أفضل في العلم وفي العمل وفي السلوك، ولذلك
فقولنا: «السلفية منهج» معناها: أن نلتزم بطريقة السلف في كل هذا: العلم
والعمل والسلوك. ومَنِ السلف؟ هم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم
الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
(خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ
يَلُونَهُمْ). ونحن نجزم أنهم لم يستعملوا التأويل، ولم يقل أحد منهم إن
استوى بمعنى استولى، ولا أن اليد بمعنى القدرة، ولا أنه لا يجوز أن نقول:
إن الله ينزل، وأن الذي ينزل هو أمر ربنا أو ملك من ملائكته إذا بقي ثلث
الليل الآخر إلى السماء الدنيا، ولا أنه لا يجوز أن نقول إن الله يجئ يوم
القيامة، لم يقولوا بذلك أبداً، بل طريقة السلف: أن نؤمن بكل ما وصف الله
به نفسه، والسلف قد أجمعوا على ذلك في العقيدة، ولم ينقل عن أحد منهم
التأويل، فكيف يقال بعد ذلك: إن طريقة الخلف أعلم؟! هذا لا يمكن، بل طريقة
السلف أسلم وأعلم وأحكم لأنهم أعلم الأمة.



ويمتنع أن يكون الصحابة -رضي الله عنهم- قد جهلوا أموراً علمها من بعدهم،
إلا أموراً ليست من الدين، فهم الذين نقلوا لنا الدين عن الرسول -صلى الله
عليه وسلم-، ونحن نجزم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يَقل بهذه
التـأويلات والتحريفـات التي قـال بها الخلق، وفسروا بها النصوص، فالرسـول
-صلى الله عليه وسلم- لم يفسِّر اليد بالقـدرة ولا بالنعمة، ولا فسَّر
الاستواء بالاستيلاء، ولا أنكر لفظ « فوق » بل هو -صلى الله عليه وسلم-
الذي قال ذلك، ولا أنكر أن الله -عز وجل- في السماء، كما يزعمون أن من
يقول: « إن الله في السماء » فهو كافر ، فإذا كان الرسول -صلى الله عليه
وسلم- سأل الجارية فقال لها: أَيْنَ اللهُ ؟، قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ،
قَالَ : مَنْ أَنَا ؟، قَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللهِ ، قَالَ:
أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ)، وشهد لها الرسول -صلى الله عليه
وسلم- بالإيمان، والخلف المتأخرون يقولون إن الذي يقول إن الله في السماء
فهو كافر.



فإذا سألتهم: ولماذا يصير كافراً من يقول : إن الله في السماء؟!! يقولون :
«لأن هذا معناه أن السماء تحيط بالله -سبحانه وتعالى- وتحويه» ، وهذا كلام
عجيب، فهل قولنا «في السماء» معناه أنها تحويه -سبحانه وتعالى-؟!! فإن
السلف لم يفهموها هكذا، بل في السماء يعني في العلو، والله -عز وجل- له
صفة العلو، كما يقولون: فلانٌ في العِزِّ والغِنَى عَلَى أعْلى المراتب ،
فهل الغِنَى يحيط بهذا الغَنِيّ؟! جهل عظيم أن نفهم الكلام هكذا، بل معناه
أن صفته أنه عزيزٌ وغَنِيّ.



فمعنى أن الله -عز وجل- في السماء يعني في العلو، يعني أنه -سبحانه
وتعالى- العَلِيّ، وليس أن السماء المخلوقة تحيط بالله -سبحانه وتعالى-،
فكما قال -تعالى-: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ
جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون)(الزمر : 67)،
فمَنْ ـ بعد ذلك ـ يمكن أن يظن أن السماء تحيط بالله -عز وجل- أو تُقِلُّه
« تحمله » ، أو تظله « فوقه » ، بل هو -عز وجل- فوق العرش ، وفوق السماء
المخلوقة ، هو في السماء يعني في العلو، فالسماء هنا مصدر، أو أنها السماء
المخلوقة لكن الرب -سبحانه- فوقها ، فتكون « في » في قوله -تعالى-: (فِي
السَّمَاءِ)(الملك : 16) ، بمعنى « على أو فوق » ، كما قال -سبحانه
وتعالى-: (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)(التوبة : 2) ، فهل
الأمر كان أن يسيروا داخل الأرض ، بل في الأرض : أي فوق الأرض ، وقال
-تعالى-: (وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)( طه : 71 ) ، فهل
صلبهم داخل النخل ؟ بل على جذوع النخل .



الغرض المقصود أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقل بهذه التأويلات ولم
يقل بها الصحابة ولا التابعون، ولا تابعو التابعين، وإنما ظهر ذلك فيما
بعد، في أهل البدع والضلال.



لذلك نقول: إن طريقة السلف هي الأعلم والأحكم، وعند التأمل نجد هذه
الشبهات العقلية عند أهل البدع شبهات باطلة، نتيجة جهلهم العظيم بالأحاديث
النبوية الصحيحة، وجهلهم بتفسيرات السلف -رضي الله عنهم- وجهلهم باللغة
العربية ، فعندما يقولون : « استوى بمعنى استولى » هل هذا يوافق اللغة
العربية؟! لا ، فهذا الكلام باطل لغةً، لا يُستَعمل الفعل استوى بمعنى
استولى، كما أن الفعل استولى يقتضي وجود منازعة، فقولهم في : (الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه : 5) بمعنى استولى، معناه أنه كان هناك أحد
ينازع الله -سبحانه وتعالى-، ولم يكن العرش في ملك الله ، ثم استولى
الرحمن عليه ، خاصةً أنه -عز وجل- قال : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي
خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ)(الأعراف : 54)، ومعروف أن العرش مخلوق قبل خلق السموات ،
فهل كان أحد يملكه قبل خلق السموات والأرض ثم استولى الله -عز وجل- عليه
؟!! نعوذ بالله -تعالى- من القول بذلك .



إذاً فماذا نقول في قوله -تعالى-: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)؟ نقول
: إن الاستواء صفة فعل ، فبعد خلق السموات والأرض استوى الرب -عز وجل- على
العرش ، هذا لأن العرش عظيم وكريم ، فكرَّمَه الله -تعالى- بأن خصه
بالاستواء عليه ، وهو معنى الارتفاع والصعود والعلو ، ولذلك قال مجاهد : «
علا على العرش » ، ولم يزل -سبحانه وتعالى- هو العلي العظيم -عز وجل- ولكن
خصَّ العرش بفعل هو فعل الاستواء ، كما يليق بجلاله -عز وجل- ، والاستواء
معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، كما قال الإمام
مالك ـ رحمه الله ـ .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الأربعاء 04 أبريل 2007, 02:18


التأويل



عندما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عبارته : « نؤمن بكل ما وصف
الله به نفسه ، ووصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، من غير تعطيل ولا
تحريف ولا تكييف ولا تمثيل » ، لماذا لم يقل : « من غير تأويل » ، بدلاً
من قوله : « من غير تحريف » ؟! ولماذا اختار لفظ التحريف ؟!



لأن هذا اللفظ ـ التحريف ـ هو الذي ورد ذمه في القرآن كما في قوله-تعالى-:
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ)(المائدة : 13) وهذا فعل أهل
الكتاب ، وهو أليَق ، بخلاف التأويل أو الذي سموه تأويلاً ، لأنه يُستعمل
لغةً وشرعاً بمعنى التفسير .



فالتفسير يسمى أحياناً التأويل ، كما يقال : « القول في تأويل قوله تعالى
كذا » ، وفي بعض الروايات أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لابن عباس
-رضي الله عنهما- : (اللهمَّ فَقِّهُّ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ
التَّأْوِيلَ)، فالتأويل في هذا الحديث هو التفسير ، فالرسول -صلى الله
عليه وسلم- يدعو لابن عباس أن يعلمه الله تفسير القرآن .



فالخلف سموا ما فعلوه تأويلاً ، لكي يقتربوا من الألفاظ الشرعية ، لكن ما
فعلوه ليس بتأويل شرعي ، بل هو تأويل مذموم ، ولذلك أسماه شيخ الإسلام «
تحريفاً ».



والتأويل أيضاً له معنى آخر مذكور في قوله -تعالى-: (هُوَ الَّذِي
أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ
وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ
عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ)(آل عمران :
7)، وفي قوله -تعالى-: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ
عِنْدِ رَبِّنَا) قراءتان :



القراءة الأولى المشهورة : هي الوقف اللازم على لفظ الجلالة : (وَمَا
يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ)، ثم نبدأ (وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا).



« التأويل » هنا لا يصح أن يكون بمعنى التفسير ، لأن مفهوم ذلك حينئذ أن
الراسخين في العلم لا يعلمون التفسير ، فهل هناك آيات لا يعلم تفسيرها أحد
؟ الجواب : لا ، لأن الله -تعالى- قال : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ
مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
الأَلْبَابِ)(ص : 29).



فنحن مأمورون بتدبر جميع آيات القرآن ، ولذلك نقول : إنه ليست هناك آيات
بلا تفسير ، أو لا يُعْرَف تفسيرها ، بل كل القرآن يمكن أن يعلمه الناس ،
ولذلك حتى لو توقف بعض الصحابة أو غيرهم عن التفسير في بعض الآيات ـ كما
هو منقول عن الخلفاء الأربعة ، وإن كانت الأسانيد غير ثابتة ـ كما ورد عن
علي -رضي الله عنه- أنه قال في الحروف المقطعة في أوائل السور مثل: (الم)
ونحو ذلك يقول : « الله أعلم بتفسيره » ، ولم يتكلم فيه ، فنقول : نعم ،
من الممكن أن يتوقف واحدٌ ويقول : أنا لا أعلم تفسيرها ، لكن غيره يعلم ،
ولا يلزم من كونه أعلم من غيره مطلقاً أنه يعلم كل شيء ، كما قال أبو بكر
الصديق -رضي الله عنه- وهو أعلم الأمة بلا شك : « أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي
وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لا
أَعْلَمُ »، لكن ابن عباس -رضي الله عنهما- عندما تكلم عن هذه الحروف، قال
في قوله -تعالى-: (الم): « أَنَا اللهُ أَعْلَمُ » ، يعني أن كل حرف منها
يدل على اسم من أسماء الله أو فعل من أفعاله أو صفة من صفاته ومثل (الر)
يقول: « أنا الله أرى »، وهذا موجود في لغة العرب أنهم يكتفون بحرف يُغني
عن الكلمة ، كقول الشاعر :



قلنا لها قفي قالت لنا قاف









لا تحسبي أنَّا نسينا الإيجاف







يعني بقوله : « قالت : قاف » أنها قالت : « قد وقفتُ » ، فدلت بإظهار
القاف من « وقفتُ » على مرادها من تمام الكلمة التي هي « وقفتُ » ، وهذا
أقرب الأقوال ، والله أعلى وأعلم .



الغرض المقصود أن قراءة (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) (آل
عمران : 7) بالوقف اللازم على لفظ الجلالة ، لا يصح حملها على التفسير ،
بل نقول : إن التأويل هنا له معنى آخر ، وهو ما يؤول إليه الكلام في حاله
الثاني ، أي عاقبته وحقيقته التي ينتهي إليها ، فالكلام قد يكون خبراً ،
أو يكون أمراً ، أو نهياً فالخبر كالإخبار بقيام الساعة ، وأهوالها
والصُور وتكوير الشمس ونحو ذلك من أهوال القيامة ، كما قال الله -تعالى-:
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ
الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)
(الأعراف : 53).



ومعنى التأويل في الخبر وقوع المُخْبَر به ، فعندما يحدث المُخْبَر به
ويقع يقال : هذا تأويل الكلام السابق ، كما قال يوسف -عليه السلام- لأبيه
عندما سجد له إخوته : (يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ
قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا) (يوسف : 100)، هذه الرؤيا كانت متضمنة سجود
إخوته ، مع أنه رأى الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر ، لكن كان معناها أن
إخوته سيسجدون له والشمس والقمر أبوه وأمه ، لذلك قال له أبوه : (يَا
بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ) (يوسف : 5)، حتى لا
يفهموا أنهم هم الأحد عشر كوكباً ، وأنهم سيخضعون لأخيهم فيحملهم على أن
يكيدوا له كيداً ، فنهاه أن يخبرهم بذلك ، فلما كانت الرؤيا متضمنة لهذا
الخبر ، قال يوسف عند حدوث المخبر به ووقوعه : (يَا أَبَتِ هَذَا
تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)(يوسف :
100)، وقال الله -تعالى- : (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ)، أي يوم يأتي
تأويل القرآن : (يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ)، وهم الكفار
(قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)، أي يوم يقع ما أخبر الله
-تعالى- به في القرآن .



فعلى هذا المعنى يصح أن نقول في قوله -تعالى-وَمَا
يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) (آل عمران : 7)، أي لا يعلم وقت قيام
الساعة إلا الله ، ولا وقت وقوع الغيبيات إلا الله ، ولا يعلم كيفيتها إلا
الله -عز وجل-.



ونذكر مثالاً آخر في الأمور الخبرية أيضاً : فنقول نحن أُخْبِرنا بالأمور
الغيبية ولم نرها ، فأُخْبِرنا أن في الجنة فاكهةً ، وفي الجنة لحماً ،
وفي الجنة ماءً ، وفي الجنة عسلاً ، وهذه كلها أخبار ، وتأويل هذه الأخبار
مِنْ حيث وقت وقوعها وكيفيتها ومعرفة معانيها التفصيلية الدقيقة ، بحيث
يُعْلَمُ كل شيء عنها ، هذا بالتأكيد مما ادخره الله -عز وجل- لأهل
الإيمان ، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَقُولُ اللهُ -عز
وجل- : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا
أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ).



وكما قلنا قبل ذلك «الاستواء معلوم والكيف مجهول»، فهذا معنى من معاني
التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ، وهو هذه الكيفية المجهولة ، كيفية
الأمور الغيبية الخبرية ومن ضمنها أسماء الله وصفاته ، مثل كيفية سمع الله
، وكيفية بصر الله -عز وجل- ، وكيفية علمه -عز وجل- ، وكيف تقوم الصفات
بذاته ، فهذه الأمور الغيبية الخبرية لا يعلم تأويلها إلا الله ، بمعنى أن
هذه الأمور الخبرية لا يعلم كيفياتها التفصيلية إلا اللهُ -عز وجل- .



وكما فهمنا الفرق بين الفاكهة واللحم ، وبين الماء والعسل ، وإن كنَّا لا
نعرف كيفية هذه الأشياء لأنها غيب بالنسبة لنا ، فأولى بذلك وأولى أن نفهم
معاني صفات الرب جل وعلا ، ونعرف أن هناك فرقاً بين السمع والبصر ، وبين
العلم والقدرة ، ولكن لا نعرف كيفية السمع ، ولا كيفية البصر ، ولا كيفية
العلم ، ولا كيفية القدرة ، وكذلك نقول في كيفية الاستواء وكيفية النزول ،
ولذلك نقول : من أراد بقوله « إن آيات الصفات وأحاديثها متشابهة » بمعنى
أنها مجهولة الكيفية لا يعلمها إلا الله ، فهذا كلام حق ، فقوله -تعالى-:
(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) بمعنى لا يعلم كيفية الأمور
الغيبية إلا الله أما إذا قصد أنه لا يعلم معناها بالكلية بل هي بمنزلة
الكلام الأعجمي فهذا كلام باطل .



هذا إذا كان الكلام خبراً، أما إذا كان الكلام أمراً أو نهياً وليس خبراً
فيكون معنى التأويل فعل المأمور به أو ترك المنهي عنه ، كما قالت عائشة
-رضي الله عنها- : « كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُكْثِرُ
أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ : (سُبْحَانَكَ اللهمَّ رَبَّنَا
وَبِحَمْدِكَ اللهمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ)، أي يفعل ما
أُمِرَ به في القرآن ، لأن اللهُ -عز وجل- قال له : (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ
رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)(النصر : 3).



وكذلك نحن نتأول القرآن في الركوع قال -تعالى-: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ
رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (الحاقة : 52)، فنقول : « سبحان ربي العظيم » ، فهذا
تأويل للقرآن ، أي أنه في باب الأوامر والنواهي يكون فعلُ المأمورِ به
وتركُ المنهيِ عنه « تأويلاً » ، وليس ذلك هو التأويل الذي بمعني التفسير،
هذا على القراءة الأولى بالوقف اللازم على لفظ الجلالة ، والتأويل فيها
بمعنى كيفية الأمور الغيبية .



القراءة الثانية : وكان يقرأ بها ابن عباس -رضي الله عنهما- ، كان يقرأ :
(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)
، بلا وقف ، يعني أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله ، فهل يصح أن نقول
إنها تُحمَل على معرفة الأمور الغيبية؟! قطعاً لا يصح، لأن الراسخين في
العلم لا يعلمون وقت قيام الساعة ، ولا يعلمون كيفية الغيبيات ، ولا
يعلمون كيفية صفات الرب -تعالى- قطعاً ، فقراءة العطف هذه وقول ابن عباس
-رضي الله عنهما- : « أنا من الذين يعلمون تأويله » المقصود بها التفسير ،
وهو معرفة المعنى دون الكيفية ، فالراسخون في العلم يعلمون تأويله أي
تفسير القرآن دون أن يعلموا حقيقة الغيبيات ، يفهمون المعاني ولا يعرفون
الكيفية ، فهم يفهمون الفرق بين الحور العين ، والفاكهة مما يتخيرون ،
ولحم الطير مما يشتهون ، والماء المسكوب ، والخمر اللذة للشاربين ، نعرف
معاني الكلمات ، ولا نعرف كيفية هذه الأشياء ، فنحن نعلم الفرق بين هذه
الأشياء وبين الماء الحميم الذي يُسْقَاهُ الكفار فيُقَطِّع أمعاءهم ، ولا
نعرف كيفية الماء الحميم .



لذلك نقول : من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ، فمعنى أننا لا نُكَيِّف
صـفات الـرب -سبحانه وتعالى- أي لا نعرف حقيقتها ولا كيفيتها ، ومعرفة
الحقيقة معناها المعرفة التفصيلية الدقيقة الكاملة ، قال الله -عز وجل- :
(وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) (طه : 110).



ولذلك نقول لمن يتخيل كيفية معينة لصفات الرب جل وعلا : اعلم أن الرب ليس
كذلك ، (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ)، لا يعلم كيفية صفات
الرب إلا الله -عز وجل- ، حتى أهل الإيمان عندما يرون الله يوم القيامة ،
لن يحيطوا به علماً ، ولن يعرفوا كيفية صفاته -عز وجل- ، سيطَّلِعون على
أمور أكثر ، ويعرفون ربهم أكثر ، ويحبون الله أكثر ، ولكن من غير أن
يحيطوا به علماً ، لأن الله -عز وجل- هو العلي الكبير ، ولذلك في إثبات
رؤية الله يوم القيامة ، يقول الأئمة : «من غير إحاطة ولا كيفية» ، لأنه
أكبر من أن يحيط به بصرُ خلقه ، حتى إن أبصار المؤمنين في الجنة لا تحيط
به ولا بكيفيته ، فنحن ننظر للسماء ونراها ولا نحيط بها ، أين آخرها ؟! لا
نعلم ، لأنها كبيرة جداً بالنسبة لنا ، فالخلق كله صغير جداً بالنسبة
لعظمة الله ، فالله أكبر من كل شيء ، فلا نقول : « هل هناك اتصال أشعة
تنعكس على الحدقة الإنسانية أم كيف نراه ؟ » ، لا نتكلم في الكيفية ، هناك
كيفية لا نعلمها ، فكيفية الرؤية مجهولة وكل صفات الرب -سبحانه وتعالى-
الكيف فيها مجهول ، فكلمة الإمام مالك ـ رحمه الله ـ ، : « الاستواء معلوم
، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة »هذه الكلمة نطبقها
في كل أسماء الله وصفاته .



وللتأويل معنى ثالث اصطلاحي وهو المقصود في هذا الباب وهو صرف اللفظ عن
ظاهره إلى معنى محتمل مرجوح لدليل يقترن به ، وما كان منه بلا دليل فهو
المذموم شرعاً كمن يُؤوِّل (اسْتَوَى) بـاستولى ، واليد بالقدرة ، والرحمة
بإرادة الخير أو إرادة الثواب ، وهذا هو تحريف المعنى الذي سبق أن
بَينَّاه .



وقد أجمع السلف على الكف عن هذا التأويل ، ولم يُفسروا أحاديث رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- بهذه التأويلات البعيدة ، بل قالوا : أَمِرُّوها كما
جاءت ، أي دالةً على معانيها اللائقة بجلال الله -عز وجل- والإقرار بجهل
كيفيتها ، لذلك نقول « بغير تكييف » ، أي لا نعتقد كيفية معينة لصفات الله
، مع أن لها كيفية ، لكن هذه الكيفية مجهولة ، فنفي الكيفية هنا في قولنا
: « الكيف مجهول » ، يعني نفي معرفتنا للكيفية ، أما نفي التشبيه والتمثيل
فهو على عمومه ، لا يوجد مثيلٌ لله -عز وجل-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى : 11)، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا
أَحَدٌ)(الإخلاص : 4).

ولذلك اتفق السلف على ذم الفلسفة وعلم الكلام ، وأنها ليست مصدراً لعلم
العقيدة، ولهذا كانت بدعة الجهمية بنفي الأسماء والصفات وتعطيلها ، وبدعة
المعتزلة في نفي الصفات من شر البدع .

www.salafvoice.com

موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الأربعاء 04 أبريل 2007, 02:19

التشبيه « التمثيل »




كتبه/ ياسر برهامي



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،



أما التشبيه: فهو اعتقاد أن الله -عز وجل- يشبه أحداً من خلقه، والصحيح
تسميته بالتمثيل، قال -تعالى-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[ الشورى: 11 ] ، وقال: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ
كُفُوًا أَحَدٌ) [ الإخلاص: 4 ].



الفرق بين التكييف والتمثيل :



التمثيل نوع خاص من أنواع التكييف ، فقد يقول قائل : هو يشبه كذا ، فهذا
تمثيل ، وقد يقول : هو لا يشبه أحداً ، لكن له كيفية خاصة في ذهني أنا ،
لا أستطيع أن أشبهه بأحد ، وهذا تكييف ، فالتكييف أعم من التمثيل وهو أن
تكون له كيفية في ذهن المكيِّف ، ليست في شيء من الموجودات ، كالذي يخترع
شيئاً جديداً ، صورته النهائية غير موجودة في المشاهدات أمامه ، فالتمثيل
نوع خاص من التكييف.



والتمثيل والتكييف كلاهما باطل، لكن الفرق أن نفي التكييف المقصود به نفي
علمنا نحن به عنا لا نفيه مطلقاً ، فهناك كيفية لصفات الله لكن نحن لا
نعلمها أما التمثيل فهو منفي مطلقاً لأنه ليس هناك مثيل لله ولا لصفاته ،
فالتمثيل منفي وجوده على الإطلاق ، فالمثيل معدوم ، أما الكيفية فهناك
كيفية لا نعلمها ، فالكيف ليس معدوماً بل هو موجود لكنه مجهول لنا .



هل آيات الصفات وأحاديثها من المحكم أم من المتشابه ؟



في البداية نريد أن نعرف: ما المقصود بالمحكم والمتشابه ؟ قال تعالى :
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ
هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ
الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا
اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ
مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَاب) [ آل
عمران : 7 ] ، فالمحكم : هو ما لا يحتمل إلا معنىً واحداً ، وقوله
-تعالى-: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي أصله الذي يُرجع إليه عند الاختلاف،
(وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) والمتشابه : هو ما يحتمل عدة معانٍ .



فماذا يفعل أهل الحق تجاه الآيات المتشابهة؟ يَرُدُّونها للآيات المحكمة
فيتسق الكتاب كله، وليس بين الآيات المتشابهة والمحكمة اختلاف، ولكن
المحكمة ليست لها احتمالات والمتشابهة لها احتمالات، فَنَرُدها إلى
المحكمة فنفهم معناها.



وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون المتشابه -الذي لا يعلم تأويله إلا الله
-عز وجل- محاولين تحريفه وتأويله تأويلاتٍ باطلة ، وتفسيره تفسيراً خاطئاً
، ويتركون المحكم .



والغيبيات كلها من الآيات المتشابهة ومن ضمنها كيفية صفات الله -عز وجل-،
وبعض المتأخرين قال : إن آيات الصفات من المتشابه، وهذا صواب وحق، لكن ليس
ذلك معناه أنها حروف بلا معنى ، أو مجهولة المعاني، فيُظَن أنه لا يعلم
تأويلها إلا الله، أي لا يعلم تفسيرها إلا الله، فيُقال إن قوله -تعالى-:
(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [ طه : 5 ] ، عبارة عن « ا ل ر ح
م ن ع ل ى ا ل ع ر ش ا س ت و ى »، وأنها لا تفيد أكثر من ذلك، فمن قال ذلك
فهو ضال، لأنه يجعلها كالكلام الأعجمي أو الحروف المرصوصة بلا معنى،
وقالوا إن لها تفسيراً مجهولاً لا نعلمه، غير التفسير الذي نعرفه من اللغة
العربية، وهذا كلام باطل.



فالذين قالوا إن آيات الصفات من المتشابه بهذا الاعتبار وبهذا الفهم هم
مخطئون، وفي الحقيقة ليس في القرآن كله متشابه بهذا المعنى، بل آيات
الصفات وغيرها من الأمور الغيبية متشابهة بمعنى أنها معلومة المعنى مجهولة
الكيفية.



وثبت عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنه قرأ حديثاً عن رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- في الصفات، فانتفض رجل عنده إنكاراً لذلك، فقال ابن عباس : «
ما فَرَقُ هؤلاء ، يجدون رِقَّةً عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟! »، ما
فرق هؤلاء : أي ما الذي جعلهم يخافون هذا الخوف؟! وما الذي أدى به إلى هذا
الحال ، فيجد رقة عند المحكم ، وهو الأوامر والنواهي ، فيكون شديد
الالتزام بالأمر والنهي ، ويأتي عند الأمور الغيبية فيهلك بردها وتكذيبها
؟! أما المؤمنون فحالهم عند الآيات المتشابهة أنهم (يَقُولُونَ آَمَنَّا
بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) [آل عمران : 7 ]، ولا يردون المتشابه
بتكذيبه، بل يردونه إلى المحكم، ويدركون أن الجزء المجهول بالنسبة لنا ـ
وهو الكيفية ـ لا يستطيع أحد علمه ، فيتسق الكتاب كله ، فنقول: (لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[ الشورى : 11 ]، فنثبت
السمع والبصر ولكن بكيفية مجهولة لا نعلمها .



فالآيات المتشابهة تشتبه على أهل الزيغ والضلال، وأما كونها متشابهة عند
أهل الإيمان فهي بمعنى مجهولة الكيفية، فالمتشابه الذي لا يعلمه إلا الله
هو حقيقة الصفات، وكيفيتها، أما المعنى فهو مما قال الله فيه : (كِتَابٌ
أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ)[ ص : 29 ] ، لم يستثن متشابهاً ولا
غيره .



التفويض



أما التفويض فله معنيان:



1- تفويض المعنى. 2- تفويض الكيفية.



والتفويض هو: رد العلم إلى الله وحده، فهل السلف عندما يفوضون في باب
الصفات ويقولون: « أمِرُّوها كما جاءت »، هل كانت عندهم بلا معانٍ ؟! وهل
كانوا يفوضون المعنى ويُردُّون علم المعنى إلى الله -سبحانه وتعالى-؟!
وبالتالي تكون الأسماء والصفات بمثابة حروفٍ مقطعة ملصقة بجانب بعضها
البعض ، ونقول : الله أعلم بها ، كما قال من لم يعرف تفسير (الم) و (الر):
الله أعلم بها ، ولا نتكلم فيها ؟!



فهل كان مقصد السلف هو هذا التفويض للمعنى في قوله -تعالى-: (وَكَانَ
اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [ النساء : 134 ]، و قوله -تعالى-: (وَكَانَ
اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) [ النساء : 148 ]، وقول النبي -صلى الله عليه
وسلم-: « يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ
اللَّيْلِ الآخِرُ كُلَّ لَيْلَةٍ ، فَيَقُولُ : مَنْ يَسْأَلُنِي
فَأُعْطِيَهُ ؟؟ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟؟ مَنْ
يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ؟؟ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ »؟! فالجواب
: لا ، فليس هذا مقصدهم ، بل قولهم « أمروها كما جاءت » أي دالةً على
معانيها دون الخوض في الكيفية ، وبدون تفصيل .



مثال ذلك كلمة « يسمع » كلمة معلومة مفهومة لا تحتاج إلى تفسير ، ولذلك
مَنْ قال : « لا كيف ولا معنى » يقصد أنه ليس هناك معان يُعَرَّفُ بها
اللفظ ، وهو واضح لا يحتاج إلى تعريف ولا يحتاج أن يسأل عن معناه ، لأن
طريقة المتكلمين وأصحاب الفلسفة أن لكل شيء تعريفاً ، فيقولون مثلاً :
السمع صفة ثبوتية لله -عز وجل- قائمة بذاته بها يدرك المسموعات، وهذا
التعريف في الحقيقة لا يفيد شيئاً فَشرْطُ التعريـف الصحيح ألا يعتمد على
المُعَرِّف في البيان المُعَرِّف وهم يقولون إدراك المسموعات .



والحق أن كلمة السمع لا تحتاج لتفسير، فإن الطفل الصغير يدرك معناها إذا
قلت له: هل تسمعني؟ سيقول: نعم، وهكذا كلمات البصر والنزول والصعود ،
كلمات معلومة المعاني، لا تحتاج لتفسير، بخلاف ما إذا احتاجت الكلمة
لتفسير فنفسرها حينئذ، مثل قوله -تعالى-: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ مُقِيتًا) [ النساء: 85 ] ، فقوله مقيتاً: أي شهيداً.



وكذلك « الصمد »: أي الذي يَصْمُد إليه الخلائق في حوائجهم أي يقصدونه،
والذي لا يأكل ولا يشرب ، والذي لم يلد ولم يولد، لأن الكلمة غير مستعملة
في اللغة المعتادة عند الناس فهي تحتاج إلى شرح وبيان خاصة عند غير العرب .



إذاً فما المتشابه من آيات الصفات وأحاديثها الذي لا يعلمه إلا الله ؟ هو
الكيفية ، أما من يقول : معانيها مجهولة ، أو إنها بلا معانٍ نعرفها ، فقد
أخطأ خطأً بيناً ، بل قد أتى بدعة وضلالة، كالذي يقول إنها حروف كالكلام
الأعجمي مع نفي معانيها الحقيقية في اللغة العربية ، وكالذي يقرر أنه لا
يجوز أن نصف الرب -سبحانه وتعالى- بأن له يدين ، ويقول في قوله -تعالى-:
(بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) [ المائدة : 64 ] ، يقول إنها عبارة عن : «
ب ل ي د ا ه م ب س و ط ت ا ن » ، فإن قلت له : فما تفسيرها ؟ قال : الله
أعلم به ، لا نعلمه ، تفسيرها مجهول بالكلية .



لذلك فالسلف عندما قالوا : « الاستواء معلوم » ، قصدوا معلوم المعنى ،
ولذلك فالذي قال بالتفويض في معاني أسماء الله وصفاته وأنها حروف لا تؤدي
معنى كالكلام الأعجمي ، أو الحروف المقطعة في أوائل السور ـ مع أنه مثال
غير صحيح لأن من قال فيها : الله أعلم بتفسيرها ، لم يمنع غيره من الكلام
عليها ولم يقل لا يعلمها مخلوق، بل قال : أنا لا أعلم ـ والذي قال ذلك قد
جمع بين التعطيل وبين الجهل بعقيدة السلف والكذب عليهم ، فالتفويض الواجب
هو تفويض الكيف لا تفويض المعنى.

وفائدة هذا الفصل ـ التفويض ـ هو الرد على من قال من المتأخرين: إن السلف
مُفَوِّضَة، وكلمة المفوضة عندهم يقصدون بها تفويض المعنى، وهذا كلام باطل
لا يجوز.

www.salafvoice.com

موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الأربعاء 04 أبريل 2007, 02:20

التعبد لله -تعالى- بالأسماء والصفات




كتبه/ ياسر برهامي.



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،



نستكمل شرح المنة من كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في التعبد لله -عز
وجل- بأسمائه الحسنى بالشهود والمعاملة، يقول -رحمه الله تعالى-:



وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا
في السموات، ولا في قرار البحار، ولا تحت أطباق الجبال، بل أحاط بذلك علمه
علماً تفصيلياً، ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته وجميع
أحواله وعزماته وجوارحه، علم أن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره وإرادته
وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية له بادية لا يخفى عليه منها شيء.



وكذلك إذا أشعر قلبه صفة سمعه -سبحانه- لأصوات عباده على اختلافها وجهرها
وخفائها، وسواء عنده من أسر القول ومن جهر به، لا يشغله جهر من جهر عن
سمعه لصوت من أسر، ولا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه الأصوات على كثرتها
واختلافها واجتماعها بل هي عنده كلها كصوت واحد، كما أن خلق الخلق جميعهم
وبعثهم عنده بمنزلة نفس واحدة.



وكذلك إذا شهد معنى اسمه البصير -جل جلاله- الذي يرى دبيب النملة السوداء
على الصخرة الصماء في حندس الظلماء، ويرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة ومخها
وعروقها ولحمها وحركتها، ويرى مد البعوضة جناحها في ظلمة الليل، وأعطى هذا
المشهد حقه من العبودية بحرس حركاتها وسكناتها، وتيقن أنها بمرأى منه
سبحانه ومشاهدة، لا يغيب عنه منها شيء، وكذلك إذا شهد مشهد القيومية
الجامع لصفات الأفعال، وأنه قائم على كل شيء، وقائم على كل نفس بما كسبت،
وأنه -تعالى- هو القائم بنفسه المقيم لغيره القائم عليه بتدبيره وربوبيته
وقهره وإيصال جزاء المحسن إليه، وجزاء المسيء إليه، وأنه بكمال قيوميته لا
ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل
عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يضل
ولا ينسى.



وهذا المشهد من أرفع مشاهد العارفين، وهو مشهد ربوبية، وأعلى منه مشهد
الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم الحنفاء، وهو شهادة أن لا إله إلا
هو، وأن إلهية ما سواه باطل ومحال، كما أن ربوبية ما سواه كذلك، فلا أحد
سواه يستحق أن يؤله ويعبد، ويصلي له ويسجد، ويستحق نهاية الحب مع نهاية
الذل لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، فهو المطاع وحده على الحقيقة، والمألوه
وحده، وله الحكم وحده، فكل عبودية لغيره باطلة وعناء وضلال، وكل محبة
لغيره عذاب لصاحبها، وكل غنى لغيره فقر وفاقة، وكل عز بغيره ذل وصغار، وكل
تَكَثُّر بغيره قِلة وذلة، فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره فكذلك
استحال أن يكون لهم إله غيره، فهو الذي انتهت إليه الرغبات، وتوجهت نحوه
الطلبات، ويستحيل أن يكون معه إله آخر، فإن الإله على الحقيقة هو الغني
الصمد الكامل في أسمائه وصفاته، الذي حاجة كل أحد إليه ولا حاجة به إلى
أحد، وقيام كل شيء به وليس قيامه بغيره، ومن المحال أن يحصل في الوجود
اثنان كذلك، كما يستحيل أن يكون له إلهان، ولو كان في الوجود إلهان لفسد
نظامه أعظم فساد، واختل أعظم اختلال، كما يستحيل أن يكون له فاعلان
متساويان كل منهما مستقل بالفعل، فإن استقلالهما ينافي استقلالهما، أحدهما
يمنع ربوبية الآخر فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية، ولذلك
وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره؛ لصحة دلالته وظهورها وقبول
العقول والفطر لها، ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية، وكذلك كان عباد
الأصنام يقرون به، وينكرون توحيد الإلهية، ويقولون: (أَجَعَلَ الآَلِهَةَ
إِلَهًا وَاحِدًا)[ ص : 5 ] مع اعترافهم بأن الله وحده هو الخالق لهم
وللسموات والأرض وما بينهما، وأنه المنفرد بملك ذلك كله، فأرسل الله
-تعالى- الرسول يُذَكِّر بما في فطرهم الإقرار به من توحيده وحده لا شريك
له، وأنهم لو رجعوا إلى فطرهم وعقولهم لدلتهم على امتناع إله آخر معه
واستحالته وبطلانه.



فمشهد الإلوهية هو مشهد الحنفاء، وهو مشهد جامع للأسماء والصفات، وحظ
العباد منه بحسب حظهم من معرفة الأسماء والصفات، ولذلك كان الاسم الدال
على هذا المعنى هو اسم الله -جل جلاله-، فإن هذا الاسم هو الجامع، ولهذا
تضاف الأسماء الحسنى كلها إليه فيقال : الرحمن الرحيم العزيز الغفار
القهار من أسماء الله، ولا يقال : الله من أسماء الرحمن ، قال الله
–تعالى-: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)[ الأعراف : 180 ]، فهذا
المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها، وكل مشهد سواه فإنما هو مشهد لصفة من
صفاته، فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهية، وقام بحقه من التعبد الذي هو كمال
الحب بكمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية، فقد تم له غناه بالإله
الحق، وصار من أغنى العباد.



وقال في حال السابقين المقربين: « فنبأ القوم عجيب، وأمرهم خفي إلا على من
له مشاركة مع القوم، فإنه يطلع من حالهم على ما يريه إياه القَدْر المشترك.

وجملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت بمحبته
وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ولا
مفصل إلا وقد دخله الحب، قد أنساهم حبه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به ممن
سواه، قد فنوا بحبه عن حب من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه،
والرغبة إليه والرهبة منه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والسكون إليه،
والتذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره.

www.salafvoice.com

موقع صوت السل
ف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
نور الدجى
عضو جديد
عضو جديد
avatar

انثى عدد الرسائل : 9
تاريخ التسجيل : 08/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الثلاثاء 08 مايو 2007, 21:12

جزاكم الله خيرا كثيرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الخميس 10 مايو 2007, 15:25

جزانا و أياكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الخميس 10 مايو 2007, 15:31

نكمل إن شاء الله
صفات الذات وصفات الأفعال


باستقراء أدلة الكتاب والسنة قسم العلماء الصفات إلى صفات ذات وصفات أفعال، فما الفرق بينهما ؟

صفات الذات:

هي الصفات القائمة بذات الرب -عز وجل- وهي غير متعلقة بالقدرة ولا بالمشيئة، لأن كمال الصفات الذاتية ألا تتعلق بالقدرة ولا المشيئة ، مثال ذلك : صفة الحياة ، فالله -عز وجل- حي ، ولا نقول أبداً: الله حي إذا شاء ، وإذا شاء مات ـ نعوذ بالله ـ لأن صفة الحياة كمالها أن لا تتعلق بالمشيئة، بل الحقيقة أن صفة الحياة هي من لوازم صفة المشيئة .

وكذلك صفة القدرة ، لا نقول : الله قدير إذا شاء ، ويعجز إذا شاء ، وكذلك صفة السمع ، لا نقول : الله سميع إذا شاء ، وأصم إذا شاء ـ نعوذ بالله ـ بل نقول : الله سميع بصير .

أما صفات الأفعال: فهي الصفات المتعلقة بالقدرة والمشيئة ، مثال ذلك : ما ثبت من أن الله يرحم من يشاء ، ويعذب من يشاء ، ويرضى عن من يشاء ، ويغضب على من يشاء ، فهذه تسمى صفات الأفعال ، فهو -عز وجل- فعَّالٌ لما يريد ، فعَّال : يعني صفات الأفعال ، لما يريد : فالإرادة تتعلق بها الصفات الفعلية .

فأفعال الرب -عز وجل- هي التي تتعلق بالمشيئة والإرادة ، وأما الصفات الذاتية فلا تتعلق بالمشيئة، فالله -عز وجل- واحد، هذه الوحدانية صفة ذاتية لله -عز وجل- ، والله -عز وجل- لم يلد ولم يولد، وهذه صفة ذاتية لله -عز وجل-، فعندما نسأل النصارى: كيف تقولون إن الله -عز وجل- يلد أو يولد، أو كيف تقولون يُصلَب ويُبْصَق عليه ويموت، كما تقولون: مات يوم الخميس وقام يوم الأحد ـ يقولون قيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات يوم الأحد ـ وتحتفلون بذلك في عيد القيامة ([1])؟ فيقولون: إنه يقدر على ذلك، إذا أراد أن يموت فسيموت، وهذا جهل عظيم، فإن الحياة صفة ذاتية وليست صفة فعلية، فنقصٌ عظيم أن نقول: يموت إذا شاء، لأن معنى ذلك أن الدنيا لا تحتاج إليه، وإلا فكيف كانت الدنيا مستغنية عنه في هذه الأيام الثلاثة، نعوذ بالله، فالوحدانية والحياة وكونه لم يلد ولم يولد هذه صفات ذاتية لله -عز وجل- لا يجوز أن تتعلق بالمشيئة، لأن الموت نقص، فلا يصح أن نقول: إذا أراد أن ينقص نقص.

وكذلك عندما نسأل النصارى كيف تقولون عن المسيح إنه الله، وهو عبدٌ يَعْبُدُ الله؟ فيقولون : هو يريد ذلك !!! فهل يريد أن يكون عبداً ؟! فكونه إلهاً صفة ذاتية، وليس الأمر أنه إلهٌ إذا شاء وعبدٌ إذا شاء، نعوذ بالله، فلا يمكن لعقل بشري أن يقبل أن يقال إن الله يمكن أن يكون مخلوقاً أَوْجَدَهُ غيره، فصفات النقص هذه: « الموت ، والعبودية ووصفه بأنه مخلوق » لا تجوز على الله -عز وجل-، فالله -سبحانه وتعالى- له المثل الأعلى، له الصفات العُلا، والأسماء الحسنى، لذلك أسمى عقيدة هي عقيدة أهل الإسلام.

وهناك سؤال أفرزه علم الكلام، وللأسف قد نجده في بعض الكتب، وبعض الناس قد يسأله، يقولون : « هل يقدر الله -سبحانه وتعالى- أن يخلق مثله ؟! »، فنقول: هذا كلام متناقض جداً، وهو كلام النصارى في المسيح -عليه السلام- أن الابن يخرج من الأب، والروح القدس يخرج من الأب، ويقولون: الله قادر !! وهذا كلام منكر، فلا يصح قولهم: « يقدر أن يخلق مثله »، لأن « مثله » يعني أن المثلَ غيرُ مخلوق، فهل يقال: هل يقدر الله أن يخلق غير مخلوق ـ أي ما ليس مخلوقاً ـ ؟ فهذا سؤال متناقض باطل أصلاً ، ولأن الوحدانية وكون الرب الخالق غير مخلوق صفات ذاتية من صفاته لا تتعلق بالقدرة ولا بالمشيئة، بل كونه قادراً قدرة تامة من لوازم كماله -سبحانه وتعالى-.

فهذا السؤال السابق باطل، مثل قولهم: هل يقدر أن يموت ؟!! لأن الحياة لا تتعلق بالقدرة ولا بالمشيئة، بل هي صفة ذاتية لله -عز وجل-، ونَفْي الموت مثل نَفْي النوم ونَفْي السِنَةِ ([2]).
الأسماء الحسنى


جاء في الحديث المرفوع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)، هذا الحديث متفق على صحته.

فهل معنى ذلك أن أسماء الله -عز وجل- تسعة وتسعون فقط ؟ الجواب : لا ، ليس ذلك معنى الحديث ، بل معناه أن هذه الأسماء التسعة والتسعين من يحصيها ويقوم بحق كل اسم منها ، ويتعبد لله بمقتضى كل اسم منها ، ويدعو الله به ، مع حفظ هذه الأسماء يدخل الجنة ، وليس معنى ذلك أنها ـ فقط ـ تسعة وتسعون ، بل هناك أسماء حسنى لله -عز وجل- نحن لا نعلمها ، كما في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علم الذي أصابته الديون أن يقول : (اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أَوْ أَنْزَلْتَهَ فِي كِتَابِكَ ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي)([3]).

هذا دليل على أن هناك أسماء استأثر الله -سبحانه وتعالى- بعلمها ، وهناك أسماء علَّمَها الله بعض خلقه ، ولذلك نقول : إن هذا الحديث يقرر أن هذه الأسماء التسعة والتسعين مَنْ أحصاها دخل الجنة .

الأسماء التسعة والتسعون:

هذه الأسماء موجودة في الكتاب والسنة، ولكنها غير محددة بعددها في الكتاب والسنة حتى يجتهد الناس في الدعاء بكل الأسماء الحسنى الموجودة في الكتاب والسنة لكي يكون بذلك قد دعا الله بالتسعة والتسعين اسماً ، وشبيه ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-عن يوم الجمعة : (فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ الله شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) ([4])، حتى وإن قلنا هي آخر ساعة بعد العصر ، فنحن لا نعرفها تحديداً ، فالذي يمكث من العصر إلى المغرب يوم الجمعة يذكر الله ، سوف يدرك هذه الساعة ، وكذلك ليلة القدر في العشر الأواخر ، لكن أية ليلة هي تحديداً ؟! فنحن نطلبها في العشر الأواخر بأن نقوم العشر الأواخر كلها حتى ندرك ليلة القدر .

فكذلك لكي ندرك التسعة والتسعين اسماً، وندعو الله بها، ونتعبد لله بها ، فالسبيل لذلك أن نتعبد بكل ما ورد في الكتاب والسنة.

واجتهاد بعض العلماء القدامى والمعاصرين في تحديد تسعة وتسعين اسماً لله تعالى، بما فيها الأخذ برواية الترمذي([5])، فجَمْعُ هذه الأسماء محاولة من أهل العلم لحصر الأسماء التسعة والتسعين ، والصحيح أنه مجرد اجتهاد ، ونحن نحاول أن نجتهد في كل الأسماء التي وردت ، وندعو الله -عز وجل- بها ، فإذا فعلنا ذلك فبإذن الله تبارك وتعالى نكون دعونا الله بالتسعة والتسعين اسماً ، وأحصينا التسعة والتسعين اسماً ضمن هذه الأسماء الحسنى الموجودة في الكتاب والسنة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الخميس 10 مايو 2007, 15:33

اشتقاق الأسماء


هل يصح اشتقاق أسماء لله -تعالى- مما ورد فيه أفعال في القرآن العظيم ؟

نقول : قال الله -تعالى-: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)(لأعراف:180) فالأسماء لابد أن تكون حسنى ـ سواء أكان ذلك في اشتقاق أم كان ذلك في إطلاق الأسماء التي وردت بصيغة الاسم ـ ، فمثلاً قوله -تعالى-: (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة:64)، قد ورد هذا الاسم بصيغة الاسم « الزارعون » ، فهل نقول إن من أسماء الله الحسنى « الزارع » ؟! نقول : لابد أن تكون الأسماء حسنى ، فهذا الاسم عندما ورد في هذا السياق دل على الكمال ، لكن لا يجوز أن تجرده عن السياق ، بمعنى أنه لا يجوز أن تطلقه بعيداً عن السياق ، وكذلك لا يجوز أن يُقال : إن الله رابع ثلاثة ، ولا سادس خمسة ، لأن ذلك يوهم نقصاً ، وكذلك لا نقول : إن الله ماكر ، أو خادع ، أو مستهزئ ، استناداً إلى قوله -تعالى-: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ)(آل عمران:54)، وقوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)(البقرة: من الآية15)، وقوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)(النساء: 142).

لأن كلمات: « ماكر ، وخادع ، ومستهزئ » تستعمل في اللغة على معنى النقص والذم ، وأسماء الله حسنى، فلابد أن تُسْتَعْمَل أو تشتق اشتقاقاَ يدل على الكمال المطلق لله -تعالى-، فنقول : الله خير الماكرين ، الله مستهزئ بالمنافقين ، إن المنافقين يخادعون الله وهو خادِعُهم ، فكلمة « خادِعُهم » اسم ، ولكن لا نقول : هو خادع ، بل نقولها في سياقها.

أما الأسماء المطلقة ـ في السياق أو خارجه ـ فهي التي تدل بذاتها على الكمال المطلق، مثل : « العلي ، العظيم ، الحليم ، العليم ، السميع ، البصير » سواء أكانت مشتقة أم وردت بصيغة الاسم فلا يشتق مطلقاً إلا ما دل على الكمال ، والله أعلى وأعلم

وبعض العلماء يرفض الاشتقاق أصلاً ، بل لابد عندهم أن يكون الاسم ورد بلفظ الاسم ، لكن الصحيح الذي عليه عامة السلف أنهم يصححون الاشتقاق بشرط أن يكون المعنى صحيحاً ، دالاً على الكمال (1) ولا يوهم نقصاً بوجه من الوجوه ، مثل : اسم « الستَّار » مثلاً ، فالذي ورد في الحديث « الستير » ، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ ، يُحِبُّ الحَيَاءَ وَالسَّــتْرَ ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ) (۲)، وكذلك يجوز أن نقول: إن الله ستَّار ، لأن هذا الاسم قريب جداً في المعنى من اسم الستير، ويدل على معنى كمال مثلما يدل اسم الستير تماماً ، فلا مانع من أن نقول : إن الله هو الستَّار ، أما كلمة « ساتر » : فقد تستعمل بمعنى الحائط ، وبمعنى الستارة ، فلا يجوز أن نقول: « يا ساتر يا رب »، بل نقول: « يا سَتَّار يا رب »، والأفضل أن نقول: « يا ستِّير يا رب».








(1) للأسف الشديد هناك من المسلمين ، بل من المنتسبين للدعوة يهنئونهم بعيد القيامة المجيد ! فكيف تهنئ من يحتفل بقوله : « إن الله مات يوم الخميس وقام يوم الأحد » ؟!! فهو يَسُبُّ الله -عز وجل-، فالتهنئة بهذا مقتضاها الرضا بهذا الكلام.


(2) السِنَة: الغَفوة.


(3) رواه ابن حبان (973) ، والبزار (1994) ، ورواه أحمد ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة وفي صحيح الترغيب والترهيب (1/2-383) .


(4) رواه البخاري (6037) بنحوه ، ومسلم (852) واللفظ له .


(5) التي ذكر فيها : « هُوَ اللهُ الَّذي لا إِلَه إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ المُصَوِّرُ الْغَفَّارُ الْقَهَّارُ الْوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الْخَافِضُ الرَّافِعُ المُعِزُّ المُذِلُّ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الْحَلِيمُ الْعَظِيمُ الْغَفُورُ الشَّكُورُ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ الْحَفِيظُ المُقِيتُ الْحَسِيبُ الْجَلِيلُ الْكَرِيمُ الرَّقِيبُ المُجِيبُ الْوَاسِعُ الْحَكِيمُ الْوَدُودُ المَجِيدُ الْبَاعِثُ الشَّهِيدُ الْحَقُّ الْوَكِيلُ الْقَوِيُّ المَتِينُ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ المُحْصِي المُبْدِئُ المُعِيدُ المُحْيِي المُمِيتُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْوَاجِدُ المَاجِدُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الْقَادِرُ المُقْتَدِرُ المُقَدِّمُ المُؤَخِّرُ الأَوَّلُ الآخِرُ الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الْوَالِيَ المُتَعَالِي الْبَرُّ التَّوَّابُ المُنْتَقِمُ الْعَفُوُّ ... ».


(1) كاسم المُنْعِم : فهو لم يرد ، ولكنه اسم يدل على الكمال ، وهو سبحانه المُنْعِم على الحقيقة، ولا نقص في ذلك ، والمتتبع لما ورد عن السلف في تعيين الأسماء والصفات يجد أنهم قد استخرجوا أسماء لله من القرآن بالاشتقاق ، يقول ابن حجر ـ رحمه الله ـ بعد أن بين أن تعيين الأسماء الواردة في رواية الترمذي ضعيف وأنه مدرج : [ وَإِذَا تَقَرَّرَ رُجْحَان أَنَّ سَرْد الأَسْمَاء لَيْسَ مَرْفُوعًا فَقَدِ اعْتَنَى جَمَاعَة بِتَتَبُّعِهَا مِنْ القُرْآن مِنْ غَيْر تَقْيِيد بِعَدَد , فَرُوِّينَا فِي « كِتَاب المِائَتَيْنِ » لأَبِي عُثْمَان الصَّابُونِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بْن يَحْيَى الذُّهَلِيّ أَنَّهُ اِسْتَخْرَجَ الأَسْمَاء مِنْ القُرْآن , وَكَذَا أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْم عَنْ الطَّبَرَانِيّ عَنْ أَحْمَد بْن عَمْرو الخَلال عَنْ اِبْن أَبِي عَمْرو حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الحُسَيْن سَألت أَبَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصَّادِق عَنْ الأَسْمَاء الحُسْنَى فَقَالَ : هِيَ فِي القُرْآن ، وَرُوِّينَا فِي « فَوَائِد تَمَّام » مِنْ طَرِيق أَبِي الطَّاهِر بْن السَّرْح عَنْ حِبَّان بْن نَافِع عَنْ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة الحَدِيث , يَعْنِي حَدِيث « إِنَّ لله تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا » ، قَالَ فَوَعَدَنَا سُفْيَان أَنْ يُخْرِجهَا لَنَا مِنْ القُرْآن فَأَبْطَأَ , فَأَتَيْنَا أَبَا زَيْد فَأَخْرَجَهَا لَنَا ، فَعَرَضْنَاهَا عَلَى سُفْيَان فَنَظَرَ فِيهَا أَرْبَع مَرَّات وَقَالَ : نَعَمْ هِيَ هَذِهِ , وَهَذَا سِيَاق مَا ذَكَرَهُ جَعْفَر وَأَبُو زَيْد قَالا : فَفِي الفَاتِحَة خَمْسَة « اللَّه رَبّ الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالِك » ، وَفِي البَقَرَة « مُحِيط قَدِير عَلِيم حَكِيم عَلِيّ عَظِيم تَوَّاب بَصِير وَلِيّ وَاسِع كَافٍ رَءُوف بَدِيع شَاكِر وَاحِد سَمِيع قَابِض بَاسِط حَيّ قَيُّوم غَنِيّ حَمِيد غَفُور حَلِيم »، وَزَادَ جَعْفَر : « إِلَه قَرِيب مُجِيب عَزِيز نَصِير قَوِيّ شَدِيد سَرِيع خَبِير » ، قَالا : وَفِي آل عِمْرَان « وَهَّاب قَائِم » ، زَادَ جَعْفَر الصَّادِق « بَاعِث مُنْعِم مُتَفَضِّل » ، وَفِي النِّسَاء « رَقِيب حَسِيب شَهِيد مُقِيت وَكَيْل » ، زَادَ جَعْفَر « عَلِيّ كَبِير » ، وَزَادَ سُفْيَان « عَفُوّ » ، وَفِي الأَنْعَام « فَاطِر قَاهِر » ، وَزَادَ جَعْفَر « مُمِيت غَفُور بُرْهَان » ، وَزَادَ سُفْيَان « لَطِيف خَبِير قَادِر » ، وَفِي الأَعْرَاف « مُحْيِي مُمِيت » ، وَفِي الأَنْفَال « نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير » ، وَفِي هُود « حَفِيظ مَجِيد وَدُود فَعَّال لِمَا يُرِيد » ، زَادَ سُفْيَان « قَرِيب مُجِيب » ، وَفِي الرَّعْد « كَبِير مُتَعَال » ، وَفِي إِبْرَاهِيم « مَنَّان » ، زَادَ جَعْفَر « صَادِق وَارِث » ، وَفِي الحِجْر « خَلَّاق » ، وَفِي مَرْيَم « صَادِق وَارِث » ، زَادَ جَعْفَر « فَرْد » ، وَفِي طَه عِنْد جَعْفَر وَحْدَه « غَفَّار » ، وَفِي المُؤْمِنِينَ « كَرِيم » ، وَفِي النُّور « حَقّ مُبِين » ، زَادَ سُفْيَان « نُور » ، وَفِي الفُرْقَان « هَادٍ » ، وَفِي سَبَأ « فَتَّاح » ، وَفِي الزُّمَر « عَالِم » عِنْد جَعْفَر وَحْدَه , وَفِي المُؤْمِن « غَافِر قَابِل ذُو الطَّوْل » ، زَادَ سُفْيَان « شَدِيد » ، وَزَادَ جَعْفَر « رَفِيع » ، وَفِي الذَّارِيَات « رَزَّاق ذُو القُوَّة المَتِين » بِالتَّاءِ ، وَفِي الطُّور « بَرّ » ، وَفِي اِقْتَرَبَتْ « مُقْتَدِر » ، زَادَ جَعْفَر « مَلِيك » ، وَفِي الرَّحْمَن « ذُو الجَلال وَالإِكْرَام » ، زَادَ جَعْفَر « رَبّ المَشْرِقَيْنِ وَرَبّ المَغْرِبَيْنِ بَاقِي مُعِين » ، وَفِي الحَدِيد « أَوَّل آخِر ظَاهِر بَاطِن » ، وَفِي الحَشْر « قُدُّوس سَلام مُؤْمِن مُهَيْمِن عَزِيز جَبَّار مُتَكَبِّر خَالِق بَارِئ مُصَوِّر » ، زَادَ جَعْفَر « مَلِك » ، وَفِي البُرُوج « مُبْدِئ مُعِيد » ، وَفِي الفَجْر « وَتْر » عِنْد جَعْفَر وَحْده , وَفِي الإِخْلَاص « أَحَد صَمَد » ، هَذَا آخِر مَا رُوِّينَاهُ عَنْ جَعْفَر وَأَبِي زَيْد وَتَقْرِير سُفْيَان مِنْ تَتَبُّع الأَسْمَاء مِنْ القُرْآن , وَفِيهَا اِخْتِلَاف شَدِيد وَتَكْرَار وَعِدَّة أَسْمَاء لَمْ تَرِد بِلَفْظِ الاسْم وَهِيَ : « صَادِق مُنْعِم مُتَفَضِّل مَنَّان مُبْدِئ مُعِيد بَاعِث قَابِض بَاسِط بُرْهَان مُعِين مُمِيت بَاقِي » ، وَوَقَفْت فِي كِتَاب « المَقْصِد الأَسْنَى » لأَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الزَّاهِد أَنَّهُ تَتَبَّعَ الأَسْمَاء مِنْ القُرْآن فَتَأَمَّلْتهُ فَوَجَدْتهُ كَرَّرَ أَسْمَاء وَذَكَرَ مِمَّا لَمْ أَرَهُ فِيهِ بِصِيغَةِ الاسْم « الصَّادِق وَالكَاشِف وَالعَلام » ] ا . هـ . [ فتح الباري ـ كتاب الدعوات ـ باب قوله « لا حول ولا قوة إلا بالله » ] .

فعلى سبيل المثال من الأسماء التي استُخرجت بالاشتقاق « المُبْدِئ المعيد » وهذان الاسمان مما اتفق عليه الثلاثة سفيان وجعفر الصادق وأبو زيد اللغوي كما ترى ، وقد نقل جماعات من العلماء من المتقدمين والمتأخرين عن هؤلاء الأئمة هذه الأسماء بما فيها الأسماء المُشتقة دون نكير ، ولم يقل أحد منهم أن الأسماء توقيفية بمعنى أنها لا يجوز فيها الاشتقاق ، وذلك والله أعلم لأن الاشتقاق عندهم لا ينافي التوقيف مادامت الأسماء تدل على الكمال المطلق ، وإنما الذي ينافيه اختراع أسماء لم تَرِدْ ولم يدل عليها فعل ولا صفة كـ « مهندس الكون العظيم » و« الرمضان » و« العلة الأولى » ونحو ذلك .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ بعد بيان أن التعيين للأسماء الواردة في رواية الترمذي مُدْرَجٌ كذلك ـ فيقول : « ولهذا جمعها قوم آخرون على غير هذا الجمع واستخرجوها من القرآن منهم سفيان بن عيينة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما » [ مجموع الفتاوى (6/380) ] ، بل هذا شيخ الإسلام يُقِرُ العلماء الذين ذكروا أن من أسماء الله « المغيث والغياث » ، فيقول ـ رحمه الله ـ : « قالوا من أسماء الله تعالى المغيث والغياث وقد جاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة ، قالوا واجتمعت الأمة على ذلك » ا . هـ [ مجموع الفتاوى (1/111) ] ، ومعلوم أن هذه الأسماء لم ترد بسند صحيح بلفظ الاسم مطلقاً ، وإنما استخرجها العلماء بالاشتقاق .

وكذلك ابن القيم ـ رحمه الله ـ يذكر أن من أسماء الله تعالى « المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل » ، وإن كان « المنتقم » لم يرد في القرآن مطلقاً ، بل ورد مقيداً بالمجرمين كما قال -تعالى-: (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ)(السجدة: من الآية22)، وهذه كلها أسماء مشتقة ، فيقول رحمه الله : « السابع عشر : أن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفرداً ومقترناً بغيره ، وهو غالب الأسماء ، كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم ، وهذا يسوغ أن يُدْعى به منفرداً ومقترناً بغيره ، فتقول : يا عزيز ، يا حليم ، يا غفور ، يا رحيم ، وأن يفرد كل اسم ، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع ، ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده ، بل مقروناً بمقابله كالمانع والضار والمنتقم فلا يجوز أن يُفرد هذا عن مقابله فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو ، فهو المعطي المانع ، الضار النافع ، المنتقم العفو ، المعز المذل ، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله ، لأنه يُراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاءً ومنعاً ، ونفعاً وضراً ، وعفواً وانتقاماً ، وأما أن يُثْنَى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض ، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد ، ولذلك لم تجئ مفردة ولم تُطْلَقْ عليه إلا مقترنة فاعلمه ، فلو قلتَ : يا مذل ، يا ضار ، يا مانع ، وأخبرتَ بذلك لم تكن مثنياً عليه ، ولا حامداً له حتى تذكر مقابلها » ا. هـ .

فها هو -رحمه الله- يذكر هذه الأسماء ، وقرنها بأسماء السميع والبصير والقدير والعزيز والحكيم حتى لا يقال إن ابن القيم ـ رحمه الله ـ يقصد أن هذه الأسماء تطلق عليه سبحانه من باب الإخبار .

وكذلك الشيخ حافظ حكمي ـ رحمه الله ـ في كتاب « معارج القبول » يذكر أن هذه الأسماء من أسماء الله الحسنى فيقول -رحمه الله-: واعلم أن من أسماء الله ما لا يُطْلَقُ عليه إلا مقترناً بمقابله فإذا أُطْلِق وحده أوهم نقصاً ، تعالى الله عن ذلك ، فمنها المعطي المانع ، والضار النافع ، والقابض الباسط ، والمعز المذل ، والخافض الرافع ، فلا يُطْلَقُ على الله المانع الضار القابض المذل الخافض كلاً على انفراده ، بل لابد من ازدواجها بمقابلاتها، إذ لم تُطْلَقْ في الوحي إلا كذلك ، ومن ذلك المنتقم لم يأت في القرآن إلا مضافاً إلى «ذو» كقوله -تعالى-: ( وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ)(آل عمران: من الآية4)، أو مقيداً بالمجرمين كقوله -تعالى-: (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ)(السجدة: من الآية22)أ.هـ . مع ملاحظة أن « القابض الباسط » قد جاء ذِكرهما في حديث ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، صححه الألباني في الصحيحة رقم 1846.

لكن ابن القيم ـ رحمه الله ـ اشتد نكيره على من يشتق من الأفعال المقيدة لا المطلقة ، فيقول ـ رحمه الله ـ : « الثالث : أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيداً أن يُشْتَق له منه اسم مطلق ، كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى « المضل الفاتن الماكر » ، تعالى الله عن قوله ، فإن هذه الأسماء لم يُطْلَقْ عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة ، فلا يجوز أن يُسمى بأسمائها المطلقة والله أعلم » ا. هـ

وينقل ذلك عنه أيضاً الشيخ حافظ حكمي ـ رحمه الله ـ فيقول : « وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- : إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقاً ، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى ، ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه تعالى الماكر المخادع المستهزئ الكائد ، فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود وتكاد الأسماع تُصَمُّ عند سماعه ، وغر هذا الجاهل أنه -سبحانه وتعالى- أطلق على نفسه هذه الأفعال فاشتق له منها أسماء ، وأسماؤه تعالى كلها حسنى فأدخلها في الأسماء الحسنى وقرنها بالرحيم الودود الحكيم الكريم ، وهذا جهل عظيم فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقاً بل تُمدح في موضع وتُذم في موضع فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله تعالى مطلقاً ، فلا يُقال إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد ، فكذلك بطريق الأولى لا يُشْتَقُ له منها أسماء يُسَمَى بها ، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد والمتكلم ولا الفاعل ولا الصانع لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم وإنما يُوصَف بالأنواع المحمودة منها كالحليم والحكيم والعزيز والفعال لما يريد ، فكيف يكون منها الماكر والمخادع والمستهزئ ، ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى : الداعي والآتي والجائي والذاهب والقادم والرائد والناسي والقاسم والساخط والغضبان واللاعن إلى أضعاف أضعاف ذلك من التي أطلق تعالى على نفسه أفعالها في القرآن ، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل ، والمقصود أن الله -سبحانه وتعالى- لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق ، وقد عُلِمَ أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق فكيف من الخالق -سبحانه وتعالى- » ا.هـ . فإنَّ ابن القيم ـ رحمه الله ـ إنما شنع على من أخطأ واشتق من الأفعال المقيدة والتي لم ترد مطلقة وإنما هي كمال في ما سيقت فيه ، يقول ـ رحمه الله ـ : « فصل : والرب تعالى يُشْتَقُّ له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا يُشْتَقُّ له من مخلوقاته ، وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به » ا. هـ . [ شفاء العليل ص 271] .


(۲) رواه أبـو داود (4012) ، والنسـائي (406) ، وأحمد (17999) ، وحسنه الألباني في المشكاة (447).


www.salafvoice.com
موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الخميس 10 مايو 2007, 15:34

التعبد لله -عز وجل- بالأسماء والصفات


كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

الموضوع اليوم من أهم الموضوعات المتعلقة بقضية الأسماء والصفات، إن لم نقل هو المقصود الأول المهم، وهو الذي أمر الله -عز وجل- به، وهو التعبد لله -عز وجل- بأسمائه وصفاته.

إن إبطال العقائد الفاسدة مثل التعطيل والتحريف والتكييف والتمثيل هو بيان الطريق في باب التعبد بالأسماء والصفات وليس نهايته ، فلو أن إنساناً لديه قطعة أرض ، ونظفها من الشوائب والقاذورات التي بها ، ثم إنه رضي بهذا وجلس فيها ولم يَبْنِ فيها بيتاً ، فلو جاءه حر لَلَفَحَهُ ، ولو جاءه برد لآذاه ، لذلك كان لابد له من أن يبني بيتاً يحميه، وكذلك نحن بعد أن نُنَظِفَ قلوبنا من العقائد الفاسدة لابد لنا من بناء الإيمان داخل قلوبنا ، وذلك بالتعبد لله -عز وجل- بالأسماء والصفات ، ودعاء الرب -عز وجل- بها ، فهو الذي قال : (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (لأعراف:180)

ونحن لم نتكلم عن الفرق الضالة إلا لأنها موجودة، وقلنا إن أضر الناس على الإسلام هم هذه الفِرق، وهم شرٌ على الإسلام طوال تاريخه، ومازالوا موجودين ، فلابد من الحذر منهم.

والأصل أن لا نتكلم بهذا الكلام ولا نثيره إلا قدر الضرورة ، وننشغل عنه بما هو أهم منه وأعظم، وهو البناء، فلا يكفي أن نَرُدَ على أهل البدع فقط ، بل الغرض المقصود أن نتعبد لله -عز وجل-، فالتعبد لله -عز وجل- بأسمائه وصفاته هو حقيقة التوحيد، وذلك بأن يمتلئ القلب بأجل المعارف باستحضار معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العلى ، ويتأثر القلب بآثارها ومقتضياتها، ويدعو الله تعالى بها.

فمثلاً أسماء « العظيم ، والكبير ، والمتعال ، والمجيد ، والجليل » تملأ القلب تعظيماً لله وإجلالاً له ، وأسماء « البر ، والكريم ، والودود » تملأ القلب حباً لله -عز وجل- وشوقاً إليه ، وحمداً له وشكراً ، وأسماء « العزيز ، وشديد العقاب ، والجبار ، والقدير » تملأ القلب خضوعاً وانكساراً وذلاً وخوفاً ورهبة منه -سبحانه وتعالى- ، وأسماء « العليم ، والخبير ، والسميع ، والبصير ، والشهيد ، والرقيب والحسيب » تملأ القلب مراقبة لله -عز وجل- في الحركات والسكنات ، وتؤدي بالعبد إلى أن يعبد الله كأنه يراه ، فإن لم يكن يراه فالله -عز وجل- يراه ، وأسماء « الغني ، والغفور ، والتواب ، والمجيب ، واللطيف » تملأ القلب افتقاراً إلى فضله ورجاءً لرحمته ورغبة في منته .

قال ابن القيم -رحمه الله- في طريق الهجرتين : « واعلم أن لك أنت أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً بل كل شيء فله أول وآخر وظاهر وباطن ، حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر . فأولية الله -عز وجل- سابقة على أولية كل ما سواه ، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه . فأوليته سبقه لكل شيء ، وآخريته بقاؤه بعد كل شيء ، وظاهريته ـ سبحانه ـ فوقيته وعلوه على كل شيء ، ومعنى الظهور يقتضي العلو ، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه . وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه ، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه ، هذا لون وهذا لون . فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة ، وهي إحاطتان : زمانية ومكانية ؛ فأحاطت أوليته وآخريته بالقبل والبعد ، فكل سابق انتهى إلى أوليته ، وكل آخر انتهى إلى آخريته ، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر ، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن ، فما من ظاهر إلا والله فوقه ، وما من باطن إلا والله دونه ، وما من أول إلا والله قبله ، وما من آخِر إلا والله بعده : فالأول قِدَمُه ، والآخِر دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته ، والباطن قربه ودنوه ، فسبق كل شيء بأوليته ، وبقى بعد كل شيء بآخريته ، وعلا على كل شيء بظهوره ، ودنا من كل شيء ببطونه ، فلا توارى منه سماءٌ سماءً ولا أرضٌ أرضاً ، ولا يحجب عنه ظاهر باطناً بل الباطن له ظاهر ، والغيب عنده شهادة والبعيد منه قريب والسر عنده علانية . فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد ، فهو الأول في آخريته والآخر في أوليته ، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره ، لم يزل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
www.salafvoice.com
موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الخميس 10 مايو 2007, 15:35

التعبد لله باسمه الأول والآخر


كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

كنا نتكلم عن مسألة من أعظم المسائل أهمية هي مسألة التعبد لله -عز وجل- بالأسماء والصفات، وقد ذكرنا جملة من كلام ابن القيم -رحمه الله- في التعبد لله -سبحانه وتعالى- باسمه الأول والآخر، والظاهر والباطن، يقول -رحمه الله-:

والتعبد بهذه الأسماء رتبتان :

الرتبة الأولى: أن تشهد الأولية منه -تعالى- في كل شيء والآخرية بعد كل شيء، والعلو والفوقية فوق كل شيء، والقرب والدنو دون كل شيء فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب ، والرب -جل جلاله- ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه . والمرتبة الثانية من التعبد أن يعامل كل اسم بمقتضاه ، فيعامل سبقه -تعالى- بأوليته لكل شيء ، وسبقه بفضله وإحسانه الأسباب كلها بما يقتضيه ذلك من إفراده وعدم الالتفات إلى غيره والوثوق بسواه والتوكل على غيره ، فمن ذا الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئاً مذكوراً حتى سماك باسم الإسلام ، ووسمك بسمة الإيمان ، وجعلك من أهل قبضة اليمين ، وأقطعك في ذلك الغيب عمالات المؤمنين ، فعصمك عن العبادة للعبيد ، وأعتقك من التزام الرق لمن له شكْلٌ ونديد . ثم وجه وجهة قلبك إليه سبحانه دون ما سواه ، فاضرع إلى الذي عصمك من السجود للصنم ، وقضى لك بقَدَمِ الصِدق في القِدَم ، أن يتم عليك نعمة هو ابتدأها وكانت أوليتها منه بلا سبب منك ، وَاسْمُ بِهِمَّتِكَ عن ملاحظة الاختيار ، ولا تركنن إلى الرسوم والآثار ، ولا تقنع بالخسيس الدون ، وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله -سبحانه وتعالى-، فإن الله -سبحانه- قضى أن لا ينال ما عنده إلا بطاعته ، ومن كان لله كما يريد كان الله له فوق ما يريد، فمن أقبل إليه تلقاه من بعيد ومن تصرف بحوله وقوته ألان له الحديد ، ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد ، ومن أراد مراده الديني أراد ما يريد ، ثم اسمُ بسرك إلى المطلب الأعلى ، واقصر حبك وتقربك على من سبق فضله وإحسانه إليك كل سبب منك ، بل هو الذي جاد عليك بالأسباب ، وهيأ لك وصرف عنك موانعها ، وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة فتوكل عليه وحده ، وعامله وحده ، وآثر رضاه وحده ، واجعل حبه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفاً بها ، مستلماً لأركانها ، واقفاً بملتزمها ، فيا فوزك ويا سعادتك إن اطلع سبحانه على ذلك من قلبك ، ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخلع أفضاله ، « الَّلهُمَّ لا مَانِعَ لمِا أَعْطَيْتَ ، وَلا مُعْطِي لمِا مَنَعْتَ ، وَلا يَنْفَعُ ذًا الجَدِّ مِنْكَ الجِدُّ ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ » .

ثم تعبَّد له باسمه الآخر بأن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه ولا مطلوب لك وراءه ، فكما انتهت إليه الأواخر وكان بعد كل آخر فكذلك اجعل نهايتك إليه فإن إلى ربك المنتهى ، إليه انتهت الأسباب والغايات فليس وراءه مرمى ينتهى إليه ، وقد تقدم التنبيه على ذلك وعلى التعبد باسمه الظاهر ([1]) .

وأما التعبد باسمه الباطن فإذا شهدت إحاطته بالعوالم وقربَ البعيد منه وظهورَ البواطن له وبدوَّ السرائر له وأنه لاشيء بينه وبينها فعامله بمقتضى هذا الشهود ، وطهر له سريرتك فإنها عنده علانية وأصلح له غيبك فإنه عنده شهادة ، وزَكِّ له باطنك فإنه عنده ظاهر ... » ا.هـ ([2])

وقال -رحمه الله- : « فمن شهد مشهد علو الله على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه كما أخبر به أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- ، وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمد يعرج القلب إليه مناجياً له مطرقاً واقفاً بين يديه ، وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز ، فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه مع أوفى خاصته وأوليائه ، فيستحى أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك ، ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصريف ـ من الإماتة والإحياء والتولية والعزل والخفض والرفع والعطاء والمنع وكشف البلاء ، وإرساله وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس ـ إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه ، فمراسمه نافذة كما يشاء (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (السجدة:5)، فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية استغنى به.










([1]) قال ـ رحمه الله ـ : « فإذا تحقق العبد علوه المطلق على كل شيء بذاته ، وأنه ليس فوقه شيء البتة ، وأنه قاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)(فاطر: من الآية10)، صار لقلبه أمماً يقصده ، ورباً يعبده ، وإلهاً يتوجه إليه ، بخلاف من لا يدري أين ربه فإنه ضائع مشتت القلب ليس لقلبه قبلة يتوجه نحوها ولا معبود يتوجه إليه قصده ، وصاحب هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبه إلها يسكن إليه ويتوجه إليه ، وقد اعتقد أنه ليس فوق العرش شيء إلا العدم ، وأنه ليس فوق العالم إله يعبد ويصلى له ويسجد ، وأنه ليس على العرش من يصعد إليه الكلم الطيب ولا يرفع إليه العمل الصالح ، جال قلبه في الوجود جميعه فوقع في الاتحاد ولا بد ، وتعلق قلبه بالوجود المطلق الساري في المعينات ، فاتخذ إلهه من دون إله الحق وظن أنه قد وصل إلى عين الحقيقة ! وإنما تأله وتعبد لمخلوق مثله ، ولخيال نحته بفكره واتخذه إلهاً من دون الله سبحانه ، وإله الرسل وراء ذلك كله (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) (يونس 3-4)، وقال : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (Cool ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) (السجدة 4-9)


([2]) طريق الهجرتين (1/47-49).


www.salafvoice.com
موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الخميس 10 مايو 2007, 15:37

التعبد لله باسمه الباطن والظاهر


كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

قال ابن القيم -رحمه الله- في كلامه عن التعبد لله -سبحانه- باسمه الظاهر:

وأما التعبد باسمه الباطن فإذا شهدت إحاطته بالعوالم وقربَ البعيد منه وظهورَ البواطن له وبدوَّ السرائر له وأنه لاشيء بينه وبينها فعامله بمقتضى هذا الشهود ، وطهر له سريرتك فإنها عنده علانية وأصلح له غيبك فإنه عنده شهادة ، وزَكِّ له باطنك فإنه عنده ظاهر ... » ا.هـ ([1])

وقال ـ رحمه الله ـ : « فمن شهد مشهد علو الله على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه كما أخبر به أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- ، وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمد يعرج القلب إليه مناجياً له مطرقاً واقفاً بين يديه ، وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز ، فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه مع أوفى خاصته وأوليائه ، فيستحى أن يصعد إليه من كلمه ما يخزيه ويفضحه هناك ، ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصريف ـ من الإماتة والإحياء والتولية والعزل والخفض والرفع والعطاء والمنع وكشف البلاء ، وإرساله وتقلب الدول ومداولة الأيام بين الناس ـ إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه ، فمراسمه نافذة كما يشاء (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (السجدة:5)، فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية استغنى به .

وكذلك من شهد مشهد العلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السموات ولا في قرار البحار ولا تحت أطباق الجبال ، بل أحاط بذلك علمه علماً تفصيلياً ثم تعبد بمقتضى هذا الشهود من حراسة خواطره وإرادته وجميع أحواله وعزماته وجوارحه ، علم أن حركاته الظاهرة والباطنة وخواطره وإرادته وجميع أحواله ظاهرة مكشوفة لديه علانية له بادية لا يخفى عليه منها شيء .






([1]) طريق الهجرتين (1/47-49).


www.salafvoice.com
موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
AboGaafer
عضو ممتاز
عضو ممتاز
avatar

ذكر عدد الرسائل : 341
تاريخ التسجيل : 03/09/2006

مُساهمةموضوع: رد: المنة شرح اعتقاد أهل السنة   الخميس 10 مايو 2007, 15:38

التعبد لله بالأسماء والصفات


كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

نستكمل كلام الإمام ابن القيم -رحمه الله- في ذكر حال أحد السابقين إلى الله -عز وجل- ضمن الكلام عن التعبد لله -تعالى- بأسمائه وصفاته،

وبالجملة فيبقى قلب العبد - الذي هذا شأنه - عرشاً للمثل الأعلى ، أي عرشاً لمعرفة محبوبه ومحبته وعظمته وجلاله وكبريائه ، وناهيك بقلب هذا شأنه فيا له من قلب من ربه ما أدناه ما أحظاه ، فهو ينزه قلبه أن يساكن سواه أو يطمئن بغيره ، فهؤلاء قلوبهم قد قطعت الأكوان وسجدت تحت العرش وأبدانهم في فرشهم ، كما قال أبو الدرداء : إذا نام العبد المؤمن عرج بروحه حتى تسجد تحت العرش ... فإن كان طاهراً أذن لها في السجود ، وإن كان جنباً لم يؤذن لها بالسجود ، وهذا ـ والله أعلم ـ هو السر الذي لأجله أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الجنب إذا أراد النوم أن يتوضأ ([1]) ، وهو إما واجب على أحد القولين ، أو مؤكد الاستحباب على القول الآخر ، فإن الوضوء يخفف حدث الجنابة ويجعله طاهراً من بعض الوجوه ، ولهذا روى الإمام أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم إذا كان أحدهم جنباً ثم أراد أن يجلس في المسجد توضأ ثم جلس فيه ([2]) ، وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره .

مع أن المساجد لا تحل لجنب ، على أن وضوءه رفع حكم الجنابة المطلقة الكاملة التي تمنع الجنب من الجلوس في بيت الله وتمنع الروح من السجود بين يدي الله -سبحانه-، فتأمل هذه المسألة وفقهها واعرف بها مقدار فقه الصحابة وعمق علومهم ، فهل ترى أحداً من المتأخرين وصل إلى مبلغ هذا الفقه الذي خص الله به خيار عباده وهم أصحاب نبيه -صلى الله عليه وسلم- ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، فإذا استيقظ هذا القلب من منامه صعد إلى الله بهمه وحبه وأشواقه مشتاقاً إليه طالباً له محتاجاً إليه عاكفاً عليه ، فحاله كحال المحب الذي غاب عن محبوبه الذي لا غنى له عنه ولابد له منه ، وضرورته إليه أعظم من ضرورته إلى النفس والطعام والشراب ، فإذا نام غاب عنه ، فإذا استيقظ عاد إلى الحنين إليه ، وإلى الشوق الشديد والحب المقلق ، فحبيبه آخر خطراته عند منامه وأولها عند استيقاظه كما قال بعض المحبين لمحبوبه :






وَآخِرُ شَيْءٍ أَنْتَ فِي كُلِّ هَجْعَةٍ







وَأَوَّلُ شَيْءٍ أَنْتَ عِنْدَ هُبُوبِي



فقد أفصح هذا المحب عن حقيقة المحبة وشروطها، فإذا كان هذا في محبة مخلوق لمخلوق فما الظن في محبة المحبوب الأعلى، فأف لقلب لا يصلح لهذا ولا يصدق به، لقد صرف عنه خير الدنيا والآخرة.

فإذا استيقظ أحدهم وقد بدر إلى قلبه هذا الشأن فأول ما يجري على لسانه ذكر محبوبه والتوجه إليه واستعطافه والتملق بين يديه والاستعانة به ألا يخلي بينه وبين نفسه ، وأن لا يكله إليها فيكله إلى ضعة وعجز وذنب وخطيئة ، بل يكلؤه كلاءة الوليد الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، فأول ما يبدأ به الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، متدبراً لمعناها من ذكر نعمة الله عليه بأن أحياه بعد نومه الذي هو أخو الموت، وأعاده إلى حاله سوياً سليما محفوظاً مما لا يعلمه ولا يخطر بباله من المؤذيات والمهلكات التي هو غرض وهدف لسهامها كلها تقصده بالهلاك أو الأذى ، والتي من بعضها شياطين الإنس والجن ، فإنها تلتقي بروحه إذا نام فتقصد إهلاكه وأذاه ، فلولا أن الله سبحانه يدفع عنه لما سلم.

هذا وكم تتلقى الروح في تلك الغيبة من أنواع الأذى والمخاوف والمكاره والتفزيعات ومحاربة الأعداء والتشويش والتخبيط بسبب ملابستها لتلك الأرواح ، فمن الناس من يشعر بذلك لرقة روحه ولطافتها ويجد آثار ذلك فيها إذا استيقظ من الوحشة والخوف والفزع والوجع الروحي الذي ربما غلب حتى سرى إلى البدن ، ومن الناس من تكون روحه أغلظ وأكثف وأقسى من أن تشعر بذلك ، فهي مثخنة بالجراح مزمنة بالأمراض ولكن لنومها لا تحس بذلك ، هذا وكم من مريد لإهلاك جسمه من الهوام وغيرها وقد حفظه منه فهي في أحجارها محبوسة عنه لو خليت وطبعها لأهلكته ، فمن ذا الذي كلأه وحرسه وقد غاب عنه حسه وعلمه وسمعه وبصره ، فلو جاء البلاء من أي مكان جاء لم يشعر به ، ولهذا ذكَّر الله سبحانه عباده هذه النعمة وعدها عليهم من جملة نعمه فقال: (قُلْ مَنْ يَكْلأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) (الأنبياء:42)

فإذا تصور العبد ذلك فقال : « الحمد لله » كان حمده أبلغ وأكمل من حمد الغافل عن ذلك ، ثم تفكر في أن الذي أعاده بعد هذه الإماتة حياً سليماً قادراً على أن يعيده بعد موتته الكبرى حياً كما كان ، ولهذا يقول بعدها « وإليه النشور » ثم يقول : « لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله » ، ثم يدعو ويتضرع ثم يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر مستصحب لما فيه ، ثم يصلي ما كتب الله له ، صلاة محب ناصح لمحبوبه متذلل منكسر بين يديه ، لا صلاة مدل بها عليه ، يرى من أعظم نعم محبوبه عليه أن أقامه وأنام غيره ، واستزاره وطرد غيره ، وأهّله وحرم غيره ، فهو يزداد بذلك محبة إلى محبته ، ويرى أن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعيمه ولذته وسروره في تلك الصلاة .

فهو يتمنى طول ليله ويهتمّ بطلوع الفجر كما يتمنى المحب الفائز بوصل محبوبه ذلك ، فهو كما قيل :






يود أن ظلام الليل دام له







وزيد فيه سواد القلب والبصر



فهو يتملق فيها مولاه تملق المحب لمحبوبه العزيز الرحيم ، يناجيه بكلامه معطياً لكل آية حظها من العبودية فتجذب قلبه وروحه إليه آيات المحبة والوداد ، والآيات التي فيها الأسماء والصفات ، والآيات التي تَعَرّف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم ، وتطيّب له السير آيات الرجاء والرحمة وسعة البر والمغفرة فتكون له بمنزلة الحادي الذي يطيّب له السير ويهونه ، وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره المائلين إلى سواه ، فيجمعه عليه ويمنعه أن يشرد قلبه عنه ، فتأمل هذه الثلاثة وتفقه فيها ، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وبالجملة فيشاهد المتكلم سبحانه وقد تجلى في كلامه ويعطي كل آية حظها من عبودية قلبه الخاصة الزائدة على مجرد تلاوتها والتصديق بأنها كلام الله ، بل الزائدة على نفس فهمها ومعرفة المراد منها . ثم شأن آخر لو فطن له العبد لعلم أنه كان قبلُ يلعب، كما قيل:






وَكُنْتُ أَرَى أَنْ قَدْ تَنَاهَى بِيَ الهَوَى
فَلَــمَّا تَلاقَيْنَــا وَعَــايَنْتُ حُسْنَهَـا







إِلَى غَايَــةٍ مَــا بَعْدَهَــا لِيَ مَذْهَبُ
تَيَقَّنْتُ أَنِّي إِنِّــــمَا كُنْتُ الــعَبُ



فوا أسفاه وواحسرتاه كيف ينقضي الزمان وينفذ العمر والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة ، وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها ، بل عاش فيها عيش البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس ، فكانت حياته عجزاً وموته كمداً ومعاده حسرة وأسفاً ، اللهم فلك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ([3]) .

وهذا باب سعادة عظيم، بل أعظم أسباب السعادة، وهو أن يتعبد الإنسان بمقتضى أسماء الله وصفاته ويحب الرب -عز وجل- بها، ويدعوه بها، ونجد أن أدعية الكتاب والسنة كلها تدور حول التوسل إلى الله -عز وجل- بأسمائه وصفاته.






([1]) رواه البخاري (290) ، ومسلم (306) ، والنسائي (260) ، وأبو داود (221) ، والترمذي (120) ، وابن ماجة (585) وأحمد (5931).


([2]) رواه سعيد بن منصور في السنن (4/1275) في تفسير سورة النساء، وذكره ابن كثير في تفسيره (1/503)، وقال: هذا إسناد على شرط مسلم.


([3]) من كلام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتاب طريق الهجرتين.


www.salafvoice.com
موقع صوت السلف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://algana.editboard.com
 
المنة شرح اعتقاد أهل السنة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي الطريق الي الجنة علي منهج السلف الصالح :: طرق العلوم الشرعية :: طريق العقيدة و التوحيد-
انتقل الى: